مع مراسلينا:

عبد الرحيم الفارسي، موفد بي بي سي إلى هايتي

عبد الرحيم الفارسي، موفد بي بي سي إلى هايتي

يستدعي عملي الذهاب في أغلب الاحيان الى مناطق تعيش أحداثاً غير أعتيادية قد تكون خطيرة من حروب، وكوارث و..انتخابات.

وصلت بور أو برنس- عاصمة هايتي- بعد خمسة أيام من وقوع الزلزال المدمر، على متن طائرة صغيرة كنا قد أستأجرناها من ميامي في الولايات المتحدة الأمريكية. لم نجد في المطار من يستقبلنا، ولم يكن هناك وجود للشرطة أو مصالح استعلامات فيه.

التعامل مع السلطات في البلدان المنكوبة ما يكون امراً صعباً عادة ، بسبب البيروقراطيات الادارية المفروضة التي تعرقل مسار عملنا. الوضع الأمني وصعوبة التنقل قد يحولان دون الوصول الى مصدر الخبر، فالطرق تكون عادة في تلك الظروف مقطوعة او الحركة فيها مزدحمة بسبب النشاط المحموم الناجم عن ذلك الحدث.

كانت هناك في هايتي مناطق تسمى بـ "المناطق الحمراء"،وهي مناطق تسيطر عليها العصابات الاجرامية المسلحة.

كنت مع فريق بي بي سي في الدفعة الثانية بصحبة أبرز المراسلين الذين أتوا من كافة أرجاء العالم لتغطية الحدث.

كانت تغطية الـ بي بي سي متميزة، ربما لانها كانت الشبكة الوحيدة التي لها وسائط بث مباشر عبر الأقمار الأصطناعية. بُثت التغطيات باللغة الانكليزية، والاسبانية ثم انضممت اليهم لتغطية الحدث لصالح القسم العربي.كنا نبث تغطياتنا من هايتي على مدار الساعة، وكنت اقوم بنقل مباشر من داخل المستشفيات والمطار والركام وأرسل التقارير الى مقر شبكة بي بي سي العربية في لندن.

لم أعان في هايتي من مشكلة اللغة لأنني اتحدث الفرنسية بطلاقة وتعلمت قليلاً من الكريول – وهي لغة محلية فرنسية تم تطويعها باللسان المحلي.

التعامل مع السلطات في البلدان المنكوبة عادة ما يكون امراً صعباً، بسبب البيروقراطيات الادارية المفروضة التي تعرقل مسار عملنا. الوضع الأمني وصعوبة التنقل بدوره قد يحولات دون الوصول الى مصدر الخبر. فالطرق تكون عادة في تكل الظروف مقطوعة والحركة فيها مزدحمة بسبب النشاط المحموم الناجم عن ذلك الحدث. كان في هايتي مناطق تسمى بـ " المناطق الحمراء" ، وهي مناطق تسيطر عليها العصابات الاجرامية المسلحة.

رأيت مشاهد دمار كثيرة، وأدرك تماماً كيف بأمكان كارثة كهذه ان تشتت الأسر والتأثير في نفوس المنكوبين. غير أنني لم أر طيلة حياتي دماراً كالذي حل بهايتي! وكأن قنبلة ذرية ألقيت على البلد! أنني أتحدث عن كارثة أودت بحياة حوالي 200 الف شخص في أقل من دقيقة!

دُمر نحو 90% من مباني مدينة ليوغان – التي تعد بؤرة الزلزال، أما مدينة جاكميل التاريخية الجميلة، فدُمر الزلزال نحو 50% من مبانيها.

كان هناك زلزال ثاني مدوٌي، بدرجة 6.1 على مقياس ريختر. لم أعش زلزالاً بهذه القوة من قبل!

كنا نياماً في الساعة السادسة صباحاً بالتوقيت المحلي – يتأخر الوقت بخمس ساعات عن توقيت جرينتش. شعرت بأحساس غريب، الأرض تهتز من تحتي. وإذا بصوت المصور يصرخ بي: "أسرع!.. أسرع!.... أسرع!". قمنا بالجري لا نعرف الى أين. ويرن في أذني صوت مجلجل غريب! المدينة بكامل من فيها من البشر– ما يعادل الثلاث ملايين - جميهم يصرخون في آن واحد! رأيت الرعب يشع من أعينهم رغم العتمة التي كانت تحيط بنا! كم هالني ذلك الصوت!

كنت أقيم في فندق مجاور لأحدى المقابر. وكان يصل الى مسامعي في الليل اصوات تراتيل وصلوات قادمة من أتجاه المقبرة. وتصلني رائحة الموت! رائحة الجثث المتعفنة في القبور الجماعية..

زرت أحدى هذه المقابر الجماعية ، حيث وجدت ركاماً من الجثث في حفرة تُركت مكشوفة. كنت قد وضعت حينها خلاصة عطر الخزامى على القناع لتفادي رائحة الموت. أشعر الآن بالغثيان كلما استنشقت هذا العطر لانه يذكرني بتلك الصور. وهي من الصور التي ستظل راسخة بذاكرتي، لأن ما رأيته كان يفوق تصوري.

كنت في منطقة بتسيونفيل. ذهبت للقاء أحدى المنظمات التي تعنى بالاطفال، وبينما كنا عائدين، مررت بشيء محترق حاولت تلافيه، ظناً مني انه مجرد قمامة. غير ان المصورالذي كان يصاحبني، تركني وعاد الى الكومة المحترقة وبدأ بالتصوير منادياً : "تعال .. انظر!" . واذا بجثة متفحمة وقد طوقت الجمجمة بأطار سيارة. أُحرقت الجثة في الطريق.. والناس يمضون غير عابئين بها!

وفي نفس الحي، وعلى مسافة قصيرة رأيت بين الركام شخصاً يبدو انه قتل في الزلال حينما كان نائماً في سريره لحظة وقوع الزلال، وبقي في مكانه رغم مضي عشرة أيام آنذاك على وقوع الزلزال.

بعد ان غادرت هايتي توجهت الى مدينة سانتو دومنيغو عاصمة جمهورية الدومنيكان المجاورة، كنت مقيماً في الطابق التاسع في احد فنادقها. وبينما كنت في غفوة بعد الظهر، فأذا بي استيقظ مفزوعاً! شعرت وكأن الفندق يتهاوى!

هذا طبعاً من تداعيات الصور والاحداث غير الطبيعية التي نتعامل معها كمراسلين. لكن طبعاً هذا جزء من مقتضيات عملنا ونحن مهيؤون نفسياً. والـ بي بي سي لا ترسل احداً لتغطية أحداث كهذه، دون أخذ ما يلزم من تدريبات تتعلق بالسلامة والأمن، لان سلامة المراسل تأتي قبل كل شيء! أنا في طريقي قريباً الى العراق لتغطية الأنتخابات التشريعية هناك.

خريج قسم الانكليزية بجامعة محمد الأول- المغرب 1993. عمل في وكالة الانباء المغربية، وكان متعاوناً مع احد الوكالات الدولية الرائدة. لديه تكوين في الحقوق والسياسية.يتحدث اللغة العربية، الانكليزية، الفرنسية والاسبانية. ينصب أهتمامه في القضايا الأمنية والعسكرية، منطقة الساحل والصحراء الكبرى اضافة الى اوروبا الغربية والعلاقات مع الاتحاد الاوروبي.

قام بتغطيات عديدة منها : العراق بعد الغزو الامريكي وسقوط نظام صدام حسين، وافغانستان، وباكستان وجورجيا . كما قام بتغطية احداث ميدانية في كل من: ، موريتانيا، تونس، سنغال، مالي، الاردن، مصر، واليونان. وهو في طريقه لتغطية الانتخابات التشريعية في العراق.