كيف فقدتُ 51 كيلوغراما من وزني؟

طبعت عبارة "الطيارة جاية من بعيد" طفولتي وصباي، ولمن قد لا يعرف السياق الذي تُستخدم فيه هي عبارة تكررها الأمهات لصغارهن عندما يمتنعون عن تناول الطعام، فتشبه الأمهات الملعقة بالطائرة القادمة من بعيد والمحملة بالبضائع في انتظار هبوطها في فم الطفل.

وكانت الطائرات الموجهة إلى فمي محملة بما لذ وطاب من البضائع.

"الفتى الأكول"

في الثالثة من عمري انتقلت عائلتي من مصر إلى الخليج، فنشأت هناك وكنت طفلا وحيدا بعدما اختار إخوتي الكبار البقاء في مصر واستكمال دراستهم هناك، أما أنا فبدأت رحلتي في التعرف على الطعام.

مصدر الصورة Mohammed Shalaby

لم تكن البداية بالحلوى والشوكولاته وأكياس البطاطس المقرمشة كأغلب الأطفال، هي جميعا أشياء أحببتها لاحقا، لكنني تعرفت على الجذور أولا، وأحببت الخضار والفواكه.

حكت لي أمي عن تلك المرة التي عادت فيها من العمل ووجدتني جالسا على مائدة الطعام أكل تفاحة و أمامي بحر من الدماء بعد أن جرحت إصبعي أثناء محاولتي الشغوفة لتقطيعها.

أحببت طعام حفلات الزفاف والمناسبات العائلية، وعندما تعرفت على "الأوبن بوفيه"، كان بالنسبة لي "كطعام أهل الجنة" فصرت ألاحقه أينما وُجد.

أتذكر عندما نصحني أحد المعلمين في المدرسة أنه يجب علي أن أمارس أنشطة خارج المدرسة، فقررت أن أتعلم الطبخ في المنزل.

قضيت ١٧ سنة في الخليج، ووجدت صعوبة في التأقلم مع نمط الحياة هناك فكنت دائما ما ألجأ إلى الطعام كمهرب، وتنوعت مغامراتي بين محلات "البخاري والبرياني والمندي والبروستد والشاورما والفلافل والقلابة والتميس".

مصدر الصورة Mohammed Shalaby

وصلت عمر السادسة عشرة بمعدل حركة ونشاط يومي لشخص في أواخر عمره، وكانت خمس عشرة دقيقة الوقت الأقصى بالنسبة لي للبقاء على أرضية ملعب كرة القدم، أي محاولة للبقاء أكثر من ذلك قد تؤدي لانهياري في وسط الملعب من التعب وحينها سيكون على الجميع حملي لخارجه.

كنت أنظر دائما لمن حولي بقلق وارتياب، وأخاف من نظراتهم تجاهي، وأتساءل ما الذي يفكرون به عندما ينظرون إلي؟

وتدهورت علاقتي بالمرآة. لا أحب النظر إلى شكلي، وبدأت أشتري العديد من الملابس، لعلي أشتري ما يكفي منها ليصبح بإمكاني الاختفاء فيها.

قررت الانعزال أكثر، وقابلت في عزلتي صديقا جديدا ظل يرافقني لمدة طويلة، وهو الاكتئاب.

مصدر الصورة Mohammed Shalaby

لم يكن الذهاب لطبيب نفسي اختيارا متاحا في البيئة الاجتماعية التي نشأت فيها، فبعضهم كان ينظر للأمر كنوع من العار, لذلك كنت عالقا في دائرة مغلقة.

كنت آكل كثيرا لأنني مكتئب، أكتئب لأنني آكل كثيرا. وحينها بدأت البحث عن مخرج وقررت الذهاب للبحث عن بيئة أخرى للعيش فيها.

تركت دراستي الجامعية التي كنت بدأتها في الهندسة وأنهيت منها سنتين في الخليج وذهبت لتركيا لبدء واحد من أحلامي المؤجلة، ألا وهو دراسة السينما وصناعة الأفلام.

في إسطنبول تعرفت على أحد الأشخاص الذين كنت أتابعهم باهتمام لفترة طويلة، وهو المخرج ومنتج الأفلام، البراء أشرف، وقد جمعتني به جلسات عديدة من خلال أصدقاء مشتركين.

مصدر الصورة Mohammed Shalaby
Image caption محمد شلبي مع البراء أشرف

تحدثت مع البراء عن اهتمامي بمجال صناعة الأفلام، لكن الصفة الأكبر التي دفعتني للانجذاب نحوه هو أنه كان "ضخما" مثلي، ومن بين كل النصائح الكثيرة التي قالها لي، كانت الأولى منهم مفاجئة لي، إذ قال لي: "بص يا شلبي .. لو معنديش ليك غير نصيحة واحدة، فالنصيحة دي هتكون متفضلش تخين كدا طول حياتك".

وبعد أن أنهيت إجراءات انتقالي لإسطنبول وقبولي في جامعة جديدة لبداية دراستي في صناعة الأفلام، استيقظت في يوم من الأيام وبينما كنت أتصفح حساب فيسبوك، فوجئت بمنشور "البقاء لله .. البراء أشرف مات". صدمني الخبر كصاعقة، لم أفهمه، كيف؟ ومتى؟ وأين؟ عرفت بعد ذلك أن البراء كان قد قرر أن يذهب لإجراء عملية تكميم معدة، لكنه لم يخبر العديد من الناس، بعد إجراء العملية، حدثت مضاعفات أدت إلى وفاته.

آكل فأكتئب، أكتئب فآكل

مصدر الصورة Mohammed Shalaby

ورغم ظني أنني ابتعدت عنه بعد خروجي من الخليج إلى تركيا، لكن الأكل كان المهرب الذي أعود إليه بعد كل مشكلة أمر بها، وكنت أجد لدى صديقي القديم راحتي، آكل فأكتئب، أكتئب فآكل.

وصل وزني ١٣٩ كيلو غراما، وهذا ما يعادل الوزن المتوسط لدب باندا ضخم، كنت في انتظار أن يخبرني الأطباء في أي وقت أنني مصاب بالسكري أو الضغط.

وأخبروني بالفعل أنه في حالة استمراري بهذا الشكل لا يجب علي أن أتوقع رؤية نفسي في أواخر الخمسينات من عمري.

حينها بدأت في التفكير أن خروجي إلى تركيا وتغيير مجال دراستي لم يكن حلا. كل هذه كانت تغييرات خارجية، فما فعلته ببساطة هو الهروب من المشكلة الحقيقية بدلا من مواجهتها.

لقد كنتُ في حاجة إلى التوقف عن الهروب ومواجهة نفسي، لذا بدأت كطفل يخطو خطواته الأولى في الحياة، بدأت بأخذ اختيارات مختلفة في حياتي اليومية: سأحاول المشي. وبدلا من ركوب المصعد سأستخدم السلالم، سأطبخ طعامي بنفسي في المنزل وأقلل من أكلي خارجه.

انقطعتُ تماما عن تناول الوجبات السريعة، وبدأت تتحسن كميات أكلي في المنزل كما بدأت أشعر أن صحتي أصبحت أفضل، ولاحظت اختلافا في شكلي أمام المرآة، لدرجة أن وزني بدأ في الانخفاض، وعند هذه اللحظة شعرت بتغيير حقيقي.

لماذا إذا لا آخذ هذا الأمر خطوة أبعد؟ سأمارس الرياضة! ذلك الشيء الذي طالما كان غريبا بالنسبة لي بل مخيفا في بعض الأحيان، لكن لن أذهب لدفع اشتراك في "جيم" أو شراء أدوات ضخمة باهظة الثمن في المنزل، سأبدأ بخطوات صغيرة أيضا، وبدأت ممارسة الرياضة في تلك المساحة الضيقة بجانب سرير نومي في غرفتي، كان الهدف الرئيسي أن أصبح نشيطا.

بالتأكيد لم تسر هذه العملية في خط مستقيم، بالرغم من أنني بدأت بخطوات صغيرة وبسيطة ولكنها كانت تحتاج لوقت وكانت عملية بطيئة، ومررت بلحظات إخفاق واستسلام، لكن دائما ما كنت أقول لنفسي، إن الوزن الذي اكتسبته في ١٧ عاما لا يجب علي أن أتوقع خسارته في ٧ أسابيع.

وتوقفت عن جلد نفسي في كل مرة أُخفق فيها، لا بأس، سأحاول مرة أخرى. وبعد مرور الوقت أصبحت هذه الاختيارات الصغيرة اليومية المختلفة هي نمط حياتي الطبيعي.

بعد تقليصي ل٥١ كيلو غراما من وزني والانتظام بشكل أكبر في ممارسة الرياضة، كنت في انتظار تلك الهدية الجميلة التي يحصل عليها كل من يتبع نظاما غذائيا ورياضيا، ألا وهي جسد مثالي جميل ومعدة مسطحة مرسومة ب"السكس باكس"، لكن آمالي تحطمت أمام صخرة الواقع عندما بدأ الجلد المترهل وعلامات التمدد في الظهور، وأتذكر بينما كنت أقف في غرفة تبديل الملابس في الجيم أنظر لكل الرجال من حولي يقومون باستعراض عضلاتهم، بينما أقوم أنا بشد جلدي المترهل متسائلا إذا كان من الممكن أن يختفي في يوم من الأيام.

بدأت أشعر مرة أخرى بعدم الأمان والقلق تجاه جسدي، وكنت في لحظات كثيرة أكره النظر في المرآة، وبدأت في البحث عن طرق للتخلص منه بأي شكل، وفتح لي ذلك عوالم واسعة على الإنترنت حيث وجدت العديد من الناس والشركات يروجون لعلاجات وطرق مختلفة للتخلص من الجلد الزائد، واتضح لي أن هناك المئات ممن يعانون من المشكلة ذاتها، وفي المقابل هناك مئات آخرون ممن يستغلونهم بالترويج لمنتجات مزيفة من خلال إعلانات تستخدم صياغات براقة عن "الجسد المثالي"، بدأت في الشعور كيف أن ذلك الهوس بالجسد المثالي أصبح مسيطرا علي، المرة الأخيرة التي سيطر علي شيء بنفس هذا الشكل كان الطعام! وحينها أدركت أنه من الواضح أن رحلتي لم تنته بعد وأن خطوة أخيرة ما زالت أمامي لأخطوها.

"جلدك المترهل وعلامات التمدد هي ندوب تدل على حرب مررت بها"

أتذكر جيدا ذلك التعليق الذي كتبه أحدهم على فيديو يوتيوب لشاب كان يتحدث عن رحلة خسارته الوزن وظهور جلده المترهل أيضا وعن قراره أنه لن يقوم بإجراء العملية اللازمة للتخلص من الجلد لأنه ببساطة ليس في حاجة إليها!

مصدر الصورة Mohammed Shalaby

أدركت حينها أن الدرس الحقيقي الذي كنت في حاجة إلى تعلمه أنه لا يجب علي الشعور بالخجل من جسدي، مهما كان حجمه أو شكله، في نهاية الأمر هو الشيء الوحيد الذي يلازمني من اللحظة الأولى لي في هذه الحياة وحتى اللحظة الأخيرة لي فيها، لذلك يجب علي أن أبني علاقة صحية معه وأن أعتني به وأحبه.

مصدر الصورة Mohammed Shalaby

المزيد حول هذه القصة