أسرار النجاح في الهند

مصدر الصورة iStock
Image caption نيودلهي تعج بالنشاط

تغادر البروفيسير"دورا كووب" منزلها في مونتريال وتسافر إلى الهند لتدريس برنامج دراسي في إحدى كليات إدارة الأعمال. ومن بين أوقاتها المفضلة هناك متابعة أمر هندي بامتياز، وهو: التباين بين الحديث والقديم.

توضح "كووب"، على سبيل المثال، أن مواقع الشركات الكبرى في مجال التكنولوجيا بمدينة "بنغالور" تبدو أشبه بالمقرات الرئيسية للشركات العملاقة في كاليفورنيا، إذ أن هناك أبنية معاصرة وزي على الطراز الغربي وخليط من المواطنين المحليين والمغتربين.

غير أنه يوجد جانب آخر من الهند غني بالأشياء التي تذكرنا بالماضي البعيد. في إحدى الليالي وهي في طريقها لحضور حفل استقبال أقيم في منزل زميل لها في حي من أحياء الطبقة المتوسطة، مرت "كووب" على رجل معه عربة تجرها دراجة هوائية، ويعمل في كي الملابس مستعملا جهازاً عتيقاً يُحرق فيه الفحم ليزوده بالبخار اللازم لإنجاز عمله.

ورغم كل التقدم الذي شهدته الهند، فإنها لا تزال مكاناً تجد فيه تفاوتاً هائلاً بين الغني والفقير، حيث يعيش خُمس السكان في حالة فقر، بحسب "البنك الدولي". وفي نفس الوقت، جاء في "تقرير الثروات" الذي أعدته شركة العقارات الاستشارية "نايت فرانك" أن عدد أصحاب المليارات في هذا البلد قد زاد بنسبة 333 في المئة في العقد الماضي.

قالت "كووب"، التي تشغل منصب المدير العام لقسم "الماجستير الدولي في ممارسة الإدارة" IMPM التابع لجامعة "مكغيل" في مونتريال، إن هذا الموقف "كان تذكيراً بأن هناك على الدوام في الهند عالمين متباينين".

وتضيف: "كأجنبي يعمل في الهند، ما عليك إلا أن تقبل هذين العالمين وأن تتعلم كيف تعيش فيهما وبينهما". هذا الأمر صحيح بشكل خاص بالنسبة للمديرين الأجانب المكلفين بالإشراف على العاملين في الهند لأول مرة.

يضم هذا البلد مزيجا من ثقافات وعادات وتقاليد وقائمة من الأعياد تثير دهشة الغرباء، بدءا من الطائرات الورقية لـ"ماكار سانكرانتي" في شهر يناير/ كانون الثاني إلى حلوى "غادجيك" خلال شهر ديسمبر/ كانون الأول. ويُتوقع من أي مدير ناجح أن يدرك هذه القواعد والأعراف الثقافية قبل أن ينال احترام ودعم مرؤوسيه.

بلدان عديدة في بلد الهند

يقول "شيفانغ دروفا" مؤسس ومدير مدرسة "إف.ايه .دي. انترناشنال" للفنون والتصميم، والتي لها فرعان في الهند ودبي، إن الأمر لا يتعلق فقط بفهم أحوال الهند عموماً. ويضيف دروفا :"الهند بلد كبير، لذا فالأمور تختلف من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب".

ويضيف: "تحتاج إلى رؤية الهند ليس كمجرد بلد واحد بل كبلد من 20 ثقافة مستقلة بذاتها، بكل ما فيها من لغات وعادات مختلفة".

وقبل البدء بمهمة إدارية في الهند، يقترح "دروفا" على الأجانب أن يقضوا أسبوعين أو ثلاثة هناك كسائحين لكي يتعلموا ثقافات الهنود.

ويرى "دروفا" أن أكثر الاختلافات الثقافية بالنسبة للأجانب ربما هو نظام الطبقات الاجتماعية في البلد والذي ظل عصيا على التغيير حتى وقت قريب مضى. قليلون من المديرين الأجانب هم الذين يفهمون جيدا النظام الاجتماعي في الهند، والذي كان يعني في فترة ما أن الذين يولدون وسط طبقة اقتصادية معينة يكتب لهم أن يبقوا فيها الى الأبد.

وعدد أقل من هؤلاء المديرين يعرف أنه خلال العقود الأخيرة لم يعد النظام الطبقي هذا مهماً في المدن الكبيرة، وخاصة في الشركات الكبرى حيث يمكن أن تجد موظفين من طبقات اجتماعية مختلفة وهم يعملون بدون أن يناقشوا مكانتهم في السلم الاجتماعي.

وأوضح "دروفا" أن الهند في الغالب لا تزال تُدار بشكل قيادي هرمي تقليدي يعطي فيه المدير الأعلى الأوامر ويقود بأسلوبه الخاص أنشطة الشركة أو المؤسسة. وبالنسبة للمديرين الذين يريدون أجواء عمل تعاونية فقد يحالفهم الحظ بتوظيف أشخاص من جيل الألفية، الذين تلقى العديد منهم تعليمه خارج الهند أو إنهم ممن نبذوا الأسلوب المستبد في الإدارة.

ويقول: "من المناسب للمديرين الأجانب أن ينقلوا ابتكاراتهم من ثقافاتهم هم، ولكن إذا ما أتيت إلى هنا وتوقعت أن تدير مكتباً مثلما كنت تديره في بلدك بالضبط فقد تصاب بخيبة أمل".

مصدر الصورة Thinskstock
Image caption شيفانغ دروفا يرى أن المديرين الذين يريدون أجواء عمل تعاونية قد يحالفهم الحظ بتوظيف أشخاص من جيل الألفية، الذين تلقى العديد منهم تعليمه خارج الهند

أيام الاحتفالات

قد يصل مجموع أيام العطلات الرسمية إلى ما يقرب من عشرين يوماً إجازة عن العمل.

ويقول "دالهيا ماني"، البروفيسور في التخطيط الاستراتيجي في كلية "اتش.إي.سي. باريس" لإدارة الأعمال، وهو من مواليد ومواطني الهند، إنه من المهم للمدير الأجنبي إظهار مراعاته وتقديره لهذه العطلات، والتي غالباً ما تختلف من منطقة لأخرى.

لا يتعلق الأمر فقط بمنح الموظفين إجازة من العمل. كما أنه ليس من الصواب منع إقامة تلك الاحتفالات في أماكن العمل، بما في ذلك تزيين المكاتب وتقديم حلويات جوز الهند في أعياد الميلاد وأطباق الأرز البرياني خلال فترة عيد الفطر.

ويقول ماني "سيُعتبر منع القيام بهذه الأمور تصرفا غريبا جداً في ثقافة الهنود. بالنسبة للشركات الغربية، فإن الاحتفال بالمناسبات والعطل الدينية في أماكن العمل ربما يثير نوعا من الاستياء. لكن هذا ليس صحيحاً في الهند".

روابط شخصية

يجب أيضا على المديرين الأجانب أن يعلموا أن هناك نهجا شخصيا يتسم بدرجة أكبر من الود حتى في علاقات العمل العابرة.

ويقول ماني "قبل أن تصرف لك موظفة البنك شيكا، ربما ستسألك عن أحوال زوجتك وأطفالك وأخوتك، وفي المرة التالية التي ستذهب فيها إلى البنك، ستجد أن هذه الموظفة تتذكر كل تلك التفاصيل وتواصل الاستفسار عن أخبارهم وعما تغير من زيارتك السابقة. ربما يعتبر بعض الغربيين هذه الأسئلة فضولاً وتطفلاً، لكن هذا النوع من التواصل سيساعد في إنشاء روابط جيدة.

ويضيف ماني: "يتعلق الأمر بانشاء ترابط معك كشخص وليس كعميل. ثقافة وعادات العمل في الهند متأصلة في حضارة عريقة مبنية على أساس الروابط الشخصية".

الثبات على الطريق سبيل النجاح

سافرت "كووب" إلى الهند سبع مرات خلال العقد الماضي. وتعتبر أن إدارة شركة هناك أشبه بقيادة سيارة في شوارع ذات حركة سير مزدحمة. فالمرور بين مزيج مسبب للدوار من الدراجات النارية والسيارات الصغيرة والشاحنات يعني التحرك مثل بقرة: وعليك مواصلة السير، ولا تحاول القيام بأي شيء غير متوقع بهدف تجاوزها بنجاح.

وبحسب قولها، فإن ذلك يعني ضمن ما يعنيه أن الأمر أشبه ببيئة عمل المكاتب، حيث يجب على المديرين أن يتعلموا كيف يتكيفون مع النمط السائد في إنجاز الأعمال، وفي نفس الوقت التحلي بالجرأة والأخذ بزمام الأمور.

وتختم بالقول :"الهند هي نقطة التقاء عالَمين، ولديها ثقافة أعمق مما تتصور، ويجب عليك أن تعرف حقاً كيف تبحر عبر هذه الثقافة".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة