هل يمكن للشركات التجارية الكبرى أن تجعلنا مواطنين أفضل؟

مصدر الصورة Starbucks

إذا أردت أن تعرف ما هو العامل المشترك بين القهوة والانتخابات، فلتسأل أصحاب مقهى ستاربكس الشهير في الفلبين.

ففي مايو/أيار، أدارت تلك الشركة الأمريكية العملاقة حملة في الفلبين بعنوان "اكترث للتصويت"، وهي الحملة التي كافأت فقط الزبائن الذين خرجوا للتصويت في الانتخابات العامة في البلاد بمشروب مجاني.

لدى زيارتي لأحد مراكز الاقتراع، كان كل ما تعين على الزبائن أن يفعلوه هو عرض أصابعهم المصبوغة بالحبر التي تثبت مشاركتهم في الانتخابات للحصول على قهوتهم المجانية أو أي مشروب آخر من شركة ستاربكس.

ويقول كيث كول، مدير تسويق ستاربكس في الفلبين: "كان هدفنا بسيطا، فبالمساعدة في زيادة مشاركة الناخبين، نعتقد أن عددا أكبر من الناس ستتاح لهم الفرصة لكي تؤخذ أصواتهم في الاعتبار".

من حملات حقوق التصويت، إلى حملات تحقيق التنمية المستدامة، والأكل الصحي، إلى المساواة بين الجنسين، تتحدث الشركات بشكل متزايد عن القضايا المجتمعية على أمل التأثير على سلوكنا، وتحسينه.

وتقول تلك الشركات إن الهدف هو استخدام قوتها ونفوذها من أجل الخير، وليس فقط من أجل الربح.

ولكن مع فضائح الشركات التي ليست بعيدة أبدا عن الأخبار، فهل يمكن أن نأخذ كلامها على محمل الجد؟

جمال حقيقي؟

فكرة أن العلامات التجارية قد تشجعنا على أن نكون مواطنين أفضل ليست جديدة. فالشركة المصنعة لشوكولاتة كادبوري في المملكة المتحدة وشركة صناعة السيارات الأميركية فورد استثمرتا بكثافة في البلدات التي كان يعيش فيها موظفوها في القرنين التاسع عشر والعشرين، وفي المقابل توقعتا من العاملين التمسك بقيم معينة داخل العمل وخارجه على حد سواء.

مصدر الصورة Getty Images
Image caption تقول شركة "دوف" لإنتاج مواد التجميل إنها تسعى إلى الاحتفاء بالنساء بكل الأشكال والمقاييس

ولكن مثل هذه الجهود تميل هذه الأيام أكثر لاستهداف المستهلكين، والهدف من ذلك هو تعزيز الصالح الاجتماعي مع تشجيع الولاء للعلامة التجارية. ومثال على ذلك أيضا، حملة شركة "دوف" بعنوان "من أجل جمال حقيقي" التي تدعو إلى تعريف أوسع لجمال الأنثى منذ عام 2004.

وتهدف الشركة البريطانية الهولندية العملاقة للسلع الاستهلاكية "يونيليفر"، المالكة لماركة "دوف" لمواد التجميل، إلى الاحتفاء بالنساء بكل الأشكال والمقاييس. وتقول يونيليفر إن الخطة كانت "ريادية في استخدام الصور الجمالية القابلة للتحقيق" في إعلاناتها التي تستخدم النساء "ذوات الأجسام المتناسقة بشكل حقيقي".

وفي الوقت ذاته، يقال إن يونيليفر شهدت ارتفاعا في مبيعاتها من منتجات دوف من 2.5 مليار دولار أميركي إلى 4 مليارات دولار في عام 2014.

"بشكل مسؤول"

مثال آخر هو الشركة الهولندية لتصنيع البيرة هاينكن التي عززت شرب الكحول المعتدل في دعاياتها منذ 2011.

تقول ميلي هتشنسون مديرة العلاقات العامة في هاينكن إن الشركة تعتقد أن لديها "دورا لتقوم به في المجتمع، والمنبر المثالي لنشر رسالة الاستهلاك المعتدل".

ومع ذلك، تضيف هتشنسون أن الشركة تبصر أيضا "تحولا ملحوظا في سلوك المستهلك"، كما تظهر أبحاثها أن أغلبية الشباب تحد الآن من كمية الكحول التي تشربها.

وتوصلت دراسة لشركة هاينكن نشرت في يناير/كانون الثاني إلى أن 75 في المئة من الذين يشربون الكحول وتتراوح أعمارهم بين 21 و35 عاما، قللوا من كمية الكحول التي يشربونها في معظم الليالي التي يخرجون فيها.

مصدر الصورة HEINEKEN UK

وقد أجريت الدراسة في خمس دول، هي الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وهولندا، والمكسيك، والبرازيل.

وتقول شارلوت وست، من الجمعية الخيرية البريطانية التي تحمل اسم "الأعمال في المجتمع"، والتي تشجع الشركات التجارية على إحداث تغيير إيجابي في المجتمع أو المجتمع المحلي، إنه بالفعل يسعى عدد متزايد من الشركات من أجل جعل أصوات حملاتها مسموعة.

وتضيف أن هذا التوجه استمد جزئيا من صعود وسائل الإعلام الاجتماعي التي مكنت المستهلكين من مساءلة العلامات التجارية بشكل غير مسبوق. وبهذا يتعين على الشركات الاستجابة.

وتقول وست: "إن الزبائن وبشكل متزايد يريدون أن ترمز الشركات إلى الأثر الاجتماعي، وفي عالمنا المتغير يتعين عليها أن تقوم بدور أكبر في حل المشاكل الاجتماعية".

ومع ذلك، فإن لورا سبينس، أستاذة أخلاقيات الأعمال التجارية في رويال هولوي، جامعة لندن، تحذر من أنه "لا بد أن يكون هناك بعض المصالح الذاتية المستنيرة في هذه الحملات".

وتضيف: "يمكن للشركات أن ترى أن ارتباطها بممارسة معينة ينعكس عليها بشكل جيد وقد يجلب لها المزيد من الزبائن. ولكنها يمكن أن تتعرض لخطر أن تبدو واعظة أيضا وهو الأمر الذي عادة لا يخدمها".

حقوق التصويت

ولكن ماذا عن النزعة المتزايدة للشركات للمشاركة في حملات مع فوائد جماعية أقل وضوحا؟

مصدر الصورة BEN . JERRYS

ومن الأمثلة على ذلك حملة رئيس شركة أبل، تيم كوك، في مجال حقوق المثليين في الولايات المتحدة، أو حملة شيريل ساندبيرغ الرئيسة التنفيذية للعمليات في فيسبوك التي تدعو إلى المساواة بين الجنسين.

وحتى شركة بن آند جيري المصنعة للمثلجات (المملوكة أيضا لشركة يونيليفر) أطلقت نكهة جديدة في مايو/أيار من منتجها تدعى "إمبور مينت" (وهو آيس كريم بنكهة النعناع مع حلوى كعكة الشوكولاتة، وحلوى الشوكولاتة الحلزونية) كجزء من حملة "الديمقراطية في أيديكم" الداعية لزيادة حقوق التصويت في الولايات المتحدة.

ومن بين أمور أخرى، تريد شركة بن آند جيري، ومقرها في فيرمونت، أن ترى نهاية لحاجة الناخبين إلى إبراز بطاقات الهوية عندما يتوجهون للتصويت في العديد من الولايات الأميركية، قائلة إن هذا يضر بالناخبين من مجتمع السود لأن إمكانيات حيازتهم للهويات المطلوبة أقل من غيرهم.

ولكن الشركات قد تثير غضبنا عندما تتحدث علانية أيضا، كما حصل لستاربكس العام الماضي في حملتها بعنوان "الأعراق معا" من خلال الهاشتاغ Race_Together#.

فقد عملت الشركة، على أمل تشجيع التسامح العرقي، على تشجيع العاملين بالمقهى على بدء محادثات عن العرق مع الزبائن وكتابة اسم حملتها على أكواب القهوة الجاهزة.

وجاء ذلك في أعقاب الاحتجاجات الوطنية في الولايات المتحدة على قتل الشرطة لعدد من الرجال السود.

ولكن ذلك أحدث ردود فعل كبيرة على وسائل الإعلام الاجتماعية، ودعا العديد من الناس الحملة بالماكرة، فيما قال آخرون إنهم لا يرغبون في الحديث عن العرق بينما يجري تقديم القهوة لهم.

وقد أسقطت الحملة بسرعة، إلا أن ستاربكس تقول إنها تعلمت من التجربة وإنها تتمسك برغبتها في المشاركة.

مصدر الصورة Starbucks

وقال متحدث باسم الشركة: "في أي وقت تتبنى موضوعا مثيرا للجدل، ستكون هناك مخاطر، ولكننا كنا ندرك أن العلاقات بين الأعراق كانت موضوعا مهما. لقد شعرنا أن بإمكاننا استخدام وزننا وبصمتنا للمساعدة على خلق مساحة آمنة لتجري هذه المحادثات في جميع أنحاء البلاد".

"الحاجة إلى الأصالة"

تقول فيكي لومز، المحللة في المؤسسة الاستشارية ترند ووتشنغ:" إذا كانت الشركات تريد إطلاق حملة حول قضية ما، فإنها تحتاج إلى توظيف أهدافها على المدى الطويل، وإلى أن تتماشى الحملة مع ما تفعله تلك الشركات".

وتضيف لومز: "لا يمكن أن تكون حملة تسويقية لمدة ثلاثة أشهر، تتحدث عن شيء مثل موضوع الهجرة، لأنه ببساطة هو الموضوع الأكثر تداولا في الأخبار".

وتتفق السيدة وست من جمعية "الأعمال في المجتمع" مع ذلك، وتقول: "يدرك الناس الحقائق المخفية، لذا يجب أن تكون الحملة أصيلة، وصادقة، وذات صلة بالعلامة التجارية للشركة".

ومن الواضح أنه يتعين على الشركات أن تقيم توازنا دقيقا عندما تدلي بدلوها في القضايا الاجتماعية، ولكن يبدو أننا نفضل أن تحاول تلك الشركات أن تقدم شيئا، بدلا من عدم فعل أي شيء على الإطلاق.

وتقول السيدة وست: "أدركت الشركات أنه لا يمكنها أن تنمو وتأخذ من الناس. عليها أن تنمو وهي تعطي في المقابل، وأعتقد أن هذا نهج رأسمالي مسؤول حقا".

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على صفحة BBC Entrepreneurship.

المزيد حول هذه القصة