تحديات يواجهها الوافدون للعيش في أستراليا

مصدر الصورة Getty Images

هل تعتقد أن العمل في أستراليا سيعني فقط قضاء الوقت في شرب الجعة تحت أشعة الشمس، وممارسة رياضة التزلج على الأمواج بعد انتهاء ساعات العمل؟ لعلك ستفاجأ إذا علمت أن ذلك ليس صحيحا.

لم يكن الانتقال للعيش في أستراليا، بالنسبة لجيجي فوستر، بتلك السلاسة التي توقعتها. تقول فوستر، وهي استشارية وأكاديمية هاجرت من الولايات المتحدة لتعيش في سيدني "كنت تقريباً بحاجة إلى مترجم عندما نزلت من الطائرة. تعوّدت على الصراحة في اللقاءات والاجتماعات، فذلك هو المتبع في الولايات المتحدة، لكن التعامل مع زملائك في العمل في أستراليا يعد أمرا مختلفا تماماً".

هاجرتْ فوستر لتعيش في البقاع الجنوبية، وهو اسم يشير إلى قارة أستراليا وما حولها، قبل عدة سنوات، بعد أن تقدمت في مراكزها الوظيفية بجامعتي ييل وماريلاند. وقد اغتنمت بالفعل فرصة للعمل في إحدى جامعات أستراليا، وأصبحت الآن أستاذة مشاركة في تلك الجامعة.

وتقول "قال لي الكثيرون إن سيدني تعني فقط زيارة الشواطئ، وممارسة رياضة التزلج على الأمواج". وتضيف "لكن الأمر ليس كذلك. إنها تعني طلب المساعدة، وقضاء ساعات لاستيعاب ثقافة جديدة تبدو مماثلة لثقافتك، لكنها تسير ببراعة بشكل مختلف عملياً. التحول ليس أمراً بسيطاً بالمرّة".

انتقلتْ إلى أستراليا على أمل تغيير نمط حياتها، وارتقاء السلم المهني، على حد سواء، مثل الآلاف من المهنيين الذين توجهوا إلى أستراليا من الذين تستقطبهم أشعة الشمس، والشواطئ الرائعة.

وبالنسبة للعديدين، تعد تلك النقلة جزءاً من تغيير نمط الحياة، للعيش في قارة غالباً ما يُنظر إليها باعتبارها مكاناً سهلاً للعمل والعيش. مع ذلك، وجد كثير من المهاجرين أن بيئة وثقافة العمل تختلف كليةً عما توقعوه.

بيئة العمل

ومع أنها ليست مشمسة على الدوام، كما تُصوّره لنا برامج تلفزيونية، فإن المناخ الدافئ يجعل من أستراليا منطقة جذب بالنسبة للمهنيين من بقاع العالم الذين يأملون في الجمع بين وظيفة جديدة ونمط حياة مختلف بالقرب من الشاطئ، كما نراه في غالبية المدن الكبيرة هناك.

وتوفر أستراليا ضمن برنامج الهجرة لهذا العام ما يقرب من 190 ألف فرصة لمن يتطلع إلى الانتقال للعيش فيها.

مصدر الصورة iStock

وتُعتبر فوستر واحدة من أقل من 100 ألف مغترب في أستراليا ممن وصلوها قادمين من الولايات المتحدة. لكن أكبر مجموعة مغتربين في أستراليا هي تلك القادمة من المملكة المتحدة، حيث يزيد عددهم عن 1.2 مليون شخص.

وصلتْ فوستر إلى أستراليا لأول مرة في عام 2005، قبل أن تغادرها وتعود إليها ثانية في عام 2007. وأصبحتْ مواطنة مزدوجة الجنسية قبل خمس سنوات. واعتقدت فوستر في البداية أنها وطأت أرضا تضمن لها بيئة عمل سهلة، يغادر فيها الموظفون مكاتب عملهم قبل انتهاء وقت الدوام.

لكنها تقول "يعود ذلك إلى أنهم يصلون مبكرين إلى العمل. وفي أيام الجمعة، يتوجهون إلى الحانة مع رئيسهم في العمل أيضا. لذا، تكون ساعات العمل فعلياً أطول".

وبالرغم من حصول الكثير من المغتربين الجدد على تأشيرات دخول دائمة، قد لا تتاح لهم فرصة الاستمتاع بالتزلج على أمواج البحر. وتحذر فوستر من حركة السير المزدحمة هناك، والتي يمكنها أن تجعل من رحلة إلى سيدني أمراً فظيعاً. ولتجنب اختناقات حركة السير، يعمد الكثير من العاملين إلى بدء العمل في وقت مبكر جداً.

كما اكتشفتْ فوستر وجود أسلوب أكثر عفوية في بيئة العمل، دون الهيكل الهرمي الذي اعتادته في الولايات المتحدة. وبعيداً عن مكان العمل، عليك مخالطة مديرك وزملائك اجتماعياً.

وتضيف "إذا توجهت إلى بيتك فور انتهاء ساعات الدوام، فلن تحصل على ترقية في الوظيفة. فهناك نظام خفي لعلاقات العمل والزمالة".

فروق لغوية

يجد كثير من المغتربين في أستراليا، وخاصة من يأتون من الولايات المتحدة، فوارق لغوية تكاد لا تشعر بها في مجال المخاطبات التجارية، وربما تحتاج إلى بعض الوقت للتعود عليها.

مصدر الصورة Getty Images

وتقول "للمديرين أسلوب ملتو عند الحديث عن تقارير واضحة وصريحة. وأنت كمغترب، ستجد بسرعة فروقاً بسيطة لكنها ذات دلالات كبيرة".

وتضيف "إذا أخبرك مديرك مثلا أنهم يريدون تناول أمر ما 'بشكل عرضي'، فعليك أن تفهم أن ذلك الأمر يمثل هدفا رئيسيا لتلك المناقشة".

علاوة على ذلك "إذا أرادوا أن 'يفكروا في خيارات أخرى'، فعليك أن تترك فوراً ما تقوم به، لتبدأ من جديد".

كما اكتشفت فوستر أن التقليل من أهمية الذات هو أمر أساسي في مكاتب العمل هناك. "لا تضخّم دورك، إذ يكره الأستراليون الشخص الذي يكثر الحديث عن نفسه في بيئة العمل، ولا يحترمون من يتصور نفسه أعلى منزلة من أقرانه".

ويتفق جيمس كريدلاند، الذي هاجر إلى مدينة بريزبن الأسترالية قادما من لندن، مع فكرة أن اللغة تعد عائقا أمام المغتربين بالفعل.

ويستخدم سكان مدينة بريزبن كلمات مثل التعرض "للدجل" (أي للنصب أو الاحتيال)، والشعور بـ"الالتواء" عندما يريدون التعبير عن أن صحتهم ليست على ما يرام. أو يقولون اشتريت "مانشستر"، ويقصدون بذلك أغطية الفراش.

ويقول كريدلاند "حتى الخروج لاحتساء الجعة يعني تناولها في أقداح كبيرة، وليس في كؤوس بحجم نصف لتر". ويتصور كريلاند أن الأستراليين يتحدثون بنفس اللغة "إلا أن لغة ستراين (اللغة الإنجليزية في أستراليا) محيرة جداً. ربما لأن البلد بعيد كل البعد عن بقية بقاع العالم".

الحصول على إجازة من العمل

القاعدة المتبعة هي الحصول على إجازة سنوية لمدة أربعة أسابيع، بخلاف أوروبا، حيث نجد أن الحد الأدنى القانوني هو خمسة أسابيع في دول مثل فرنسا والدنمارك والسويد. ومع ذلك، فالأمر غير الاعتيادي في أستراليا هو أن بعض أرباب العمل يسمحون لموظفيهم بنقل المتبقي من رصيد إجازاتهم السنوية إلى السنة التالية.

مصدر الصورة Getty Images

تشير المعطيات المتوفرة من شركة "روي مورغان" لبحث وتحليل السوق الأسترالية إلى أن العاملين يحصلون في المتوسط على ثلاثة أسابيع من إجازتهم السنوية. ويعود السبب في ذلك، في العادة، إلى عدم تشجيع الشركات التي يعملون فيها على الحصول على إجازات طويلة.

وغالبا ما توصي الشركات والمؤسسات عامليها بالحصول على أسبوع من إجازاتهم السنوية خلال فترة أعياد الميلاد، مما يبقي على ثلاثة أسابيع يُتوقع من العاملين أن يحصلوا على اثنين منها فقط.

كما يمكن لزيارة الأهل والأصدقاء في الوطن الأم أن يستهلك معظم ما يتبقى من الإجازة أيضاً، إذ يقطع المغتربون القادمون من أوروبا والولايات المتحدة رحلات سفر طويلة إذا أرادوا قضاء إجازاتهم في أوطانهم.

أما رحلات التجارة والأعمال، فيمكنها أيضاً أن تكون مُجهدة. ويعمل كريدلان، المقيم في بريزبن، كمستشار إعلامي. وقد لاحظ أنه يتعامل مع الطائرات مثل الحافلات من كثرة أسفاره.

ويضيف "كثيراً ما أركب طائرة تأخذني في رحلة لمسافة طويلة. كانت رحلة الأسبوع الماضي لمدة 15 ساعة إلى لوس أنجليس لحضور اجتماع. الرحلة تُعتبر قاسية بالنسبة للكثير من المغتربين".

إنجاز واجباتك أولا

وتعد شواطئ أستراليا الرائعة هي أقوى النقاط التي تستقطب كثيرا من المهاجرين. أما داريل تود، الذي أسس شركة "ثينكينغ أستراليا" الاستشارية للهجرة - لمساعدة المهنيين في الحصول على تأشيرة عمل لدخول البلد، فإنه ينصح الوافدين الجدد المحتملين بقوله "عليكم أن تنجزوا واجباتكم المنزلية".

فغالباً ما يتصل به المهاجرون من مكاتب تسجيل إجراءات السفر التي تديرها شركة خطوط كانتاس الجوية في مطار هيثرو في لندن أو مطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك، ليسألونه عن تأشيرة الدخول، لكن بعد بيعهم لمنازلهم، واتخاذهم القرار المصيري بالهجرة.

ويقول تود "كانت أستراليا سهلة في الماضي، وكل ما كان عليك هو أن تصلها لتعمل. لكن الأمر لم يعد كذلك. لقد شدّدوا الإجراءات حقاً".

وستُمنح خلال هذا العام 44 ألف تأشيرة دخول للأشخاص من فئة "أصحاب المهارات المستقلة"، وهي تمنح للعاملين الذين يتم تقييمهم باستعمال نظام محدد بالنقاط، حسب مستوى التعليم أو الخبرة. وتمنح نقاط إضافية لأصحاب المهارات المطلوبة بشدة، مثل مراجعي الحسابات والمحاسبين.

مصدر الصورة iStock

غير أن الخبرة السابقة، حسبما يضيف تود، قد لا تؤثر كثيراً، إذ أن العديد من الشركات الأسترالية تفضل المهارات المكتسبة داخل البلد، ولذا ينصح تود بالقول "عليكم أن تأخذوا في الحسبان احتمال النزول درجة أدنى في السلم المهني".

أما من يخفق في اجتياز اختبار المهارات، فربما سيحاول الحصول على واحدة من بين 48 ألف تأشيرة دخول من فئة "كفالة صاحب العمل". ويقول تود إنها وسيلة حقيقية للحصول على وظيفة في أستراليا.

ويتابع "أما إذا قررت الشركة تسريح بعض الموظفين، فستكون من بين أوائل من يطردون من الوظيفة، وعليك آنذاك أن تغادر أستراليا، إلا إذا أسرعت في إيجاد صاحب عمل آخر يكفلك".

ويحذر كريدلاند من أن أستراليا ربما ليست نقطة تحول إلى أسلوب حياة أسهل، كما يتوقع الكثير من المغتربين. ويقول "ستخطئ إذا هجرت لندن من أجل سيدني متصوراً أن حياتك ستتحسن بمجرد ترك مكان ذي تكاليف معيشية مرتفعة، وتوتر هائل، من أجل مكان آخر أفضل".

ويعتمد الأمر على المكان الذي ستختاره للعيش في أستراليا، حسبما يقول، ضاربا مثالا بالفرق الكبير بين الحياة في بريزبن وسيدني. ويقول "يمكنك أن تشعر بتقارب اجتماعي في بريزبن، وتندمج بشكل أسرع. كما أن لبريزبن شاطئاً مصطنعاً يغطس فيه موظفو المكاتب أثناء استراحة الغداء".

وعلى الرغم من المشاق غير المتوقعة، لا يمكن لجيجي فوستر أن تتخيل نفسها وهي تعيش في أي مكان آخر، وتقول "من الصعب الانصهار في بلد جديد، لكن الأمر يستحق في النهاية كل ذلك العناء".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.

المزيد حول هذه القصة