دروس يقدمها شكسبير لقادة التجارة والأعمال

مصدر الصورة Getty Images

قد يُعتبر وليم شكسبير أفضل كاتب مسرحي باللغة الإنجليزية على الإطلاق في نظر الكثيرين، لكن عندما كان يضع ريشته الخاصة بالكتابة جانباً، كان يبدو كرجل أعمال ثاقب الفكر.

كان مسرح "غلوب" الأصلي في لندن، إبّان العصر الاليزابيثي، يسع ثلاثة آلاف شخص. وكان عامة الناس من المشاهدين يدفعون بنساً واحداً ليقفوا في الهواء الطلق لمشاهدة العروض المسرحية، في حين ميز النبلاء أنفسهم عن البقية بدفع نحو ستة بنسات، ليجلسوا على مقاعد ذات وسائد في شرفات أو صالات مسقّفة.

وبالرغم من احتراق مسرح "غلوب" التاريخي بالكامل في عام 1613، فقد حقق شكسبير ثروة ضخمة من حصته في ذلك المسرح.

كما شارك في ملكية مسرح آخر في لندن، إضافة إلى ملكية شركة للإنتاج. وفي المدينة التي ولد فيها، ستراتفورد أب اون آفون، بمقاطعة وركشير، كانت له استثمارات كثيرة في الأراضي والعقارات. ويقال إنه كان يشتري ويبيع الحبوب أيضاً.

ويوم وفاة شكسبير في 23 أبريل/نيسان من عام 1616، كان حينها رجلاً ثرياً جداً. وبحسابات يومنا الحاضر، كان يعتبر من أصحاب الملايين.

"العاصفة"

إذا انتقلنا بسرعة أربعة قرون إلى المستقبل، لعل من المرجح أن يبتهج شكسبير لأن أعماله لا تزال تدعم مجالات عمل كبيرة ومربحة لا تقتصر فقط على بيع تذاكر المسرحيات وتشغيل الممثلين.

فشكسبير يدعم قطاعات واسعة جداً في مجال التجارة والأعمال، من الفنادق والمطاعم في ستراتفورد، إلى الجولات السياحية سيراً على الأقدام في لندن، وإلى الحانات القريبة من الشرفات في مدينة فيرونا الإيطالية، وإلى مبيعات الكتب والتذكارات، وحتى الحصص الدراسية لتعليم الرجال والنساء إدارة مشاريع وشركات التجارة والأعمال. من المؤكد أن الأمر ليس كأن تسمع جعجعة ولا ترى طحنا.

"الصاع بالصاع"

يعتقد بيرس إيبوتسن أن هناك عِبرا ودروسا عديدة قدمها شكسبير حول مخاطر ومزالق السلطة، إلى حد أنها تشكل بالنسبة له معيناً لا ينضب في ورش عمل الإدارة التي نظمها خلال العقدين الماضيين.

مصدر الصورة Getty Images

يقول إيبوتسن، والبالغ من العمر 61 عاماً، وهو أحد العاملين في "وحدة الإبداع" بكلية واريك للإدارة: "مسرحيات شكسبير هي دراسات لحالات مآزق رئيسية يمر بها الإنسان".

ويضيف: "المسرحيات خصبة ومعقدة إلى درجة أن فيها مواقف واقعية عليك تأملها. أداء الدور صعب جداً، ويمكن للممثل أن يتقمص الموقف فعلاً".

وتستخدم "وحدة الإبداع" تلك مسرحيات شكسبير لإرشاد الطلبة، والعملاء من أصحاب الأعمال، عندما يواجهون العديد من المواقف الصعبة في مجال التجارة والأعمال.

فتُدرَّس مسرحية ماكبث، على سبيل المثال، باعتبارها حالة تمثل حدود الطموح، بينما تعتبر مسرحية العاصفة تصويراً مجازياً للتنافس الذي يعصف بمكان العمل.

من جهة أخرى، يستفاد من مسرحية "حلم ليلة منتصف الصيف" في استكشاف حالة التغيير الحاصل في شكل التجارة والأعمال. أما مسرحية "تاجر البندقية" فهي تُدرَّس في مجال تطبيق وتنفيذ العقود.

يقول إيبوتسن: "إن شكسبير منبع رائع حقاً، وبالطبع فإنك تستعمل دوماً تلك اللغة القوية ـ إنها تتيح للناس أن يعبّروا بوضوح أكثر عن أفكار دقيقة ومعقدة، أفضل من استعمالهم للغة التجارة والأعمال."

ويستعمل ريتشارد أوليفيه هو الآخر مسرحيات شكسبير لإعطاء دروس تطبيقية في مجال الريادة وتجارة الأعمال، وهو أحد أبناء السير لورنس أوليفيه، أكثر الممثلين البريطانيين شهرة في القرن العشرين، والذي نال شهرته من خلال تجسيده شخصيات شكسبير الشهيرة.

ويضيف أوليفيه البالغ من العمر 54 عاماً: "إن شكسبير معلم مذهل للأخلاق." ويتابع: "فيما عدا المسرحيات التاريخية، لن تجد مسرحية ذات نهاية يكون فيها الشخص الشرير هو المنتصر".

ولأوليفيه شركته الخاصة، "أوليفيه ميثودراما"، ولها عملاء عديدون من ضمنهم إداريون في هيئة الخدمات الصحية الوطنية، وشرطة العاصمة البريطانية، وشركة دايملر بنز.

وتتراوح أرباحه ما بين خمسة آلاف جنيه استرليني مقابل جلسة تدريبية لنصف يوم فقط، إلى 40 ألف جنيه استرليني لدورة مكثفة لمدة ستة أيام.

ويضيف أوليفيه قائلاً: "هناك الكثير من الأحداث المثيرة في عملية الإدارة والريادة. لعل شكسبير كان أول كاتب مسرحي صوّر الدراما الإنسانية للقادة بأبعادها الثلاثية".

أهو حلم ليلة منتصف الصيف؟

مصدر الصورة Getty Images
Image caption يجتذب مسقط رأس شكسبير في ستراتفورد-أبون-أفون الكثير من السياح سنويا

استقبلت منطقة "إنجلترا شكسبير" (والتي تشمل بلدات ستراتفورد، ليمينجتون سبا الملكية، كينيلوورث وواريك) 9.94 مليون سائح في عام 2014، وفقا لـ "مؤسسة مسقط رأس شكسبير"، وهي الجمعية الخيرية التي تعنى بمواقع شكسبير التراثية.

وتضيف المؤسسة أن القيمة الإجمالية للسياحة المرتبطة بشكسبير تسهم بما يقرب من 635 مليون جنيه استرليني في الاقتصاد المحلي ، وتدعم 11,150 وظيفة.

وتقول أليسن كول، من تلك المؤسسة: "شهد عام 2014، في الذكرى الـ 450 لميلاد شكسبير، رقماً قياسياً من السياح، والذي بلغ 820 ألفاً. ونتوقع أن يكون عام 2016 بنفس المستوى، إذا لم يتجاوزه."

من ناحية جذب السياح الشغوفين بكل مل يتعلق بشكسبير، فإن مقهى هاثاوي يحتل موقعاً مثالياً في وسط ستراتفورد، حيث يقع على مسافة قصيرة سيراً على الأقدام من "مسرح شكسبير الملكي".

ويقول ريك ألن، صاحب ومدير المقهى والبالغ 51 عاماً، إنه خلال فصل الصيف تصبح دهاليز المقهى مكتظة بالزبائن الآسيويين وخاصة من الصين وتايوان. وتراهم ينفقون 13 جنيهاً استرلينياً لكل فرد لقاء احتساء كوب من الشاي في فترة ما بعد الظهيرة (أو 18 جنيهاً استرلينياً بإضافة قدح من النبيذ الإيطالي الأبيض ).

ويضيف قائلاً: "يصل عدد الزبائن، خارج أوقات الذروة، إلى 1000 زبون أسبوعياً، ولكن العدد يتجاوز الألفين بكثير خلال كل أسبوع من أسابيع فصل الذروة، أي في يوليو/تموز وأغسطس/آب".

وحسب قول ألن فإن تمديد المدرج الجديد لمطار بيرمنغهام، الذي يخدم أعداداً متزايدة من الرحلات القادمة من شرق آسيا، كان يمثل دفعة قوية للتجارة والأعمال.

ويتابع: "نتلقى مكالمات من أناس يقولون لنا بالحرف الواحد ’نريد أن نحجز لـ24 شخصاً وها نحن في طريقنا إليكم الآن‘. في شهر أغسطس/آب، تعمّ الفوضى هنا ـ إنها مسلّية، ولكنها فوضى وصخب."

"الأمور بخواتيمها"

وبالعودة إلى لندن، لا يزال الممثل السابق ديكلان ماك هيو، البالغ من العمر 55 عاماً، يرشد الناس منذ عام 1999 في جولات سياحية سيرا على الأقدام للتعريف بكل ما يتعلق بحياة شكسبير.

Image caption ينظم ماك هيو جولات سياحية للتعريف بتراث شكسبير الذي لا يزال يستهوي الكثيرين

ويقول ماك هيو إن شركته، "شكسبير في نزهة بالمدينة"، قد حققت نموا واضحا بفضل الثناء المتناقل بين الناس، وأيضاً بسبب الآراء الإيجابية المنشورة على مواقع الإنترنت، مثل موقع النصائح السياحية "ترب أدفايزر".

ويضيف ماك هيو إن لندن هي بيئة خصبة لعشاق شكسبير، لأن الكاتب المسرحي قضى معظم حياته العملية متنقلاً بين مسارح المدينة. ويقول ماك هيو، الذي تُكلف الجولة معه 10 جنيهات استرلينية لكل شخص، إن ذكرى شكسبير السنوية في هذا العام بدأت تظهر معالمها، ويبدو أنها ستكون سنة قياسية بالنسبة للتجارة والأعمال.

ويقول: "بدأت في هذا العمل منذ 17 سنة مضت، وبدأت الآن في جني ثماره."

وفي الوقت الذي يقول فيه إنه يصعب التكهن بالأرقام مسبقاً، فإنه في العادة يجد بين خمسة إلى عشرة أشخاص ينتظرونه خارج محطة بلاكفرايرز لقطارات الأنفاق، كل جمعة حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً. لكن هذا يخص فقط جمهور المشاركين في النزهة على الأقدام.

ويتابع: "وإضافة إلى ذلك، أنظم جولات دورية خاصة للمعاهد والجامعات من كافة أرجاء العالم، علاوة على أولئك القادمين من مؤسسات وشركات بريطانية.

ويقول: "الجولات الخاصة هي في العادة لعدد يتراوح ما بين 15 إلى 20 شخصاً، مع أنني نظمت جولات سياحية لـ 60 شخصاً في الماضي."

ويقول ماك هيو إن ولعه بشكسبير بدأ عندما كان في الحادية عشرة من عمره. وهو الآن يعتبر شكسبير 'ملاكه الحارس".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Entrepreneurship.

المزيد حول هذه القصة