صيادو الإمريغن التقليديون في موريتانيا "تهددهم" الحياة العصرية

في غرب أفريقيا تخفي الصحراء القاحلة وراءها أحد أهم مواقع التراث العالمي، فعلى امتداد 200 كيلو متر، وسط غربي موريتانيا، يوجد حوض آرغين الذي صنفته اليونسكو ضمن مواقع التراث العالمي، عام 1989، لاستقباله سنويا ملايين الطيور المهاجرة التي ينطلق بعضها من سيبيريا بحث عنا الدفء، قبل أن ينتهي به الأمر على سواحل شرقي المحيط الأطلسي.

وعلى امتداد شواطئ الحوض، ينتشر الإمريغن وهم صيادون لهم وجود ضارب في القدم في هذه المنطقة. وقد احتفظ مئات الإمريغن المعاصرين بعادات الصيد التقليدية.

يستخدم هؤلاء قوارب شراعية حين يصطادون عرض البحر، لكن حين تكون حركة المدّ والجزر ملائمة، يصطادون مشيا، على بعد أمتار قليلة من رمال الشواطئ.

ويقول الصياد، حمة جديدو، إن الصيد متعلق أساسا بالرياح، "إذا هبت الرياح فإننا نستطيع التحرك بسهولة، مع ضرورة الحرص على تتبع الاتجاه حتى لا نتوه عرض البحر".

ومهما يقسو البحر على هؤلاء الصيادين، فإنهم لا يتجهون شرقا، حيث البسيطة وحياة المدن الصاخبة بل يتحركون شمالا أو جنوبا، أي على طول ساحل حوض آرغين.

ورفض الإمريغن مساكن أعدتها السلطات الموريتانية، في الوقت الذي بدت فيه الحياة الحديثة تتسرب إلى قراهم رويدا رويدا.

"السمك أولا وأخيرا"

ويقول أحمدو ولد زيدان، وهو أحد المعمرين من الإمريغن، لبي بي سي إن حياتهم تتلخص في البحر، موضحا أن "السمك مصدر للأكل والدواء وحتى بعض الصناعات التقليدية والتحف التي يقبل عليها بعض السياح الغربيين الذين يقضون أسابيع طويلة بينهم للاستمتاع بمراقبة الطيور المهاجرة".

ويؤكد ولد زيدان عدم زيارته لطبيب، طيلة حياته، مشددا على أنه نادرا ما يغادر القرية.

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو
من هم شعب الإمريغن؟

ويذكر الشيخ الثمانيني أن أطفال القرية يتلقون تعليما قرآنيا، قبل الالتحاق بالبحر كصيادين أو أنهم يبقون على البر لاستقبال الصيد وصيانة الشباك والقوارب.

وتضيف مستورة، شقيقة ولد زيدان، أن المرأة الإمريغن لا تغادر البرّ بل تعكف على إعداد الطعام واستخدام السمك في كل نواحي الحياة. "حياتنا تعتمد على السمك أولا وأخيرا".

ويصنع الصيادون الإمريغن كل شيء بأيديهم، انطلاقا من منازلهم البدائية إلى الشباك والقوارب الشراعية.

ويسكن الإمريغن بيوتا يسمونها "لكصور" (القصور) تبنى أساسا من الشجر والعشب، يفترض أن توفر لهم ظلا وارفا كثيفا، في ظل درجات حرارة تتجاوز أحيانا حاجز الخمسين تزيد من وطأتها نسب رطوبة عالية.

إرث في خطر

بيد أن السنوات الأخيرة شهدت تضاؤل أعداد الصيادين الإمريغن، إذ باتت الأجيال الجديدة تفضل حياة المدن على البقاء على طول ساحل حوض آرغين.

ويردد أحمدو ولد زيدان، مازحا، أن دخول التلفزيون إلى قريته أثر سلبا على حياة الصيادين ولفت انتباه أبناء القرى المتناثرة على ساحل الحوض إلى أن هناك حياة أخرى قد تكون أفضل بكثير من حياتهم التي ورثوها عن أجدادهم.

وشهد حوض آرغين تعاقب قبائل معادية، من داخل موريتانيا وخارجها، إضافة لإقامة موانئ تجارية وعسكرية مؤقتة على طول الساحل الموريتاني من طرف البحارة والقوات الإسبانية والبرتغالية والهولندية والفرنسية والبريطانية.

وأدى الصيد بشكل غير قانوني والتقلبات المناخية إلى تهديد التنوع البيئي والسمكي في حوض آرغين، وهو ما دفع السلطات الموريتانية إلى توقيع عدد من الاتفاقات مع الاتحاد الأوروبي ومراكز بحث دولية للحيلولة دون تفاقم ما يصفه الصيادون الإمريغن بالكارثة الطبيعية التي قد تعصف بثراء حوض آرغين.

ورغم الأوضاع الاجتماعية الصعبة فإن مريم بنت بلال تقول إنها لا تستطيع أن تبتعد طويلا عن أرض آبائها وأجدادها. "حين أقضي أكثر من أسبوعين بالعاصمة، نواكشوط، أشعر حقا بالضجر وأعود مسرعة إلى هنا، حيث مكاني الطبيعي".