فيلم "حرب النجوم": سر نجاح المخرج جورج لوكاس في مهنته

مصدر الصورة Getty

هل كان فيلم "حرب النجوم" سيحقق ذلك النجاح المدوي دون مخرجه الذي يتصف بخصال لا يتصف بها إلا كبار القادة وأصحاب النجاح؟

بافتتاح الفيلم الجديد من سلسلة أفلام حرب النجوم، الذي يحمل اسم "حرب النجوم: صحوة القوة"‘، شهدنا سيلاً من التعليقات التي تدور حول "جورج لوكاس" وإرث أفلامه، وعبقريته، وإبداعه، على أنها لا تُصدق.

ومع كل ذلك، هناك الكثير الذي يمكن أن يُحكى عن هذا الرجل. إن صناعة أي فيلم، في حد ذاتها، لا تختلف عن ابتكار أي مشروع. إذ يحتاج الاثنان إلى قيادة قوية، ورؤية مقنِعة، والقدرة على تحفيز وإدارة الأذكياء بشكل يمكِّنهم من تنفيذ تلك الرؤية بفعالية.

وقد اتضح أن "جورج لوكاس" كان استثنائياً في هذا الخصوص أيضاً. كانت بيئة العمل في شركة "لوكاس فيلم" تعاونية بشكل كبير، وربما أكثر بكثير على ما يبدو مما يوجد في العديد من أجواء العمل في الشركات الرقمية في أيامنا هذه، حتى في الشركات ذات الأجواء التي يُنادى فيها على أعضاء فرق العمل بالصراخ.

إذ يتعاون العاملون في قسم الكمبيوتر مع العاملين في القسم المسؤول عن المؤثرات الخاصة، أو القسم الذي يقوم بتطوير الألعاب.

أما في قسم "إندستريال لايت آند ماجيك"، وهو عبارة عن استوديوهات "في.إف.إكس" والرسوم المتحركة بشركة "لوكاس فيلم"، فلم يكن لدى العاملين فيه وصف وظيفي محدد، وبدلاً من ذلك، كانوا يكلّفون بتنفيذ مهام في مشاريع متنوعة حسب الحاجة، واعتماداً على الأشخاص الموجودين منهم.

وقد منحهم ذلك الأسلوب الحرية في التحرك والتعاون مع زملاء آخرين، ولولا ذلك، ما كانت الفرصة ستتاح لهم للالتقاء بهؤلاء الزملاء أو العمل معهم. إن الاستفادة من خبرات الناس بهذا الشكل تحتاج في الأغلب إلى مرونة عالية، إضافة إلى الرغبة في التخلي عن مستوى معين من الضبط والسيطرة.

ويحتاج الأمر هنا إلى جرأة. وقد كانت تلك، ولا زالت، السمة المميِّزة لشخصية "لوكاس". فقد كان مندفعاً لإعادة خلق بيئة عمل مبدعة ومنفتحة، مثل تلك التي مر بها عندما كان يدرس في كلية إخراج الأفلام بجامعة كاليفورنيا الجنوبية.

يقول كلينت غولدمان، وهو فنان متخصص في المؤثرات المرئية، وعمل بقسم "إندستريال لايت آند ماجيك" لسبع سنين في أوائل تسعينيات القرن الماضي: "لقد ابتدع لوكاس هذا الأمر على نحو مختلف، وكان ذلك بمثابة مشروع لكلية فنون أتاحت الفرصة لكل أولئك الناس كي يتعلموا من الآخرين."

وتعد مزرعة "سكايووكر" مقرا مفضلا لدى لوكاس بمقاطعة مارين بولاية كاليفورنيا، ومن بين مجموعات العمل في هذه المزرعة، يعمل الزملاء هناك بشكل وثيق مع بعضهم إلى درجة أن أذهانهم تمتزج سوية؛ ما يمنحهم إحساسا بديهيا عميقا بالأفكار الخلاقة التي يبتدعها كل واحد منهم.

مصدر الصورة Getty

كان "فيل تيبيت" أحد العاملين لدى "لوكاس" ومن الذين نالوا جائزة أوسكار، وكان يتذكر ذلك قائلاً: "يبدأ الأمر بتطوير لغة خاصة بيننا، وهي تقريباً نوع من أنواع توارد الخواطر؛ وتستعيد إدراكك لتاريخ الأفلام والمراجع والأمور التي ألهمتك في الماضي، وتصبح كل هذه الأمور على نحو ما نقطة جوهرية."

ويضيف "تيبيت" أنه في سياق أي نقاش معين، يمكنك اختصار ساعات وساعات من وصف بعض الحالات أو المشاهد السينمائية السابقة.

يقول ريك مالكوم، وهو مخرج فيلم "مذكرات الشاب إنديانا جونز" في حديثه لمايكل روبين، مؤلف رواية "صانع الروبوت"، إنه في خضم التعاون الوثيق الذي كان قائماً، طوّر العاملون في شركة "لوكاس فيلم" أيضاً علاقات شخصية تجاوزت بكثير تلك الروابط الاعتيادية التي تجمع الزملاء فيما بينهم. إنه نوع من الوشائج التي تستمر طوال مهنة بأكملها.

كانت مزرعة "سكايووكر" "مكاناً حقيقياً يمكن فيه للناس أن يعملوا معا، وأن يحتفلوا معا، وأن يحاولوا التأليف والاتيان بشيء ما. كنا (في المزرعة) نقضي شهراً كاملاً في كل مرة ... كنا نسهر كل ليلة، ونجتمع ثانية في الثامنة من صباح اليوم التالي في غرفة الاجتماعات. ولم نكن لنترك الغرفة حتى الثامنة مساءً. كانت الغرفة عبارة عن مخيم لإخراج الأفلام"، كما قال مالكوم.

الحفاظ على بساطة الأمور

لم يكن التعاون هو الأمر الوحيد الذي ميّز "لوكاس" عن غيره في إدارة العاملين. ما يدعو إلى السخرية هو أن نهجه في التعامل مع الأمور التقنية يبدو وكأنه إرتداد إلى زمن أكثر سذاجة. لكن تبيّن أن هذا النهج "الساذج" تجاه الإبداع والابتكارات التقنية قد أثمر، أليس كذلك؟ ويظهر هذا الأمر بشكل أكثر عندما نقارن ما جرى في مزرعة "سكايووكر" مع مشاريع المال والأعمال في وقتنا الراهن.

إن العديد من المشاريع، حتى تلك التي تسمى الصناعات الإبداعية، تجتذب الكثير من العلوم خلال عملية الإبداع. إنها تنشر رؤى من مجالات متعددة، مثل العلوم المعرفية، ودراسة الجهاز العصبي، وإقتصاديات السلوك، لجمع كمٍّ هائلٍ من البيانات التي لا تُحصى للمساعدة في اتخاذ قرارات مبتكرة.

إن البرامج التطبيقية أكثر منا ذكاء، فنقرات الماوس، وبيانات الكمبيوتر تفوقت على حدس الإنسان وموهبته الخالصة.

مصدر الصورة Getty

إنها نزعة تتطور بسرعة، وحسب تقرير صدر عام 2015 عن مؤسسة "في.بي. إنسايت"، فإن العديد من الشركات تتهيأ لزيادة إنفاقها على تحليلات التسويق، بما في ذلك "رؤى جمهور المشاهدين"، و"تحليلات العلامة التجارية" و"فعالية الدعاية والإعلان"، بأكثر من 70 في المئة خلال السنوات القليلة القادمة.

استكشاف آفاق جديدة

آمن "لوكاس" بالتكنولوجيا واستعملها لصناعة أفلامه، لكنه لم يستعملها لقولبة العملية الإبداعية داخل أفلامه. توجهت بسؤال إلى "رون غيلبرت"، الذي عمل في قسم الألعاب بشركة "لوكاس فيلم" خلال أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وأوائل التسعينيات، وسألته عن العملية الإبداعية في عهد "لوكاس".

لقد لاحظ غيلبرت أن العديد من ألعاب الفيديو في وقتنا الحاضر تستند على أبحاث أجريت حول آراء العملاء. فمصممو الألعاب مقيدون بالتصورات المتطورة للعملاء، وأذواقهم، وعاداتهم.

يتوفر مجالٌ في تلك الشركة لعملية إبداعية أنقى وأقل اعتماداً على التحليلات، مما يعطي الحرية للعاملين فيها لكي تقودهم تخيلاتهم حيثما شاءت. إن بيئة إبداعية كهذه، في تقدير غيلبرت، "تؤدي فقط إلى الإتيان بأفكار مشوِّقة ومختلفة تماماً؛ وتعطيك إحساساً بأنه لا بأس من التعمق في الأمور واستكشافها."

أدركُ تماماً بأن ذلك الاستكشاف ربما يكون مكلفاً، ومن المؤكد أنه لا يبدو فعالاً جداً، لكن الطفرات المفاجئة الكبرى في المعرفة ـ حتى في "وادي السيليكون"، لا تأتي عن طريق "البيانات الضخمة" التي تقدمها عمليات التحليلات الكبرى.

دعونا لا ننسى أن شركات مثل فيسبوك وغوغل وأبل تستمد نفوذها وبنشاط من تلك "البيانات الضخمة" في يومنا هذا لكي تنمو وتتوسع، لكن الشرارة التي أدت إلى ظهور تلك البيانات أشعلها أفراد أو شركات رائدة أو حتى إبداع فكري فردي.

كان العمل التعاوني والاستكشاف الإبداعي مفتاحين رئيسيين ساعدا في ترجمة رؤى "جورج لوكاس" إلى سلسلة من الأفلام والتقنيات التي حددت ملامح حقبة معينة.

لكن بينما نجلس لمشاهدة أحدث أفلام حرب النجوم، "صحوة القوة"، في موسم الأعياد، دعونا نتوقف لبرهة لنستذكر بقية أفلام تلك السلسلة، فهي لم تكن لتظهر دون توافر أكثر الأمور الدنيوية سحراً، والتي نسميها... الإدارة.

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة