ما هي الاختيارات الصعبة امام الطلبة العرب في بريطانيا؟

مشاركون في حوار الجامعات مصدر الصورة BBC World Service
Image caption حوار بين طلال الميهني ومؤمن سنقرط حول العمل السياسي

لا تقتصر التحديات التي يواجهها الطلبة العرب في بريطانيا على ما يواجه اقرانهم من الطلبة الاوروبيين، مثل ارتفاع تكاليف الدراسة الجامعية، وضغوط برامج الدراسة المكثفة والمنافسة الشديدة بين الطلبة وغيرها، بل تمتد هذه التحديات الى قضايا ثقافية واجتماعية وسياسية تجعل الطالب العربي امام اختيارات صعبة.

لعل من ابرز هذه التحديات مدى اندماج الطلبة العرب مع الجنسيات والثقافات الاخرى التي يلتقون باصحابها اثناء دراستهم في المجتمع البريطاني، ومع هذا المجتمع نفسه الذي يختلف بشكل اساسي في تكوينه وثقافته عن المجتمعات العربية. هل الاندماج مع اصحاب الثقافات الاخرى هو الافضل، ام الأفضل الانكفاء على دائرة من الزملاء والاصدقاء الذين ينتمون الى الهوية العربية أو الاسلامية للحفاظ على هذه الهوية؟

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption مجموعة من الطلبة المشاركين في الحوار

الاجابة ليست سهلة كما ترى غدير صيام، وهي طالبة دكتوراه في الهندسة بجامعة كمبرديج، خاصة وان الاندماج سلاح ذو حدين كما تقول، فمن الممكن ان يكون مفيدا او ضارا، وهذا يعتمد على الشخص نفسه، وعلى مدى ثقته بنفسه، ومتانة اساسه الثقافي، لكنها تفضل الانفتاح والاندماج لأن الهدف من السفر للدراسة، في رأيها، ليس لتحصيل المعرفة في فرع دراسي معين فحسب، بل ايضا نقل الثقافة واسلوب الحياة التي يتعرف عليها الطالب خارج بلاده.

غير انه هناك من يتخوف من الاندماج الزائد مع من ينتهجون اسلوبا مختلفا في حياتهم وعاداتهم، من بينهم جهاد جعوير، الذي يدرس الماجستير في ادارة الاعمال الدولية والبنوك في جامعة لندن ميتروبوليتان، ويرى انه لابد من الاحتكام الى الضوابط الدينية اثناء الاختلاط مع الآخرين، ولابد من اخضاع اي سلوك للقواعد الاسلامية، ومن ثم يقبل قدرا من الاندماج في حدود ما تسمح به ضوابط الشريعة الاسلامية، ويرى ان هناك من يبالغ في الاندماج بشكل تضيع معه الهوية الاسلامية.

هل يجب ان تكون هناك قيود اضافية على الطالبة العربية؟

الاختلافات الثقافية بين المجتمعات العربية والغرب تظهر بجلاء عند التحاور بشأن اوضاع المرأة العربية المهاجرة، الأمر الذي يضع ضغوطا اضافية على عاتق الطالبات العربيات كما تقول يمن القيسي، التي تدرس العلاقات الدولية بجامعة جولدسميثس في لندن. وتضيف انها ترفض تماما ان تكون هناك قيود اضافية على الفتاة العربية، ولاتقبل على الاطلاق ان تكون هناك امور مقبولة من الشاب او متاحة له بلا انتقاد من جانب الاسرة او المجتمع فيما تكون محرمة على الفتاة، اذ يجب المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين الشباب والفتيات بلا تمييز، وترى ان هذا التمييز تعاني منه الكثير من الفتيات العربيات اللاتي تعشن في اوروبا او اميركا، ويأتي برد فعل عكسي احيانا من جانب الفتاة العربية بحيث تتمرد، في بعض الاحيان، على الهوية العربية والاسلامية التي تسبب لها هذا التمييز، وترفضها.

Image caption جانب من مداخلات الحضور

غير ان الصورة تبدو مختلفة لدى عهد الجرف، وهي طالبة دكتوراه في جامعة كوفنتري تدرس برامج الكمبيوتر لمعالجة البيانات المخفية في الصور، فهي تقبل قدرا اكبر من الالتزام والقيود بالنسبة للطالبة العربية التي جاءت للدراسة في بريطانيا، وذلك للحفاظ على سمعتها، خاصة وان المجتمعات العربية، كما تقول، تفرض قيودا اكبر على الفتاة سواء قبلنا هذا او لم نقبله، وبالتالي لا يمكن للفتاة ان تتجاهل الثقافة السائدة في مجتمعها، وعليها ان تلزم نفسها ببعض القيود التي ربما لا يلتزم بها الطالب العربي الذي جاء من نفس بلدها، وذلك لأن المجتمعات العربية ربما تتسامح مع الخطأ من جانب الشاب لكنها لا تتسامح مع الخطأ من جانب الفتاة. ومع ذلك فإنها ترفض المغالاة والتشدد، خاصة وان البعض يحاول ان ينقل نفس اسلوب الحياة في المجتمع السعودي، الذي تنتمي اليه عهد، الى المجتمع البريطاني او الامريكي، وهذا امر لا يمكن تطبيقه. ويبقى الاهم في رأيها ان يحافظ الشاب او الفتاة على هويته العربية الاسلامية ولا يتجرد منها.

الطلبة العرب بين السياسة والدراسة

طلال الميهني، الذي يدرس درجة الدكتوراه في احد فروع دراسات الاعصاب بجامعة كامبريدج، هو ايضا ناشط في تيار "بناء الدولة" المعارض للنظام السوري، ويرى انه لابد للطالب ان يهتم بقضايا وطنه، وان يتخذ المواقف السياسية التي تتوافق مع ضميره ومبادئه، ولابد ان يستفيد من مناخ الممارسة الديمقراطية في بريطانيا، وألا ينغلق على نفسه ويكتفي فقط بتحصيل المعلومات في مجال تخصصه، وذلك لأن العمل السياسي، في جوهره، هو العمل العام الذي يرتبط بكل ما له علاقة بحياة الفرد في مجتمعه. وكان هذا اختيار طلال عندما قرر ان ينخرط في نشاط سياسي يعبر عن موقفه من النظام في سوريا.

لكن العمل السياسي بين الطلبة العرب في بريطانيا يعني انقسام هؤلاء الطلبة بين مؤيد لموقف سياسي او معارض له، كما هو الحال بالنسبة للنظام السوري، او انقسام الطلبة بين الطوائف، مثل الانقسام الى شيعة وسنة، ولهذا يتخوف مؤمن سُنّقرط، الذي يدرس الماجستير في الريادة وادارة الاعمال في جامعة إمبريال كوليدج في لندن، من هذا الانقسام، ويضرب مثلا آخر بانقسام ابناء وطنه من الفلسطينيين بين مؤيد لفتح ومناصر لحماس.

ومن ثم، فان المطلوب من الطالب، من وجهة نظر مؤمن، ان يكون الطالب سفيرا لبلده، وان يعمل في انشطة ثقافية واجتماعية للتعريف بمشكلات وقضايا مواطنيه، مثل الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين او التعريف بالاسلام والحضارة الاسلامية، لا ان يصدر مشكلات بلده الى الخارج. وفي كل الاحوال يجب ان تكون اولوية الطالب للدراسة، فهذا هو الهدف الذي سافر الى بريطانيا لتحقيقه، وليس الدخول في عمل سياسي لا يحل المشكلات والخلافات القائمة في بلده.

وماذا بعد الدراسة: العودة ام البقاء في الغرب؟

مصدر الصورة BBC World Service
Image caption احمد يفضل العمل في الغرب بضع سنوات قبل العودة بهدف اكتساب الخبرة

وسط كل هذه الخلافات السياسية والثقافية سواء بين الطلبة انفسهم، او بينهم وبين المجتمع الذي يدرسون فيه، وبعد ان يتعرف الطلبة على أساليب مختلفة للدراسة والعمل في في مجتمعات اكثر تقدما، يتردد باستمرار هذا السؤال بين الطلبة: هل ستعود الى بلدك مباشرة بعد ان تنهي الدراسة، ام أنك ستبحث عن عمل في اوروبا او اميركا، وتبقى مهاجرا؟

في الواقع ان اختيار كثير من الطلبة هو البحث عن عمل في السوق البريطاني او الاميركي او الكندي بعد التخرج من الجامعات البريطانية، لأنه من المفيد لاي طالب اكتساب الخبرة في شركات ومؤسسات متطورة في الغرب، والا لن تكتمل الفائدة من الدراسة. هذا ما يفضله احمد منى، الذي يدرس الماجستير في الاسواق المالية بجامعة كنت، ويتطلع للعمل في لندن لمدة اربع او خمس سنوات قبل ان يعود الى الاراضي الفلسطينية.

غير ان سنوات الخبرة التي يتطلع اليها الكثير من الطلبة العرب قد تطول، وينتهي الأمر بالهجرة والاستقرار في الغرب، ويستمر نزيف العقول الذي تعاني منه الدول النامية، ومنها اغلب الدول العربية، وتستمر حركة نزوح افضل الخريجين الى جامعات وشركات الغرب، كما تقول نسرين أبو سلطان، التي تدرس الماجستير في العلاقات الدولية بجامعة ويستمنستر في لندن، وبدلا من ان يعود الطالب او الطالبة العربية لبلاده للمساهمة في تطويرها يختار البقاء في مجتمعات اكثر تطورا واعلى دخلا. لكن، ما ينبغي القيام به، حسب رأيها، هو التضحية بفرص عمل افضل في اوروبا او اميركا لتحقيق هدف آخر وهو المساهمة بقدر المستطاع في تحسين الاوضاع بالمجتمعات العربية، وهذا هو اختيار نسرين، التي تنوي العودة مباشرة الى فلسطين، وطنها، بمجرد ان تنهي دراستها.

وهذا بلا شك اختيار صعب بالنسبة لكثيرين، وهو الرجوع الى الوطن بعد الحصول على مؤهلات دراسية من جامعات بريطانية كبيرة تؤهلهم لفرص عمل افضل مع مؤسسات وهيئات وجامعات في الغرب. لكن هذا القرار، رغم صعوبته، ليس القرار الوحيد الذي يواجه الطالب العربي، لأنه اذا اختار البقاء في المهجر، فسيواجه خيارات ثقافية واجتماعية كثيرة، وهي خيارات صعبة، وتبدو المشكلات المرتبطة بها اكثر وضوحا مع الجيل الثاني من ابناء المهاجرين، الذي عاش اغلب حياته في مجتمع تختلف ثقافته عن ثقافة المجتمع الذي هاجر منه الآباء، وبالتالي تزداد صعوبة اختياراته الثقافية والاجتماعية.

سنناقش هذا الموضوع في اطار سلسلة "حوار الجامعات" التي يقدمها برنامج نقطة حوار، وتم في اطارها تسجيل حلقتين مع مجموعة من الطلبة العرب في بريطانيا في احدى قاعات جامعة ويستمنستر في لندن.

وتبث الحلقتان يومي الجمعة 28 يونيو/حزيران، و5 يوليو/تموز في الساعة 16:06 جرينتش.