كيف تتقن الشركات استخدام الفيسبوك والثورة الرقمية؟

مصدر الصورة iStock

إذا لم تكن لشركتك استراتيجية رقمية في التعامل مع عالم الإنترنت، فذلك يعني أنها تخلفت عن الركب بالفعل. إليكم طريقة قد تساعد في اللحاق بذلك العالم الرقمي الذي يتطور بسرعة مدهشة.

كانت كريسي دانيالز، وهي مديرة قسم المبادرات الاستراتيجية في مستشفيات وعيادات جامعة يوتا الأمريكية، تستمع إلى أحد الأطباء وهو يشكو من نقد لاذع تعرض له على أحد مواقع الإنترنت.

وقد سأل الطبيب إدارة المستشفى قائلا: "كيف ستتعاملون مع هذه المسألة؟ أنا بحاجة إلى مساعدتكم لتحسين سمعتي على الإنترنت".

كان ذلك خلال اجتماع اعتيادي للموظفين بالشركة في عام 2012، عندما خطرت فكرة جديدة تماما ببال دانيالز.

ربما راودت البعض أفكارٌ حول حذف ذلك التعليق المسيء من موقع الإنترنت. لكن عوضاً عن ذلك، فكرت دانيالز في إنشاء موقع إلكتروني جديد لمجموعة مستشفيات الجامعة يهدف إلى نشر كل استطلاعات الرأي التي يكتبها المرضى عن أطبائهم.

لم تكن الفكرة تدور حول الأراء الإيجابية فقط للمرضى بشأن الأطباء، بل كل الأراء، وفيما يتعلق بكل شيء. وقد تطور الأمر في النهاية ليصبح نظاماً متميزا لتصنيف عمل الأطباء.

"انتاب الأطباء والعاملين في الإدارة قلق شديد،" حسبما تتذكر دانيالز. "لكن، إذا ما لعبنا دور المدافع عن المرضى، نعلم جيداً أن المرضى يثقون بالتعليقات والآراء المنشورة على مواقع الإنترنت."

كانت مجموعة المستشفيات التي تعمل بها دانيالز هي الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية التي تقوم بنشر آراء المرضى بشأن أداء الأطباء.

فالآن، وبعد أربع سنوات، أصبح النموذج الذي أنشأته معياراً أساسياً في هذا المجال، فقد تبعت خطاها العديد من المستشفيات الأخرى، وكبرى الشركات المعنية بتوفير الرعاية الصحية.

ونحن نرى على نحو متزايد أن خلق استراتيجية متبعة على الإنترنت ليست أمراً من أجل الرفاهية، وإنما بات أحد المتطلبات الضرورية لأي إداري يتطلع إلى الريادة.

"إذا لم تفكر الشركات في مسألة استخدام استراتيجية رقمية بعد، فذلك يعني أنها متأخرة تماماً في هذا المضمار"، حسبما يقول روبرت روودركيرك، الأستاذ المساعد في كلية الإدارة بجامعة إراسموس روتردام في هولندا.

الخطوات الأولى

مصدر الصورة Getty Images

في وقت ما مضى، كانت الاستراتيجية الرقمية لبعض الشركات تعني مجرد تحديث صفحتها على موقع فيسبوك بين الفينة والأخرى.

أما في العديد من القطاعات الصناعية والتجارية الأخرى، فإن الاستراتيجية الرقمية تتضمن الآن، فيما تتضمن، موقعاً تسويقياً على الإنترنت، وموقعاً للتواصل الاجتماعي، ووسائل لتحسين نتائج محركات البحث على شبكة الإنترنت، والإعلانات المنشورة على الإنترنت.

والأهم من كل ذلك، على المديرين أن يعرفوا كيف يبحثون وينقبون في البيانات الرقمية لمعرفة احتياجات الزبائن.

هناك فرق كبير في الكيفية التي تعالج بها الشركات بياناتها الرقمية. ذلك هو رأي فيليكس أوبرهولزرـ غي، البروفيسور في إدارة الأعمال بكلية هارفارد للإدارة.

وتخفق شركات كثيرة في فهم كيفية استخدام الناس لمواقع التواصل الاجتماعي وأساليب التسوق والبحث الجديدة التي يتبعها الناس. إن تلك الشركات تبذل جهدا كبيرا من أجل التواصل مع زبائنها.

يعني ذلك أحياناً أنها قد تتخلف في سوق المنافسة على مواقع الإنترنت، كما يقول أوبرهولزرـ غي، الذي ينظم دورة لمدة خمسة أيام في شهر أبريل/نيسان مخصصة لتعليم المديرين التنفيذيين حول مسألة الاستراتيجية الرقمية.

يقول أوبرهولزرـ غي: "الشركات ذات الأداء السيء في الاستراتيجية الرقمية لا تفعل شيئاً سوى إبعاد الزبائن. ذلك أشبه بالبائعين الذين يتصلون هاتفياً في أوقات تناول العشاء. لا تقوم شركات كثيرة إلا بمقاطعة الناس في الأوقات غير المناسبة على مواقع الإنترنت."

لحسن الحظ أنه ليس من الصعب البدء في وضع تلك الاستراتيجية. ويقول روودركيرك إن الخطوة الأولى هي دراسة الكيفية التي يقوم بها المتنافسون بالتعامل مع سمعتهم المتداولة على الإنترنت.

أما الخطوة التالية فهي إجراء تقييم للخبرات الموجودة فعلياً في شركتك. ربما سيعني ذلك معرفة أي من العاملين على دراية بعملية التسويق على مواقع التواصل الاجتماعي، ومَن منهم يفهم في نشر آراء الناس على مواقع الإنترنت.

والخطوة التالية هي تحليل كل رأي لبناء "مشاريع صغيرة"، مثل تحديد أحد الموظفين لرصد الآراء المنشورة على موقع أمازون والرد عليها.

مصدر الصورة Thinkstock

يكمن مفتاح الحل في النظر إلى الاستراتيجية الرقمية باعتبارها أكثر من مجرد التعاقد مع فريق عمل من المتدربين على التسويق لرصد مواقع التواصل الاجتماعي. وبحسب روودركيرك، فالأمر يدور حول إدخال ودمج تحليل بيانات الشبكة العنكبوتية في كل قسم من أقسام الشركة. وبالنسبة للمديرين في المراكز الوسطى، من المهم تقاسم النتائج الجديدة مع باقي الأقسام.

يقول روودركيرك: "ابدأ من الأمور البسيطة، وتطلع إلى ما يمكن معالجته منها بسرعة. سيعطيك ذلك زخماً لمعالجة الأمور الأكبر ضمن استراتيجيتك."

كيف تعالج البيانات

الخطوة التالية هي كيفية التعامل مع المعلومات التي تم جمعها. في الشركات ذات السمعة الجيدة، تصبح الآراء المستخلصة من مواقع الإنترنت جزءاً من تطوير وتحسين المنتج، حسب قول كيني تشينغ، الأستاذ المساعد في الاستراتيجية بكلية الإدارة في كلية لندن كوليدج.

إن طريق النجاح للتأكد من إنجاز ذلك يكمن في إنشاء خطوط تواصل بين أولئك الذين يرصدون آراء الزبائن وتعليقاتهم على مواقع الإنترنت، مثل فيسبوك، وأمازون، وبين أعضاء فرق الإنتاج القادرين على تقديم ردود على تلك الآراء والتعليقات.

يقول تشينغ: "في السابق، كانت إجراءات معرفة آراء الزبائن تستغرق وقتاً طويلاً. لكم مع جمع البيانات بشكل رقمي، أصبح من الممكن معرفة آرائهم حال طرح منتج جديد في الأسواق."

ربما تُظهر البيانات ببساطة الآراء الإيجابية وتلك السلبية تجاه منتج ما، والمنشورة على موقع مثل تويتر، وربما تكون أكثر تفصيلاً، مثل تحليل للتحسينات المقترحة والمنشورة على مواقع عرض الآراء والتعليقات على الشبكة العنكبوتية.

عندما تبدأ في الحصول على البيانات، من الأفضل تحديد هدف معين يمكنك ربطه بالاستفادة من تلك البيانات، حسبما يقول سام فانكوتشين، المؤسس والمدير التنفيذي لشركة "غولدن" التي تعمل على توصيل المنظمات غير الربحية بالمتطوعين الجدد.

وسواء كانت البيانات ستفيد في دعم وتطوير التجارة والأعمال أو إقامة شراكات مع مؤسسات وشركات أخرى، أو ببساطة تحسين الموقع التنافسي للشركة، "ففي نهاية المطاف، يتوجب عليك أن تضع نصب عينيك جميع هذه الأهداف.

لكن، عليك أن تبدأ من نقطة ما وستستفيد من اختيار واحد منها"، حسب قول فانكوتشين.

استراتيجية إجمالية للشركة

عندما تمسك شركتك بزمام الأمور، وتحدد حاجتها إلى استراتيجية رقمية راسخة، يكون الأوان قد حان لإدخال ودمج تلك الاستراتيجية عبر كافة أقسام الشركة، حسبما يقول فانكوتشين.

سترى بعدها أن كل رئيس قسم سيعمل مستفيداً من تحليل البيانات الواردة من موقعي فيسبوك، وغوغل، وغيرهما من المواقع التي ستؤثر على زيادة أعداد زائري موقع الشركة على الإنترنت.

مصدر الصورة Reuters

ينبغي على الاجتماعات اليومية والأسبوعية أن تدرج ضمن مناقشاتها هذه التحليلات بغرض فهم التغييرات الحاصلة لدى القاعدة العريضة من زبائنك.

ويضيف فانكوتشين قائلاً: "إن أفضل الاستراتيجيات الرقمية تدرك حيوية هذا الأمر وتغيره المستمر."

عندما قامت مستشفيات دانيالز بنشر آراء وتعليقات المرضى، كان رد فعلهم "مدهشاً وخاطفاً"، حسبما تتذكر دانيالز. ومثل كرة الثلج الساقطة أسفل منحدر، سرعان ما لاقى مقال نُشر في صحيفة محلية تغطية إعلامية كبيرة شملت الوطن بطوله وعرضه.

في البداية، شعر البعض بقلق من أن تشوه آراء وتعليقات المرضى سمعة الأطباء الجيدين بشكل جائر، حسبما تقول دانيالز. لكن بدلاً من ذلك، بدأ الأطباء في مراجعة آراء منتقديهم والرد عليها في سعي منهم للحصول على تقدير أعلى لعملهم، وهو أمر تصفه دانيالز بأنه أدى فقط إلى رفع مستوى المستشفى في نظر المرضى.

خلال شهرين، طغت آراء المرضى تجاه أطباء المستشفى على نتائج البحث على مواقع الإنترنت، حتى أنها غطت على غيرها من مواقع نشر الآراء والتعليقات. كما زاد عدد زائري الموقع بنسبة 80 في المئة. والآن، غالباً ما تتصدر آراء المرضى نتائج البحث المنشورة عن أطباء جامعة "يوتا".

خطوة تقود إلى أخرى

لعل الدرس الرئيسي الذي تعلمته دانيالز هو القوة الكامنة للآراء المنشورة على مواقع الإنترنت، وكيف أنها غالباً ما تلعب دوراً في إملاء القرارات.

وكما تقول، فإن الخطوة التالية بالنسبة لمستشفيات جامعة "يوتا" هي بناء نظام على الإنترنت لترتيب المواعيد، وهو أحد مطالب المرضى.

"لا تحتاج أن تكون خبيراً بالشبكة العنكبوتية لتفهم مجالك في سوق التجارة والأعمال."، حسبما تقول دانيالز. وتضيف: "إذا ما كنت قادراً على فهم سوق عملك، فسيكون باستطاعتك وضع استراتيجية رقمية."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة