كيف جرى البحث

أصبحت القصص المتعلقة بالقلق من الهجرة شائعة للغاية. غير أنه خلال السنوات الـ15 أو الـ20 الأخيرة، سنت أيضا قوانين ووضعت سياسات تسمح بدخول تلك القلة من المواطنين الأجانب، وهو ما تعتبره الدول أمرا مرغوبا.

ويطرح سؤال بشأن نوعية المهاجرين المطلوبين في العالم؟. هذا البحث يسعى إلى الإجابة.

ولأن الكثير من الدول يحتفظ بسجلات تتعلق بتدفق المهاجرين منها، ولأننا قررنا التركيز على المهنيين ذوي المهارات العالية – الذين يواجهون متاعب أقل فيما يتعلق بالقيود على الدخول للدول الأخرى - فإنه يبدو من السهل تعقب حركة المهاجرين.

وهنا تثار بعض القضايا القليلة. أولا، معظم الدول لا تفصل المهاجرين المهرة عن غيرهم من باقي المهاجرين.

كما أن معظم الحكومات لا تستطيع فيما يبدو الاجابة عن سؤالنا الثاني: من يذهب الى أين كي يعمل في أي مجال؟.

وتعد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مصدرا جيدا للحصول على معلومات شاملة عن تدفق المهاجرين والتغييرات في سياسات دولها الأعضاء للتعامل مع القوة العاملة الأجنبية لديها.

ويعد التقريران اللذان صدرا عام 2012 بعنوان "توقعات الهجرة الدولية" و "التواصل مع المغتربين، مصدرا رئيسيا عن المناطق التي يقصدها المهاجرون.

فقد أعدت المنظمة عام 2012 تقريران بعنوان" رؤية دولية للهجرة" و" التواصل مع الجاليات في الشتات". وهذان التقريران هما المصدران الرئيسيان عن وجهة المهاجرين.

لكنه تبين أن العثور على بيانات تتعلق بالتحديد بالمهنيين المهاجرين من ذوي المهارات العالية أمر صعب، حتى في قاعدة بيانات المنظمة الدولية.

ووفقا لجان- كريستوف دومون، رئيس قسم الهجرة الدولية في المنظمة، يسعى العديد من المجموعات - دون نجاح حتى الآن - إلى وضع مجموعة بيانات شاملة بشأن هجرة المهنيين. وتكمن الصعوبة الرئيسية في اختلافات النظم التي تستخدمها كل دولة في التعامل مع تدفق المهاجرين إليها.

تحديد البيانات

قررنا العمل بالأدوات المتاحة ومعرفة ما هي أنواع المهنيين الأجانب التي تزعم الدول انها تهتم باجتذابها، سواء كان ذلك من خلال القوائم الرسمية التي تحدد المجالات التي تعاني نقصا في المهنيين المهرة، أوالبيانات الرسمية التي أعدتها الوزارات المعنية في الدول.

ومع ذلك تنهض الحكومات بهذا النوع من الإدارة عن طريق الاستعانة بوسائل مختلفة. فبعضها يقوم على تحديد حصص لذوي المهارات العالية من المهاجرين على أساس عدد الداخلين في السنوات السابقة، في حين يلجأ بعضها الى قوائم النقص الرسمية وغيرها من الآليات.

واستطعنا الحصول على معلومات رسمية عن كل الدول الـ 34 الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، باستثناء اليابان وكوريا الجنوبية والمكسيك وشيلي وإسرائيل واستونيا وتركيا وهولندا وايطاليا وأيسلندا.

فمعظم دول المنظمة تستخدم بالفعل قوائم النقص المتوفرة على مواقعها الرسمية على شبكة الإنترنت والتي تختص بالهجرة ، في حين أمدتنا بعض الدول الاخرى، مثل بولندا، ببعض أبحاث السوق التي أعدتها شركات مستقلة بها، والتي كانت تعامل على أنها مصادر موثوق بها.

بيد أنه ليست كل الدول تعد أو تتيح مثل هذا النوع من البيانات . ففي حالة استونيا، على سبيل المثال، استطاعت وزارة الاقتصاد والاتصالات تزويدنا بقائمة تضم مختلف المجالات التي تعاني نقصا في المهنيين حتى عام 2019، دون تحديد أنواع خاصة من المهنيين الذين يحتاجهم كل مجال، لذا لم ندرج البلد على قائمتنا النهائية.

كما أمدتنا دول المنظمة بالفعل باستعراض بالغ الأهمية لأنماط الهجرة في العالم، حيث تضم المنظمة الدول " المستقبلة " الرئيسية للمهاجرين، بما في ذلك المهاجرون من ذوي المهارات العالية.

وكان من الإنصاف إدراج بعض أكبر الدول "المانحة" للمهنيين، مثل الهند والصين ، وهو ما دفعنا الى الحصول على معلومات تتعلق باحتياجات دول مجموعة بريكس التي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، من المهنيين الأجانب وما لديها من سياسات تهدف إلى اجتذابهم. واسم بريكس هو تجميع للحروف الأولى للدول المذكورة.

نقص حاد

فبالنسبة لدول هذه المجموعة، بدت الأمور مختلفة بعض الشيء. ففي جنوب أفريقيا وروسيا والمناطق الإدارية الخاصة في الصين كانت هناك سياسات محددة للمهاجرين من ذوي المهارات، وكانت جنوب أفريقيا الدولة الوحيدة التي احتفظت بقائمة تضم المهارات التي تعاني نقصا فيها، واستطعنا من خلال ما تفرضه روسيا من شروط لحصول ذوي المهارات العالية على تأشيرات عمل بها رصد واحدة على الأقل من الاحتياجات الرئيسية في البلاد، وهم الاختصاصيون في تكنولوجيا المعلومات.

ومثلت الهند والصين والبرازيل تحديا أكبر بالنسبة لنا، نظرا لعدم توافر سياسة محددة حتى الآن لدى هذه الدول تفضي إلى اجتذاب المهاجرين من ذوي المهارات، اذ ترتبط طلبات منح تأشيرات عمل لهؤلاء المهنيين في الأساس على ما هو متاح من عروض توظيف في الدولة. فمع وجود دول تضم عددا كبيرا من المغتربين مثل الهند والصين، نجد أن معظم جهودها حتى الآن مازالت تنصب على اجتذاب مواطنيها من ذوي المهارات الخاصة من أجل عودتهم.

وبالنسبة للوضع في البرازيل، جرى جمع المعلومات من خلال استخدام إحصاءات تتعلق بدخول المهنيين الى البلاد في العام الماضي ومن خلال مقابلة مع رئيس المجلس الوطني للهجرة، باولو سيرغيو دي ألميدا .

أما المعلومات المتعلقة بالهند فقد جرى جمعها من عدة تقارير رسمية، كان أبرزها تقرير الخطة الخمسية الثانية عشرة 2012-2017، الذي أعدته اللجنة الوطنية للتخطيط في البلاد.

وفي منطقة هونج كونج الصينية الإدارية الخاصة، استطاع تقرير رسمي عن متطلبات القوى العاملة ومتطلبات المنطقة حتى عام 2018 إتاحة بعض الرؤى المتعلقة بأكثر الطلبات المهنية إلحاحا بالنسبة للمنطقة. ويرتبط منح تأشيرات العمل في هونغ كونغ بأوضاع العمالة في البلاد، والتي تعتبر سارية فقط حال وجود صعوبات في العثور على مرشح محلي مناسب لشغل الوظيفة.

وتفيد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية باختيار سنغافورة كأكثر البلدان جاذبية للمهاجرين من ذوي المهارات العالية.

فمع تعذر الحصول على بيانات المهن المطلوبة في اليابان وكوريا الجنوبية، أضيفت سنغافورة لقائمتنا للدول بغية تقديم رؤية للدول الاسيوية التي تضع سياسات تهدف الى اجتذاب المهنيين من شتى ارجاء العالم.

ومع توافر قوائم لكل دولة، ركزت الخطوة التالية على مقارنة تصنيفات الدول للمهن بموجب المعيار الدولي الموحد للمهن (ISCO-08)، الذي استخدم كقاعدة لهذا البحث.

فمعظم الدول تستخدم معايير متشابهة. لكن في مجالات مثل مهن تكنولوجيا المعلومات، تطلب الأمر قضاء بعض الوقت للعمل الإضافي الرامي إلى التأكد من أن المهن تخضع لعملية تجميع وفهم على نحو مناسب.

أرضية مشتركة

وجاء تحديد الطريقة التي يجري بها تجميع المهن متسما بالصعوبة. فبعض الدول أعدت قوائم بناء على ما هو متاح من عروض الوظائف الخاصة بها، ومن ثم، جاءت أكثر تحديدا لأنواع المهنيين المرغوب في اجتذابهم. فمنهم من قال "محاسب" بينما قال آخرون "مراقب حسابات" أو "مراجع حسابات".

لهذا السبب كان من الضروري إيجاد أرضية مشتركة لتجميع المهن، مثل الخلفية الأكاديمية التي تسمح للشخص أن يصبح مراجعا للحسابات، (الدرجة العلمية، درجة الماجستير في المحاسبة، على سبيل المثال).

وندرك أن هناك مسارات مختلفة تجعل المرء مهنيا، وليست جميعها تنطوي على درجة علمية معينة في حقل مهني معين، ومع ذلك، فإن معظم الدول التي تعاني من نقص المهارات تحدد درجات أكاديمية تشترط توافرها في المرشحين لشغل وظيفة، ومن لم يتوافر لديها ذلك تفرض شروطا على منح تأشيرات العمل بما يرتبط والمعروض من وظائف، وهنا تعمد الشركات إجراءات توظيف خاصة بها.

وتنتهج معظم الدول نهجا مدفوعا بالطلب على الهجرة الماهرة، في حين تستشير الدول شركات ومنظمي أعمال بغية الحصول على ما تحتاجه من مهنيين. وهذا ما يشير الى سبب كون البيانات، على الرغم من قلتها، تعد مؤشرا لاتجاهات حركة المهنيين من ذوي المهارات في العالم، وهي اتجاهات تنامت خلال العقد الماضي.

وكانت مهن مثل الاختصاصيين في العمل في مجال الصحة وتكنولوجيا المعلومات والمهندسين من أبرز المهن المطلوبة من جانب غالبية الدول، سواء من حيث تغيير قوة عاملة تقدمت في السن أو تعويض نقص في مهارات لدى الدول صاحبة نمو اقتصادي سريع في العالم مثل دول مجموعة بريكس.