كيف تتغلب على الآثار السلبية لرحلتك الطويلة إلى العمل يوميا؟

مصدر الصورة Thinkstock

هل تكره رحلتك اليومية إلى العمل؟ هذا يعنى أنك تقضي رحلتك تلك بطريقة خاطئة.

كان هناك أكثر من سبب وراء قبول جيسكا باتش وظيفة براتب مرتفع في مجال الإعلانات في سان فرانسيسكو. ومن بين هذه الأسباب، التحدي الذي وجدته في هذه الوظيفة وحاجتها إلى دخل كبير لتغطية نفقات علاج مشاكل الخصوبة.

ظلت باتش تقول السيارة لمسافة 55 ميلاً لمكان العمل، وهو الأمر الذي يعني أنها كانت تسافر 4 ساعات يومياً جيئة وذهاباً. ولتمضية الوقت أثناء الطريق، كانت باتش تستمع للإذاعات المختلفة، وتطبق ما ورد في إحدى حلقات برنامج أوبرا وينفري عن طريقة التكيف والتخفيف من الضغط الناتج عن التنقل لأوقات طويلة بالسيارة بين المنزل والعمل.

لكنها تقول إن التوتر والضغط الناتجين عن السفر الطويل، وخاصة بعد يوم عمل طويل، قد "ألحقا الضرر البالغ بجسدها".

وقد أصيبت باتش، 35 عاماً، بوجع في المعدة ناتج عن الضغط والإجهاد، وأصيبت بالاكتئاب أيضا، وانتهى بها الأمر إلى الإصابة بتهتك عصبي في أسفل الظهر نتيجة للجلوس لفترات طويلة لقيادة السيارة.

وبالتالي لم يكن باستطاعتها ابتكار أفكار جديدة للإعلانات كما يقتضي عملها. وبعد تسعة أشهر، قدمت استقالتها، وركزت على القيام بعمل لا يتطلب منها التفرغ الكامل في مجال التصميم والتصوير، وهو ما يمكنها القيام به من البيت (وإن كان بأجر أقل). وهي تنتظر طفلها الأول في شهر أكتوبر/تشرين الأول القادم.

لكن باتش ليست الوحيدة التي عانت من الآثار السلبية للسفراليومي لمسافات طويلة.

يقول ليت غيتلي، مؤلف كتاب "ساعة الذروة: كيف يمضي 500 مليون مسافر رحلتهم اليومية إلى العمل": "السفر مجهد، والإجهاد هو سبب كل أنواع الآثار الجانبية على الصحة. أعتقد أن الكثيرين منا يطغى عليهم هذا الشعور بالعجز أثناء السفر، لأننا ننحشر في أحد القطارات، أو ندخل وسط الزحام المروري الذي لا نملك تغييره".

لكن لماذا يكون السفر بالضرورة شيئاً سيئاً؟ تشير الدراسات من غانا إلى ألمانيا إلى أن المسافة الآخذة في الاتساع بين مكان العمل ومكان السكن يمكن أن تؤدي إلى الإرهاق، وعادات النوم المتقطع، والعزلة الإجتماعية، وحتى إلى المشاكل العاطفية لأطفالنا.

مصدر الصورة Thinkstock

وهناك تحليل نشره "المرصد الأمريكي لكيفية استغلال الوقت" يلقي الضوء على مزيد من الآثار السلبية لمن يعيشون في الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن "كل دقيقة يتم قضاؤها في السفر مرتبطة بنقص ما مقداره 0.0257 من الدقيقة من وقت ممارسة الرياضة، وما مقداره 0.0387 من الدقيقة من وقت إعداد الطعام، وما مقداره 0.2205 من وقت النوم".

لهذا، على سبيل المثال، فإن من يسافر لمدة 15 ساعة في الأسبوع لمدة 50 أسبوعاً، أي على مدار عام كامل، يفقد نصف ساعة من نومه يومياً.

إلا أن بحثاً أحدث يقول إن السفر إلى العمل يشكل فترة عازلة مهمة بين حياة البيت وحياة العمل. بالطبع، هناك مشكلة تمنعنا من الانتفاع من فوائد السفر، ألا وهي نحن. هل من المحتمل أننا لا نستفيد من وقت السفر بالطريقة التي يجب أن تكون؟

السفر وفق خطة محددة

قام فريق دولي من الباحثين بإجراء اختبار على 225 موظفا في شركة إعلامية كبرى في لندن في وقت سابق من هذا العام، وتوصل إلى أنه كلما طالت المسافة التي يقطعها الموظف بين العمل والبيت، كان الموظف أقل سعادة، وأقل ارتياحاً من الناحية النفسية تجاه عمله.

غير أن تلك العلاقة السلبية بين السفر والرضا عن العمل لا وجود لها لدى أولئك الذين لديهم قدرة كبيرة على ضبط النفس.

وأظهر مزيد من الدراسات أنه من الأرجح أن ينشغل هؤلاء بنشاط هادف في طريقهم إلى العمل.

كما يقول جون جاخيموفيتش، طالب الدكتوراه في كلية إدارة الأعمال في نيويورك، والمشارك في كتابة بحث بعنوان "السفر وفق خطة"، إن المقصود بذلك هو ببساطة أن التخطيط الذهني المسبق خلال وقت السفر يحدث فرقاً كبيراً.

مصدر الصورة Thinkstock

فالذين يتمتعون بمستوى عال من ضبط بالنفس ربما يسألون أنفسهم كل صباح أسئلة من قبيل: ما الذي أحتاج للقيام به اليوم؟ كيف يتلاءم ذلك مع ما ينبغي أن أفعله هذا الأسبوع؟ وهل ينعكس ذلك إيجابياً على أهدافي التي أحرص عليها في حياتي المهنية؟

من يقومون بذلك، حسب الدراسة، لعدة دقائق صباح كل يوم لدى بدء رحلة الذهاب إلى العمل، يكونون أكثر استعداداً للانتقال النفسي في الحال من دورهم المنزلي (كأب أو أم أو ربة منزل) إلى دورهم في العمل (كمسؤول، أو مساعد، أو زميل)، وهو ما يعني في النهاية شعوراً أقل بالإجهاد والتوتر.

العزلة في المواصلات

يجد الذين لا يقودون سياراتهم إلى العمل وقتاً للقراءة والرد على البريد الالكتروني، لكن الانعزال والطريقة غير الاجتماعية التي نتصرف بها خلال رحلاتنا اليومية في وسائل المواصلات قد تكون ضارة.

لماذا؟ الذين يستخدمون المواصلات العامة في العادة يقضون وقتاً أطول في السفر من الذين يقودون سياراتهم الخاصة. وقد توصلت شركة "كندا للإحصاء" على سبيل المثال إلى أن السفر باستخدام المواصلات العامة يستغرق وقتا أطول بنسبة 81 في المئة عن السفر باستخدام السيارة الخاصة.

أضف إلى لذلك، التوتر والضغط الذي ينتج عن السفر مع مجموعة من الناس في أجواء مكتظة ومزدحمة.

ويقول غيتلي في كتابه "ساعة الذروة" إننا مراراً وتكراراً نسافر في ظروف تعتبر غير إنسانية، وخاصة في مدن مثل طوكيو، وبكين، وموسكو، حيث تعتبر المواصلات العامة من أكثر وسائل المواصلات ازدحاماً في العالم.

لماذا إذن لا يمانع غالبية المسافرين من اختراق الغرباء لخصوصيتهم؟ يقول غيتلي شارحاً: "في الواقع، لا نعامل الناس كبشر. بل نعاملهم كما لو كانوا قطعاً من الأثاث، وهذا يمكننا من التعايش مع الوضع دون الحاجة للتعامل معهم كما لو كنا سنفعل في الظروف الطبيعية".

مصدر الصورة Getty Images

ومن شأن ذلك أن يساعدنا على التعامل مع الإزدحام الشديد، لكن الأبحاث تظهر أنه يمكن أن يكون ذلك سببا جزئياً وراء شعورنا بالضيق والتوتر أثناء السفر.

ويقول نيكولاس إيبلي، أستاذ العلوم السلوكية في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة إنه يوجد تناقض اجتماعي يجري في الحافلات والقطارات حول العالم كل صباح عندما يسعى المسافرون إلى العزلة بطريقة خاطئة.

ويضيف: "يميل الناس إلى الاعتقاد أن الآخرين ليسوا اجتماعيين، وأنك إذا بدأت في الحديث معهم سيكون ذلك أمراً غير سار، ولكن هذا هو مكمن الخطأ عند المسافرين. فالذي عرفناه من خلال تجاربنا أن الثمن الأكبر لعملية السفر الطويل هو عدم الشعور بالراحة أو السعادة، والذي يظهر في كل استطلاع يمر عليك، والذي يمكن أن يزول بمجرد أن تتحدث مع أحد الغرباء".

ويضيف إيبلي أن البشر اجتماعيون إلى حد بعيد، وهم يرغبون في التواصل مع بعضهم البعض، لكننا نسيء تقدير إلى أي مدى يمكن أن يكون الغرباء راغبين في الحديث إلينا.

وقال المشاركون في الدراسة الأخيرة، التي أجريت عن المواصلات العامة في شيكاغو، إنهم يعتقدون أن 40 في المئة فقط من المسافرين قد ينخرطون معا في حوار ما. لكن الرقم الحقيقي هو 100 في المئة.

ويقترح إيبلي أن تكون فاتحة الكلام مع أحد الغرباء من خلال إطراء من نوع ما، أو إبداء ملاحظة ما، ويقول إن تجربته تفيد بأن "الشخص الانطوائي أو الشخص المنفتح كلاهما سيكون أكثر سعادة إذا كان أكثر اجتماعية مما هو عليه الآن".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة