هل أصبح للعرب والمسلمين صوت مؤثر في الإنتخابات الأمريكية؟

Image caption نهاد عوض: الخطاب العنصري نبه الكثير من المسلمين لاهمية التصويت في الانتخابات

كانت قضايا المسلمين، والأوضاع في العالمين العربي والاسلامي، حاضرة بقوة في المناظرات والحوارات التي صاحبت إنتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2016 على مختلف المستويات. على مستوى السياسة الخارجية للولايات المتحدة، هناك تباين واضح بين الحزبين الجمهوري والديقراطي حول الدور الذي يجب أن تقوم به واشنطن في سوريا والعراق وايران وغيرها من دول المنطقة.

على المستوى الداخلي، أثار مرشح الحزب الجمهوري، دونالد ترامب، جدلا واسعا عندما تحدث عن خططه لفرض حظر على دخول المسلمين الى الولايات المتحدة "حتى يتم تحديد كيفية التعامل مع خطر الإرهاب"، على حد وصفه.

صحيح أن هذا الطرح حرك عاصفة من الإنتقادات من قبل سياسيين أمريكيين بارزين، حتى من داخل صفوف الحزب الجمهوري نفسه، إلا أنه أيضا نبه كثيرا من المسلمين الأمريكيين الى ضرورة المشاركة على نطاق أوسع في العمل السياسي.

ويرى نهاد عوض، مدير مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير)، أن "خطاب ترامب العنصري أيقظ قطاعا لا بأس به من المسلمين، بل حتى من أبناء الأقليات الأخرى، وهذا ليس عيبا، بل هو رد فعل طبيعي عندما يرى المنتمون لديانة معينة أنهم مستهدفون".

وحسب دراسة قامت بها المنظمة التي يترأسها، فان نحو 86% من الناخبين المسلمين المسجلين أكدوا عزمهم على المشاركة في التصويت في هذه الإنتخابات، وهي نسبة أعلى من نسبة مشاركة الناخبين المسلمين في انتخابات الرئاسة السابقة، كما أنها أعلى من المعدل الأمريكي العام للتصويت. وأظهرت هذه الدراسة أن نحو 72% من الناخبين المسلمين يؤيدون هيلاري كلينتون مرشحة الحزب الديمقراطي.

ويضيف عوض أن كلينتون أوضحت أنها ترفض إستهداف المسلمين لاي سبب، وأشادت بمساهمات المسلمين في المجتمع الأمريكي، ويعمل معها موظفون مسلمون. وهناك حضور متزايد للمنظمات الأسلامية في صفوف الحزب الديمقراطي، إذ شارك 120 مندوبا من هذه المنظمات في المؤتمر الأخير للحزب. ويقول أنه ربما تلعب أصوات الناخبين المسلمين دورا حاسما في بعض الولايات المتأرجحة مثل أوهايو وميتشجان وفيرجينيا. وعموما يرى عوض أن المسلمين على الطريق لتأثير أوسع في الإنتخابات الأمريكية.

Image caption د. اشرف انصاري: نسبة العرب اقل من 1 بالمائة من السكان في الولايات المتحدة

نشاط ملحوظ للمجموعات العربية والأسلامية

وعلى مستوى تجمعات العرب الأمريكيين، والتي تضم عربا مسلمين ومسيحيين، يرى الدكتور أشرف الأنصاري، عضو التحالف الأمريكي الشرق أوسطي المؤيد لدونالد ترامب، أن هناك نشاطا ملحوظا لهذه التجمعات في صفوف الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي، وأن هذا النشاط يتزايد دورة بعد أخرى. كما يرى أنه نظرا لكون العرب يمثلون نحو 1% فقط من السكان في الولايات المتحدة فلا ينبغي مقارنة تأثيرهم بتأثير جاليات أخرى أكبر عددا وأقدم عهدا بالحياة في المجتمع الأمريكي، مثل الجالية اليهودية التي تتمتع بامكانات مالية كبيرة، وقوة تأثير ملحوظة.

ويمضي الأنصاري فيقول أن تاثير العرب أكثر وضوحا في الولايات التي تتواجد بها أعداد كبيرة نسبيا منهم، مثل ميتشجان وفلوريدا وكاليفورنيا، وأنه في مثل هذه الولايات يكون الصوت العربي هاما في الانتخابات. كما يرفض القول بأن أغلبية العرب تصوت عادة لصالح الديمقراطيين، وعلى سبيل المثال أيد الكثير من العرب جورج بوش الأبن في الانتخابات التي جرت عام 2000، فيما أيدوا باراك أوباما في عام 2008.

وتضيف زينب السويج، المديرة التنفيذية لمنظمة "المؤتمر الاسلامي الأمريكي" أن المخاوف من تصاعد ظاهرة الخوف من الاسلام، أو "الاسلاموفوبيا"، علاوة على موقف ترامب، الذي أستخدم الخوف من الإسلام لكسب الأنصار، دفع الكثير من المسلمين الأمريكيين الى السعي لأثبات وجودهم والمشاركة بشكل أوسع في هذه الانتخابات خشية أن يفوز بها من هو أشد وطأة عليهم.

وللمرة الأولى، حسبما تقول، يتلقى الكثير من الناخبين العرب والمسلمين إتصالات هاتفية من منظمات عربية واسلامية تدعوهم للتصويت لكلينتون. كما تم تنظيم العديد من الفعاليات والتجمعات لذات الغرض، وهو تأييد كلينتون، علاوة على النشاط الواسع على مواقع التواصل الأجتماعي التي أصبح لها تأثير كبير، وعلى الجانب الآخر هناك من الناخبين المسلمين من يؤيد ترامب، ولكنهم يمثلون الأقلية كما تقول.

وتضيف السويج "أدرك العرب والمسلمون أهمية الحضور القوي في الإنتخابات، وأهمية العمل السياسي المنظم، وعرفوا أنهم اذا لم يشاركوا بفعالية فلن يهتم بهم أحد".

Image caption غالبية العرب والمسلمين يؤيدن كلينتون خوفا من وصول ترامب الى البيت الابيض

الأنقسامات بين المنظمات العربية

ولكن تبقى المشكلة الكبرى، كما تقول السويج، هي الانقسام الواضح بين المنظمات العربية، إذ أن هذه المنظمات مرتبطة بدول عربية ومصالح مختلفة. بل قد تتعارض المصالح العربية، الأمر الذي يحد كثيرا من تأثير هذه المنظمات.

وعلى سبيل المثال هناك أهتمام واضح من السعودية مؤخرا بتقوية نفوذها في واشنطن، والعمل على تكوين "لوبي" سعودي، لكنه يخدم أساسا المصالح السعودية التي قد تتعارض مع مصالح دول أسلامية أخرى كما تقول السويج. وإجمالا ترى أن مشاركة المسلمين في العمل السياسي أفضل كثيرا مما سبق، وحضورهم واضح في ولايات معينة مثل ميتشجن وكاليفورنيا.

وتتفق الدكتورة عبير كايد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة هوارد الأمريكية، مع القول بأن الأنقسامات والخلافات بين المنظمات العربية أضعفت كثيرا من دورها.

وتضيف "أن الكثير من هذه المنظمات لا تنشغل بالسياسة الأمريكية إلا في موسم إنتخابات الرئاسة، وتبقى مشاركتها في العمل السياسي مجرد رد فعل عشوائي، كما حدث من رد فعل على ما قاله ترامب عن المسلمين، ولا يوجد في رأيها عمل سياسي عربي منظم، أو "لوبي" عربي مؤثر".

وعلى النقيض، فان الأمريكيين من أصل أفريقي أو من أصل لاتيني أو اليهود يعملون بشكل سياسي منظم، ولهم حضور وتأثير سياسي واضح. صحيح أن هناك ولايات بها صوت عربي مهم، مثل ولاية ميتشجان التي تضم أعدادا كبيرة من العراقيين والفلسطينيين واليمنيين، لكن لا يوجد نفس العمل السياسي المنظم القائم لدى أقليات أخرى.

Image caption الخلافات بين المنظمات العربية في امريكا اثّر على دورها كثيرا

ويمكن أن يكون للعرب دور مؤثر في الحياة السياسية الأمريكية، كما ترى كايد، إذا تم إنشاء مراكز ثقافية عربية تقدم صورة مشرقة للحضارة العربية، وصورة معتدلة ومستنيرة للاسلام. ومثل هذه المراكز الثقافية يمكن أن يكون لها دور أجتماعي وثقافي وسياسي مؤثر في المجتمع الأمريكي.

وفي هذا السياق يقول نهاد عوض أن كثيرا من المنظمات العربية الأمريكية أرتبطت بأنظمة عربية من ناحية السياسات التي تتبناها والتمويل الذي تحصل عليه، وبالتالي عكست هذه المنظمات ما تعيشه الأنظمة العربية من خلافات وتشرذم. بينما الصورة أفضل في المنظمات الأسلامية، مع ملاحظة أن العرب يمثلون نحو 23% فقط من المسلمين الأمريكيين، حسبما توضح دراسات قامت بها منظمة "كير"، وأن أغلبية مسلمي الولايات المتحدة من الهند وباكستان علاوة على المسلمين الأفارقة. ويضيف أن المنظمات الأسلامية تتعاون بشكل واضح، ونجحت الى حد كبير في تجنب المشكلات والخلافات الطائفية.

وبشكل عام يمكن القول أن مشاركة العرب والمسلمين في الحياة السياسية الأمريكية تتحسن تدريجيا، وأن قوة الصوت العربي أو الاسلامي تتفاوت من ولاية الى أخرى، وأن المنظمات الأسلامية، والتي تضم أغلبية من غير العرب، أكثر تعاونا وتنسيقا من المنظمات العربية التي يتفق كل من تحدثت اليهم على أنها تعاني من إنقسامات وخلافات مستمرة تضعف الى حد كبير من تأثيرها. ربما تتباين الآراء حول سبل دعم وتعزيز النفوذ العربي والإسلامي في الساحة السياسية الأمريكية، لكن من الواضح أن الطريق لايزال طويلا لكي يكون للعرب وللمسلمين قوة ونفوذ مثلما ما تتمتع به مجموعات أخرى في المجتمع الأمريكي.