ما مستقبل اللاجئين السوريين في ألمانيا؟

كيف يرى اللاجئون السوريون مستقبلهم في ألمانيا؟ نقطة حوار
Image caption كيف يرى اللاجئون السوريون مستقبلهم في ألمانيا؟ نقطة حوار

لسنوات طويلة أشتهر شارع "زونن آليه" في العاصمة الألمانية برلين باسم "بيروت الصغيرة"ّ، إذ توجد به مجموعة من المطاعم التي أسسها مهاجرون لبنانيون توافدوا على برلين خلال فترة الحرب الأهلية في لبنان في السبعينات من القرن الماضي. وأصبح الشارع معروفا بمطاعمه ومقاهيه في أوساط الجالية العربية في برلين، وإن لم يحظ باهتمام اعلامي خاص نظرا لأن الأمور كانت مستقرة فيه على نحو كبيرة لفترة طويلة.

غير أن ملامح "زونن آليه" بدأت تتغير بشكل سريع منذ عام 2015، وذلك حين أتخذت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قرارا غير مسبوق في تاريخ ألمانيا بقبول نحو مليون لاجئ سوري بسبب ظروف الحرب في بلادهم، وذلك بعد أن تداولت وسائل الأعلام عشرات التقارير عن غرق اللاجئين في البحر المتوسط وهم يحاولون الفرار من تركيا الى أوروبا، وعن العصابات التي تستغل حاجتهم للفرار من ويلات الحرب. ومن ثم، قررت ميركل أن تتبع سياسة "الباب المفتوح" أمام هؤلاء اللاجئين.

وكانت النتيجة أنه في خلال ثلاثة أعوام فقط من صدور هذا القرار، أصبح هناك وجود قوي للشباب السوري في برلين، وأصبح من المألوف أن تشاهد أسرا سورية تتجول في وسط المدينة. وتم أفتتاح مجموعة من المطاعم السورية في شارع "زونن آليه" التي يزدحم روادها داخلها وفي الشوارع المؤدية لها بحيث يشعر الزائر أنه في قلب دمشق وليس في قلب العاصمة الألمانية.

ولم يغير قرار ميركل فقط من ملامح الجالية العربية في ألمانيا، بل أدى الى أنشقاق عميق في الأئتلاف الحاكم في ألمانيا، والذي يضم الاتحاد المسيحي الديمقراطي بزعامة ميركل، وشقيقه الأصغر في الأئتلاف، وهو الحزب المسيحي الأجتماعي بزعامة هورست زيهوفر، وزير الداخلية الحالي، الذي يعارض بشدة كل ما تقوم به ميركل في ملفي الهجرة واللاجئين. ويرفض زيهوفر استقبال ألمانيا للاجئين سجلوا دخولهم الأول لأوروبا في بلد آخر، ويرغب في وضع قيود على اعداد اللاجئين، وهو ما ترفضه ميركل، وتصر على حل أوروبي شامل للملف.

ويهدد الخلاف بين ميركل وزيهوفر بانهيار الأئتلاف القائم بين الحزبين المسيحيين المحافظين منذ عشرات السنين. هذا علاوة على صعود نجم حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتشدد، الذي حقق مكاسب غير مسبوقة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، والذي يتنافس قادته مع زيهوفر على كسب الشعبية والتأييد بين صفوف قطاع غير قليل من الناخبين الألمان الذين يرفضون سياسة ميركل بشأن الهجرة واللجوء، خاصة في ولاية بافاريا التي يسيطر الحزب المسيحي الأجتماعي على أغلب مقاعدها.

ضغوط سياسية وقانونية على اللاجئين

ضغوط اليمين الألماني المتطرف لا تتوقف على أنجيلا ميركل بهدف تشديد القيود على قبول اللاجئين، أو على طريقة التعامل مع اللاجئين الذين قبلتهم ألمانيا بالفعل كما يقول مصطفى العمار، عضو مجلس أمناء الاتحاد المسيحي الديمقراطي، ومفوض الأندماج بالحزب. ويضيف العمار أن "السيدة المستشارة فتحت الباب أمام اللاجئين لأسباب أنسانية، لكن مدى نجاح هؤلاء اللاجئين في المجتمع الألماني يتوقف على قدرتهم على الأندماج في هذا المجتمع والتعايش معه". والمشكلة هنا، كما يوضح، أن بعض المهاجرين لا يبذلون مجهودا كافيا للأندماج مع المجتمع الذي يعيشون فيه، خاصة وأن الوضع الحالي غير مسبوق في ألمانيا التي لا يوجد بها أصلا قانون للهجرة، وتم مؤخرا تعيين وزيرة للهجرة للمرة الأولى في تاريخ ألمانيا.

وأسفرت الضغوط السياسية المستمرة، خاصة من قبل وزير الداخلية، عن مجموعة من التغييرات القانونية التي أدت لصعوبات أضافية للاجئين السوريين كما تقول نهلة عثمان، وهي محامية ألمانية من أصل سوري متخصصة في شؤون اللجوء وقضايا الأسرة. ومن أبرز المشكلات حاليا تشديد قواعد لم الشمل للمهاجرين بحيث أصبح من الصعب على كثيرين أحضار أسرهم الى ألمانيا، هذا علاوة على أن نحو 90% من السوريين في الوقت الحالي لا يحصلون على حق اللجوء، بل يحصلون على حماية مؤقتة بسبب ظروف الحرب، كما تقول، الأمر الذي يعني أنه من حق الحكومة الألمانية اعادتهم الى سورية اذا أنتهت الحرب. وهذا الوضع يختلف كثيرا من الناحية القاونونية عن حق اللجوء الذي حصل عليه آلاف السوريين في عام 2015، إذ أن حق اللجوء يفتح الباب لاقامة دائمة غير مشروطة بظروف الحرب.

وعلى الرغم من كل هذه المشكلات ترى نهلة عثمان أن أغلب السوريين سوف يستمرون في ألمانيا، وهو نفس رأي الكاتبة السورية كفاح علي ديب، مديرة القسم العربي في "هاند بوك ألمانيا"، وهو موقع على الأنترنت للتعريف بالمانيا. وتضيف كفاح أنه من الصعب على أغلب السوريين الذين يعيشون في ألمانيا، أن يتخلوا عن فرص التعليم المتميز لأبنائهم في المدارس والجامعات الألمانية، وفرص العمل والحياة في ألمانيا، ليعودوا لى بلد يعاني من دمار شامل، وسيبدأ من يعود اليه من الصفر ليبني حياته من جديد، هذا علاوة على المشكلات الأمنية في سورية، إذ تعرض بعض من عادوا للأعتقال من جانب السلطات بسبب مواقفهم السياسية.

وتضيف كفاح أنه عند النظر لمستقبل اللاجئين السوريين نجد فروقا واضحة بين اتجاهات الشباب، واتجاهات المتقدمين نسبيا في العمر. الشباب، كما تقول، خاصة من أكملوا تعليهم في ألمانيا، يجدون فرصا أفضل، ولديعم أستعداد أكبر للتاقلم مع ثقافة المجتمع الألماني، أما من هاجروا وهم في الخمسينات أو الستينات من العمر، ولا يعرفون الألمانية أو الانجليزية، فالأمور أشد قسوة وأكثر صعوبة بالنسبة لهم.

ومن بين هؤلاء الشباب الناجحين ماهر دعبول، وهو مهندس عمارة سوري أنهى دراسته في أحدى الجامعات الألمانية، وأعد مشروع تخرج عن أعادة أعمار سورية، وشارك في اعداد كتب لمساعدة اللاجئين، ويرى أن مشكلة ضعف أندماج قطاع من اللاجئين السوريين تقع على عاتق الطرفين: الحكومة الألمانية التي لم تستفد بما يكفي من اللاجئين عن طريق فتح الباب أمامهم في سوق العمل، واللاجئين الذين لا يبذلون ما يكفي لتعلم اللغة أو معرفة ثقافة مجتمعهم الجديد.

ربما ما يتفق عليه الجميع هو أن أوضاع اللاجئين السوريين معقدة بلا شك، وأنها اصبحت موضوعا ساخنا في الاعلام الألماني، وأزمة مستمرة بين الاحزاب الألمانية. غير أن قسوة الأوضاع في سورية، حتى لو أنتهت الحرب، ستجعل من خيار العودة أمرا مرفوضا للكثير من السوريين، خاصة الشباب. وهذا يعني أن عليهم بذل جهود اضافية للتوافق مع المجتمع الألماني، بكل ما فيه من مزايا وعيوب، طالما أختاروا بأنفسهم، أو أجبرتهم الظروف، على أن تكون حياتهم فيه.

مستقبل اللاجئين السوريين في ألمانيا كان موضوع حلقة خاصة من نقطة حوار سجلت في العاصمة الألمانية برلين، وتم بثها يوم الجمعة 6 يوليو/ تموز على شاشة وأثير بي بي سي عربي. يمكن مشاهدتها على هذا الرابط:

https://www.youtube.com/watch?v=6XeiSJjTT9k&list=PL63lwGZ_8vsm2lB3wEnS6aB0HXv-HrpT3&index=14&t=23s