هل تتحول الكويت من النفط إلى مجال المشاريع والأعمال؟

مصدر الصورة Thinkstock

ظهرت في الفترة الأخيرة شخصيات رائدة من الرجال والنساء في مجال التجارة والأعمال في الكويت، وتمكن بعضها من تحقيق نجاح كبير في هذا الصدد. الصحفية سمية بخش من بي بي سي تلقي الضوء على بعض هذه النماذج.

حضرتُ إحدى الأمسيات في غرفة ذات قبوٍ كبير في "مجمع دسمان" بمدينة الكويت. وفي الجوار، كانت هناك مجموعة متراصة من المتاجر والمكاتب المتخصصة في تجهيز الأعمال الفنية.

كان هناك أكثر من عشر نساء كويتيات ومغتربات يستمعن باهتمام للسيدة أروى الجاسر، وهي خريجة جامعية متخصصة في الأمور المالية، وتبلغ من العمر 28 عاماً.

كانت الجاسر تعمل في وظيفة حكومية. غير أنها، ومنذ سبتمبر/ أيلول الماضي، أصبحت عضوة في فريق العمل المسؤول عن موقع "مكانكم" الإلكتروني؛ وهو موقع على الإنترنت متخصص في تأجير أماكن العمل، والمكاتب، وقاعات الاجتماعات، بنظام الساعات.

وكانت تتحدث، والبهجة تملأ محيّاها، عن كيفية تحولها لتصبح مبرمجة لمواقع الإنترنت في الوقت الحالي. إنها تشعر بحماس تجاه عملها، وغالباً ما تعمل لساعات أطول، مع قليل من النوم.

رأيناها وهي تسرع لتشجيع إحدى الحاضرات اللاتي قالت إنها تفكر في تغيير مماثل لحياتها المهنية ولكن يراودها بعض التردد. أجابتها الجاسر: "ما عليك إلا أن تقومي بذلك الأمر، حاولي فقط".

وتقول الجاسر إنها عندما تركت وظيفتها كانت غير متأكدة مما إذا كانت قد اتخذت القرار الصائب.

وتقول: "احتجت لشخص يشدني من يدي ويريني الطريق. من المؤكد أنني سأكون ذلك الشخص (بالنسبة للآخرين الذين يمرون بحالات مماثلة) في المستقبل. إنها المرة الأولى التي أدرك فيها حقاً ما يعنيه أن أهوى ما أقوم به."

كان الحضور الذين جاؤا للاستماع إلى كلام الجاسر قد تجمعوا لحضور إحدى فعاليات برنامج عالمي غير ربحي يحمل اسم "البنات في (مجال) التقنية".

Image caption تحدثت الجاسر (يسار) إلى عدد من النساء عن تجربتها في مجال الأعمال

كان الهدف من هذا النشاط هو أن تصبح قصص النجاح التي تلقيها الجاسر وغيرها من النساء ملهمة لنساء أخريات لكي يتخذن قرارهن في اتجاه تلك القفزة النوعية، والانتقال إلى عالم المشاريع التقنية.

طموحات الأعمال الحرة

كان اللقاء في تلك الأمسية واحداً من العديد من الأنشطة التي تقام في الكويت. فذلك البلد يسعى لخلق جيل جديد من أصحاب الأعمال الحرة والمشاريع كجزء من طموحات البلد في تنويع اقتصاده المعتمد على النفط في الأساس، ولكي يكون في موقع محوري في المنطقة في مجال المال والأعمال والتجارة.

ويشكل النفط حوالي 60 في المئة من الأنشطة الاقتصادية في الكويت، كما أنه يجلب ما يقرب من 95 في المئة من عائدات التصدير.

وقد ظلت أسعار النفط منخفضة عالمياً خلال شهور السنة الماضية. ولذا، دعا أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، إلى القيام بإصلاحات اقتصادية، والحد من النفقات العامة.

وقد صرح أمير البلاد في كلمة ألقاها في الأشهر القليلة الماضية بأن إيرادات الدولة قد انخفضت بنسبة 60 في المئة بسبب ذلك التراجع في أسعار النفط.

ويتمثل أحد العوامل الرئيسية لبرنامج الإصلاحات ذلك في "الصندوق الوطني لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة" في البلاد. وكانت الحكومة الكويتية قد حددت مؤخرا مبلغ ملياري دينار كويتي (6.6 مليار دولار أمريكي) لهذا الصندوق.

وجرى في السابق تخصيص موارد مالية أيضا، لكنها كانت أقل، سعياً لتحقيق أهداف مماثلة. غير أن تلك الموارد أخفقت في إحداث التأثير المأمول، مما جعل الكثيرين يتساءلون عما إذا كان للصندوق الوطني أي تأثير مختلف.

لكن الموارد المالية الضخمة المخصصة لهذه الخطة الأخيرة تعكس، على الأقل، تصميماً قوياً على السعي لإحداث تأثير فعال.

وتهدف تلك الخطة إلى التركيز على مجال المشروعات بكل جوانبه، والذي يؤثر على قطاع التجارة والأعمال في الكويت. لذا، تسعى الخطة لخلق "محاور" في مختلف المجالات؛ إذ يمكن لرواد الأعمال والتجارة أن يحصلوا على خدمات أكثر مثل الإرشاد والتمويل.

مصدر الصورة Reuters

لكن ذلك البرنامج سيكون متاحاً فقط للكويتيين، والبالغ عددهم 1.3 مليون نسمة، ولن يشمل المغتربين المقيمين في البلد، وعددهم 2.9 مليون شخص.

ازدهار المشهد التكنولوجي

كانت السيدة أروى الجاسر محظوظة جداً. فقد استفادت من دورة تجريبية تقام في أولى مخيمات تدريب المبتدئين على برامج التشفير والأكواد الإلكترونية، والتي تنظمها مؤسسة أعمال كويتية تدعى "كوديد" (Coded)، وهي أكاديمية متخصصة في تعليم الشفرات الإلكترونية.

وقد أسس هاشم بهبهاني وأحمد معرفي تلك المؤسسة عندما أخفق مشروعهما الناشيء السابق. وكان ذلك مشروعاً للتجارة عبر الإنترنت موجهاً للشركات المحلية الصغيرة.

يقول بهبهاني: "قلت لأحمد إن أحد الأسباب الرئيسية لفشل ذلك المشروع السابق هو أننا لم نكن نعرف القيام بعملية التشفير. لقد واجهنا مصاعب حقيقية لكي نجد موهوبين في ذلك المجال."

لذا قررا أن يتعلما ذلك المجال. ولأنهما توقعا أن تؤدي طريقة البحث في موقع غوغل إلى إيجاد خيارات عديدة، فقد صُعقا عندما وجدا بأن أنسب مخيم لتدريب المبتدئين على برامج التشفير في منطقة الشرق الأوسط للناطقين باللغة العربية يقع في لبنان.

وقد أقيمت أول دورة لمؤسسة "كوديد" في الصيف الماضي. ويأمل السيدان بهبهاني ومعرفي أن يساهم خريجو تلك الدورات التدريبية في بناء العمود الفقري لمشاريع التقنيات الناشئة في البلد.

يقول بهبهاني: "الشباب في الكويت هم رواد بالفطرة في مجال ادارة الأعمال. ستجد الكثيرين من الناس هنا ممن يعملون طوال اليوم في وظائف ومهن معينة، ولكنهم يديرون أعمالهم الحرة في أوقات أخرى."

لكنه يقر بأنهم يعتمدون، في هذا البلد الصغير، على مجموعة محدودة من المواطنين الكويتيين.

Image caption أسس هاشم بهبهاني وأحمد معرفي أكاديمية كوديد.

يقول بهبهاني إنه مقتنع بامتلاك الكويتيين لإمكانات عظيمة في مجال التقنيات والأعمال الحرة. ويضيف أنه من خلال وجود العمالة الوافدة، فإن البلد لديه ما يؤهله ليكون نابضاً بالحياة في مجال ريادة الأعمال والمشاريع الحرة.

مسار غير تقليدي

لم يكن المسار الذي سلكه عذبي المطيري إلى الأعمال الحرة مشابهاً لغيره. فقد قضى هذا الرجل، البالغ من العمر 36 عاماً، خمس سنين من عمره في الخدمة العسكرية بعد أن ترك الدراسة في الثانوية العامة.

وعندما أخفقت خططه للدراسة في المملكة المتحدة، شغل وظيفة في مجال تكنولوجيا المعلومات في صحيفة محلية.

وخلال السنين الخمس التي قضاها هناك، علّم المطيري نفسه بنفسه عملية وضع الشفرات الإلكترونية من خلال الإنترنت.

ثم استمر لينشيء تطبيق "كويت ريدر"، وهو تطبيق يجمع المحتويات المتوفرة محلياً في الكويت على موقع "تويتر".

ولاقى هذا التطبيق نجاحاً، لذا واصل المطيري عمله حتى باع تطبيق "كويت ريدر"، إضافة إلى نسخه المعدلة، لدولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، ومصر.

أطلق المطيري آخر تطبيق له، بنسخته الحالية، في شهر أغسطس/آب الماضي. ويقوم ذلك التطبيق بأرشفة مقاطع الفيديو المتوفرة على مواقع التواصل الاجتماعي المحلية، والتي تحقق نسب مشاهدة عالية، وذلك بعد أخذ موافقة أصحابها بالطبع.

مصدر الصورة Coded

ويستخدم ذلك التطبيق حاليا، والذي يحمل اسم "مُوجز" (Mojaz 200) ألف مستخدم نشط، ويقومون بتنزيل 1.5 مليون مقطع فيديو في المتوسط، يومياً.

يقول المطيري: "لم أكن أتصور على الإطلاق أن يصل التطبيق إلى هذه الأرقام في هذا الإطار الزمني. أنا فخور جداً بذلك."

وفي الوقت الذي حقق فيه نجاحه دون الحصول على كثير من المساعدات الخارجية، يعتقد المطيري أنه كان سيستفيد من أنواع الدعم المتوفرة حالياً لأصحاب الأعمال الحرة الناشئة.

هل هذا نهج خاطيء؟

على الصندوق الوطني في الكويت، إذا أراد أن يحقق برنامجه الطموح، أن يجري تصميمه بشكل جيد، حسب رأي نبيل النور، وهو أحد أصحاب الأعمال الحرة الذين ولدوا ونشأوا في المملكة العربية السعودية، وهو يقيم الآن في "وادي السيليكون"، ويعمل رئيساً لشركته الخاصة في حقل استثمار رؤوس الأموال، "غرافين فينتشيرز".

ويعتقد الرجل أنه يجب في المقام الأول أن يكون هناك حكم رشيد موضع تطبيق في الكويت.

ويقول: "عندما تُنفق الموارد المالية، فيجب أن تُمنح على أساس إجراءات واضحة جداً يمكن تتبُّعها لاحقاً، لنرى مَن تم منحه الأموال، وما مدى جديته في مشروعه."

كما يأمل في أن يقوم الصندوق بتقديم موارد مالية للعمالة الوافدة التي تعيش في الكويت.

ويضيف: "لو كنت مكان الحكومة، كنت سأقول إن الموارد المالية للصندوق يجب أن تخصص لكل من يريد تأسيس عمل تجاري في الكويت".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Entrepreneurship.

المزيد حول هذه القصة