نقص الدولار في مصر وسط محاولات حكومية لحل الأزمة

مصدر الصورة Thinkstock
Image caption يؤدي نقص المعروض من الدولار لارتفاع سعره في السوق الموازي، ومن ثم ارتفاع أسعار معظم السلع

"أنا أشتري الدولار وأبيعه بالسعر الرسمي الذي يحدده البنك المركزي، وهو 7.78 جنيه للشراء و 7.83 للبيع، وكل ما أربحه هو ثلاثة آلاف جنيه في كل 100 ألف دولار".

بهذه الكلمات علق صاحب شركة للصرافة بالقاهرة، والذى بدا متخوفا من الحديث ورفض الكشف عن هويته، ونشير إليه هنا بإسم محمد.

وحينما سألته بي بي سي عن مدى وجود أزمة تتعلق بنقص الدولار في سوق الصرف المصري نفى ذلك تماما، قال: "ليست هناك أزمة، والدولار متوفر، وإذا كنت مستوردا وبحاجة إلى الدولار فاحضر لي أوراقك، وهي بطاقة الضريبة وفاتورة المشتريات من الواردات، وسأبيعك ما تحتاج من الدولار بالسعر الرسمي".

لكن ما قاله محمد نفاه شاب آخر، تلقى حوالة من والده الذي يعمل بالخارج، وقال: "لقد بعت الدولار بـ 8.80 جنيه في السوق الموازي قبل يومين، لكني علمت أنه تخطى حاجز التسع جنيهات بالأمس".

وتعاني مصر منذ أيام من أزمة نقص الدولار في سوق العملات، وارتفاع سعره في السوق الموازي (السوق السوداء) إلى أكثر من تسعة جنيهات، بحسب تقارير للصحافة المحلية، في حين وقف سعره الرسمي عند 7.78 جنيه للشراء و 7.83 للبيع.

وشهد سوق الاستثمار في مصر خلال الفترة الأخيرة خروج بعض الشركات الأجنبية منه بسبب نقص الدولار، وكان آخرها شركة جنرال موتورز، التي أوقفت إنتاجها بمصر قبل نحو أسبوع، بسبب عدم قدرتها على توفير الدولار اللازم لاستيراد مستلزمات الإنتاج.

واتخذت الحكومة المصرية عدة إجراءات لمواجهة أزمة نقص الدولار، وهي تبدو غير كافية حتى الآن.

إجراءات حكومية

مصدر الصورة Reuters
Image caption يحاول البنك المركزي المصري زيادة المعروض من الدولار

وقرر محافظ البنك المركزي، طارق عامر، رفع سقف الإيداع النقدي بالعملة الصعبة، من 50 ألف دولار شهريا إلى 250 ألفا، لاستيراد السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج، ومليون دولار للشركات المصدرة التي لها احتياجات استيرادية.

وقال عامر إن هذا الإجراء أدى إلى ارتفاع الإيداعات الدولارية في البنوك بنحو 3 مليارات دولار، مشيرا إلى أن قرارات المركزي تستهدف زيادة موارد الاقتصاد المصري من العملة الصعبة، بنحو 36 مليار دولار خلال العام الجاري.

كما أعلن جمال نجم، نائب محافظ البنك المركزى عن حظر التعامل بالدولار أو أي عملة أجنبية، لسداد المشتريات عبر بطاقات الدفع الإلكتروني داخل السوق المحلى.

ومن بين تلك الاجراءات الحكومية أيضا ما أعلنه علاء فاروق، رئيس قطاع التجزئة بالبنك الأهلى المصري، أكبر البنوك الحكومية في مصر، والذي قرر خفض الحد الأقصى للسحب النقدي من خلال منافذ الصرف الآلي خارج مصر، من 3 آلاف دولار إلى ألفي دولار، وهو ما أعلنت عنه عدة بنوك أخرى.

وقال فاروق في حوار للتلفزيون الرسمي المصري: "قمنا بذلك بعد ما رصدنا عمليات سحب نقدي بالخارج بغرض الاتجار. وهذا إجراء طبيعي، فكل بنك يقوم بمراجعة منتجاته كل فترة، بما يراعي مصلحة عملائه ومصلحة الوطن".

وأشار فاروق إلى أن هذا القرار لم يأت بتوجيه من البنك المركزي، مقرا بوجود ضغط على الدولار، لكنه نفى تماما أي توجه نحو تعويم الجنيه.

وبالعودة إلى شركات الصرافة، قال اسماعيل جاد، مدير شركة المحمل للصرافة: "هناك أزمة خلال الأيام الأخيرة، فهناك نقص في المعروض وارتفاع في الطلب، والعملاء الذين يمتلكون الدولار يتوقعون مزيدا من الارتفاع في السعر؛ ومن ثم ينتظرون حتى يبيعوه بأعلى سعر ممكن".

وعن حل الأزمة قال اسماعيل: "ننتظر الحل من جانب المسؤولين، فمحافظ البنك المركزي ووزير المالية يجب أن يبحثا عن حل لهذه المشكلة".

وهناك عدد من شركات الصرافة يعاني نوعا آخر من الصعوبات، حيث تحفظت عليها الحكومة منذ أشهر، واتهمتها بالتلاعب في سوق الصرف، والمساهمة في ارتفاع سعر الدولار، بدعوى "انتماء أصحابها إلى جماعة الإخوان المسلمين".

ويقول صاحب إحدى هذه الشركات طلب عدم ذكر اسمه: "شركتي من بين 17 شركة صرافة متحفظ عليها من الحكومة، وأنا لا أبيع ولا اشتري، وعندي مندوب دائم من لجنة التحفظ، هو من يدير الشركة ويتعامل مع الزبائن".

وأضاف: "ليس لي أي علاقة بالسياسة، وكل ما يهمني هو مصدر رزقي، لكنهم اتهموني بالتعاطف مع الإخوان".

"خلل هيكلي"

Image caption يخشى خبراء مزيدا من الانهيار للجنيه المصري

ويرجع عبدالخالق فاروق، مدير مركز النيل للدراسات الاقتصادية أزمة الدولار إلى ما وصفه بخلل هيكلي في الاقتصاد المصري، وتآكل قوى الإنتاج، وتزايد الفجوة في الميزان التجاري، والتي تبلغ "أكثر من 50 مليار جنيه".

وقال لبي بي سي: "مورادنا الأساسية من النقد الأجنبي تتراجع، فالسياحة منهارة، وإيرادات قناة السويس ثابتة عند 5.5 مليار جنيه منذ سنوات، حتى تحويلات العاملين المصريين بالخارج التي زادت بعد ثورة يناير، انخفضت الآن، لأنهم لا يثقون في النظام الحالي وسياساته الاقتصادية".

ويرى عبدالخالق فاروق أن الخلل الاقتصادي بدأ في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، ويتزايد بمرور الوقت، حتى أن مصر تستورد حاليا "65 في المئة من مستلزمات التشغيل والإنتاج، و70 في المئة من استهلاكها من السلع الغذائية".

وأضاف: "الأوضاع السياسية تنعكس تماما على الاقتصاد، وأتوقع ألا ينتهي العام الجاري قبل أن يصل الدولار إلى عشرة جنيهات".

لكن أحد العاملين في بنك القاهرة، أحد البنوك الحكومية، توقع في تصريح لبي بي سي أن تنفرج أزمة الدولار قريبا، قائلا: "أتوقع أن يتخذ البنك المركزي إجراءات من شأنها حل الأزمة، وتوفير الدولار بأي شكل من الأشكال. الحكومة لن تسمح بأن يرتفع سعره أكثر من ذلك".

وكان الاحتياطي النقدي لمصر من العملات الأجنبية قد انخفض، من نحو 36 مليار دولار قبل ثورة يناير 2011 إلى 16.477 مليار دولار، في نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي.

المزيد حول هذه القصة