نازحو العراق يصفون الحياة بعد تنظيم الدولة الاسلامية

Image caption آنا فوستر، مذيعة بي بي سي 5 وهي تحاور نازحين عراقيين في أربيل

بينما كنت أنا وزميلتي آنا جالسين أمام أجهزتنا ليلا نستكمل تركيب الفيديوهات والتسجيلات الصوتية، انتبهنا إلى أننا لم نلبث في أربيل إلا 48 ساعة بينما بدا كأننا امضينا وقتا أطول بكثير.

في تلك الفترة الوجيزة، شاهدنا المستوى المرتفع من الوجود العسكري المعتاد في هذا البلد، ومعجزات تنظيمية من قبيل مخيمات النازحين التي نصبت في الصحراء خلال أقل من شهر وهي الآن مأوى لقرابة 50 ألف شخص. صادفنا أطفالا، يعيشون في مناطق كان تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر عليها، وهم في وضع سوء تغذية أقرب ما يكون إلى الموت. لكننا رأينا أيضا أطفالا يلعبون ويغنون ويستمتعون مجددا بطفولتهم، بكل ما تحملها من فضول وشيء من الوقاحة، بعد أن قاسوا الأمرين تحت سلطة نظام قال لي آباؤهم إنه امتص منهم حب الحياة.

Image caption منظر جوي لمخيمات النازحين العراقيين في أربيل

كان منظر مخيمات النازحين العراقيين في أربيل أول مشهد أراه لكردستان العراق. حتى من علو 43 ألف قدم، لم يكن من الصعب رؤية الخيم المخصصة للنازحين وهي تبدو كقطع مرتبة ومنحوتة وسط الصحراء.

خلال زيارتنا، كانت معركة الموصل على أشدها. دعينا لزيارة المخيمات التي جهزت بسرعة فائقة لاستقبال الأعداد الكبيرة من النازحين من مناطق القتال. لاجئون في بلدهم ورافضون الذهاب للعيش في أي مكان آخر، فهم يريدون البقاء أقرب ما يمكن من منازلهم.

في اليوم الأول، زرنا مخيم الجدعة في القيارة، شرق الموصل. منظمات خيرية، مثل "أنقذوا الأطفال" و يونيسيف، وجهت دعوة لي ولزميلتي آنا لزيارة المخيمات والالتقاء بالقاطنين فيه. من بعيد، كنا نسمع أصوات الغناء والهتاف تتعالى من أقسام الدراسة. كانوا يتعلمون الأبجدية باللغة الانجليزية.

Image caption بنات يلعبن في إحدى خيم النازحين

إلتقطت صورة لمجموعة من البنات وهن يلهون ويغنين داخل إحدى الخيم. الشمس كانت تدنو من الغروب، والنور يتسلل منخفضا إلى الخيمة عبر النوافذ. قيل لي مرارا أن على النساء والبنات تحت حكم تنظيم الدولة الاسلامية أن يغطين أجسادهن كاملة بوضع قفازات ونقاب كامل. في المخيم، لم ألتق بأي امرأة منقبة بهذا الشكل، ولو أن بعضهن كن يتحجبن حين يعتقدن أن أحدا ما يلتقط صورة لهن.

بينما كنت أتجول في المخيم، اكتشفت فجأة أن مجموعة كبيرة تتبعني وكلهم يرغبون أن التقط لهم صورة. بعضهم كان يرفع إشارة السلام، ولو أنه كان علي أن أنبههم إلى الوضعية الصحيحة للأصابع.

Image caption أطفال عراقيون نازحون
Image caption عائلة أبو دوار - الأب كان شرطيا

زرنا عائلة أبو دوار في خيمتها. الوالد كان شرطيا اضطر للفرار للنجاة من موت محقق، أما زوجته فكانت تعاني في احتواء شغب الأطفال في حيز مكاني ضيق جدا. على الجدار الخلفي للخيمة، علقت بعض الأغراض القليلة التي تمكنت العائلة من أخذها معها، مرآة ابنتهم وحقيبة ظهرها.

خلال عبورنا نهر دجلة، تحت أنظار الميليشيا المسلحة والشرطة والجيش وعبر نقاط تفتيشهم، عثرنا على قرية تبدو لأول وهلة مهجورة.

بينما كنت أصور المنازل المدمرة والمفجرة، ظهر رجل ودعانا بإشارة من يده إلى دخول أحد المنازل. كل النوافذ كانت مهشمة، مثل حال كل المنازل الأخرى، لكن الأمر المختلف هو أن الانفجار حصل داخل المنزل لا خارجه. كان تفجيرا انتحاريا.

رغم الأضرار الكبيرة، فضلت العائلة تنظيف البيت والبقاء فيه، لعلمهم أنهم إذا غادروا فقد لا يجدوه حين يعودون إليه مجددا.

Image caption أضرار داخل المنزل بسبب تفجير داخلي من تنفيذ انتحاري

خارج المنزل، وجدنا قذائف هاون، وغلبة خشبية تحتوي على متفجرات، ولغم أرضي لم ينفجر، وبقايا طلقات الرصاص. وكانت في الشوارع علامات تشير إلى المناطق الملغمة.

بينما كنا نسير نحو سيارتنا، دوى صوت انفجار كبير من منطقة مجاورة. إلتفتت حولي فلم أر أي شخص يركض. بعد أن اجتزنا علم كردستان في أحد الحواجز، شاهدت في الأفق سحابة دخان سوداء ترتفع من البئر النفطي الذي فجره مسلحو تنظيم الدولة الاسلامية وهم يفرون من المنطقة. السحب السوداء تحميهم من قصف الطائرات دون طيار.

Image caption سحب دخان تتصاعد من بئر نفط تم تفجيره غير بعيد عن مخيم أربيل للنازحين
Image caption مخيم اليونيسيف شمال الموصل في أكتوبر/تشرين الأول 2016
Image caption مخيم اليونيسيف شمال الموصل في نوفمبر/تشرين الثاني 2016

في اليوم التالي، كنا ضيوفا في مخيم تابع لليونيسيف شمالي الموصل. قبل شهر فقط، كان مجرد مساحة رملية صحراوية خالية، وهي اليوم مأوى لخمسين ألف شخص.

في إحدى الخيم، رأينا طفلين هزيلين في وضع صحي خطر من قلة الغذاء. أشارت لي أمهما بالتقاط صورة لهما آملة أن تكون سببا في الاهتمام بهما. بعد زيارتنا، أخذت منظمات خيرية الطفلين إلى المستشفى.

Image caption أطفال يعانون من سوء التغذية في مخيم النازحين

على بعد أمتار قليلة، كان هناك أطفال مبتسمون وسعداء لحصولهم على فصول للدراسة.

الفارق بين السعيد والشقي، بين المتفائل والفاقد للأمل، لا يتعدى بضع خيم.

حين كانت زميلتي آنا في بث إذاعي حي، كان المتجمهرون حولنا في غاية الاحترام والهدوء، لكنهم لم تمالكوا ضحكاتهم حين عرفت بنفسي خلال البث. عرفت من محمد، الذي يساعدنا في الترجمة، أن إسمي قريب من كلمة بذيئة باللغة العربية.

أتقبل ذلك طالما بعث في نفوسهم شيئا من الترفيه الغائب عن حياتهم.

المزيد حول هذه القصة