"نحاول الاندماج مع الاحتفاظ بالهوية العربية"

كانت قاعة "فايفي هول" في جامعة "ويستمنستر" في لندن محفلاً للمناظرات الطلابية التي جرت ضمن سلسلة نقطة حوار الجامعات والتي انطلقت في عمّان في مارس/آذار الماضي. شارك في هذه المناظرات عدد من طلاب الجامعات العرب الذين يدرسون في عدة جامعات بريطانية تناولوا فيها مواضيع مختلفة تمس حياتهم سواء كانوا مهاجرين أو مبتعثين أو ممن وُلد وترعرع في المهجر. تحدث برنامج نقطة حوار لعدد منهم وسجل آراءهم حول ما يشغل بالهم كطلاب عرب في بريطانيا والتحديات التي يواجهونها هنا.

اضغط هنا لمشاهدة نقطة حوار الجامعات. (موقع خارجي)

يمن القيسي - علاقات دولية - جولدسميثس كوليدج

Image caption "حلم العودة يتطلب التغلب على العديد من المعوقات"

من التحديات التي واجهتها هي الموازنة بين هويتي العربية والأوروبية. طريقة تغلبي على هذه العقبة هو أخذ ما يقنعني من عادات وتقاليد من الثقافتين. بعض الأحيان يكون الاختيار بين ما أؤيد وما أرفض أصعب وحينها ألجأ إلى أهلي وأصدقائي لطلب المشورة.

بالنسبة لمسألة العودة إلى البلد الأم بعد التخرج فإن وضعي يختلف قليلاً عن الآخرين لكوني ذات أب عراقي وأم فلسطينية لبنانية. أشعر بأني أحمل كل هويات العالم العربي ولكن أساسي ومرساتي هنا في لندن. لدي رغبة قوية في العودة والاستقرار في العالم العربي مدركة بأن حلماً كهذا سيتطلب التغلب على العديد من المعوقات.

سدير وعدي ناصر - علوم حاسوب - كينغز كوليدج

سدير: كان الاندماج أسهل إلى حد ما بالنسبة لأننا قدمنا إلى هنا ونحن صغار. مع ذلك فالصعوبات كانت كثيرة وعلى رأسها اللغة. بمجرد إتقان اللغة يستطيع المرء أن يتحاور مع الآخرين خصوصاً في مجتمع متعدد الثقافات والجاليات كبريطانيا. الشيء الأهم الذي يتطلبه الاندماج الفعلي هنا هو أن يلتزم الجميع بالعقلانية لتجنب إثارة المشاكل مع الآخرين.

Image caption "الاندماج لا يعني الانسلاخ عن الهوية."

من أكبر التحديات هو الموازنة بين الهويتين التين يجب على الجاليات المهاجرة أن تحملهما: هوية البيت والأسرة، وهوية العمل والدراسة والمجتمع ككل. الجهد الذي نبذله في هذا الصدد مضاعف مقارنة بأقراننا من أبناء البلد.

بصفة عامة، أرى بان بلداننا تتميز ببعض الصفات التي تفتقر لها دول الغرب. العلاقات الأسرية على سبيل المثال أفضل لدينا. بعد تقدمها في العمر تنتقل الأم للعيش مع أحد أبنائها أو بناتها، أما هنا فكبار السن فليس لديهم من يعيلهم ويقضي حوائجهم.

عدي: لا أعتقد بأن الاندماج يعني الانسلاخ عن الهوية ونسيانها. أنا أعيش مع عائلتي وكلنا نتحدث العربية في المنزل. قد يكون التمسك باللغة والثقافة العربية أصعب إذا كان المرء وحده حيث يقضي معظم يومه وهو يتحدث باللغة الانجليزية.

أعتقد أن الجاليات المتواجدة في بريطانيا كالهنود والأفارقة والعرب يتمتعون بهويتين: هوية للبيت وأخرى للمدرسة أو العمل أو ما شابه، وهذا شيء بالغ الصعوبة.

أعتقد بأن الدول العربية تستطيع الاستفادة مما سيجبله لها رعاياها العائدون من الغرب. المساواة بين الأديان، المساواة بين المرأة والرجل، الاصطفاف بدل التزاحم والالتزام بالمواعيد.

تارا فيشباك - علم اجتماع سياسي - كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية

Image caption "أكثر ما أثار استغرابي هنا هو طريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض."

كانت الفرصة متاحة أمامي للذهاب إلى أمريكا أو بريطانيا ولكني كنت متوجسة من عدم استطاعتي على التأقلم في أجواء لم أعتد عليها. على الرغم من ذلك فإن مجيئي لبريطانيا أثبت لي بأنه من الممكن التأقلم مع الثقافة الغربية من دون التخلي عن مبادئ وقناعات معينة. أكثر ما أثار استغرابي هنا هو طريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض.

عند رجوعي إلى بلدي سآخذ معي بعض المفاهيم والعادات التي اكتسبتها من الثقافة الغربية. النظام الأخلاقي والمهني الذي تدار في إطاره شؤون البلد شيء جيد قد يستفيد منه العالم العربي. كما سآخذ مفهوم المساواة الذي يتحلى به المجتمع هنا والذي ينظر إلى جميع الأجناس والثقافات بإنصاف. طبعاً هذا الكلام لا ينطبق على الجميع ولكنه الوضع العام.

زينب آغا - تاريخ وسياسية - جامعة واريك

Image caption "عندما أتخرج سأبقى هنا لتكوين حياتي وتطوير نفسي."

ولدت في لندن لأبوين فلسطيني وعراقية. أشعر بأني فتاة بريطانية وعربية في نفس الوقت. لم أشعر بأنه عليّ العودة إلى بلدي خاصة وأن فلسطين والعراق لا يخلوان من المشاكل هذه الأيام. عندما أتخرّج سأبقى هنا لتكوين حياتي وتطوير نفسي.

أرى بأن الاندماج ضروري جداً لكي نقترب بين بعضنا البعض ونصل إلى تفاهم بين ثقافاتنا وأصولنا المختلفة.

لا أظن بأني سأعود لأقيم في العراق أو الأراضي الفلسطينية إلا بعد أن أقوّي مستوى لغتي العربية وأرتدي الحجاب. بالإضافة إلى ذلك فأنا أطمح لأن أعمل في المجال الذي أدرسه الآن، ولا أريد الذهاب إلى بلد يفتقر للبنى التحتية اللازمة.

رندا علي - علم الجينات - جامعة ويستمنستر

واجهت صعوبات كثيرة عند مجيئي إلى بريطانيا. في بادئ الأمر أقمت في مدينة أغلب سكانها من الإنجليز الذين لم يحتكوا بثقافات أخرى حتى أن بعضهم كان مندهشاً من زيي الإسلامي وكانوا يسألوني ما إذا كنت أنام وآكل وأنا أرتدي الحجاب. لم أشعر بالاستفزاز حينها لأن أسئلتهم كانت تنم عن فضول وأسعدني أنهم أبدوا استجابة لموقفي وديني.

ميادة المهدي - علم نفس - جامعة ويستمنستر

Image caption "أمي غرست فيّ حس الانتماء للعراق."

اشعر ان الجيل الثاني من المهاجرين العرب في اوروبا يمكن ان يخسر الهوية العربية. مثلا هناك ميل الى ان يكون الحوار بالانجليزية والتصرفات اقرب لدولة المهجر. رأيي اننا يجب ان نحافظ على قيمنا العربية، ونأخذ افضل ما في الثقافتين، العربية والانجليزية، على ان تظل الثقافة العربية هي الاساس.

أكبر صعوبة بالنسبة لي هو التوفيق بين ما أريده من العيش هنا كفرص الدراسة والتوظيف وما إلى ذلك، وبين ما يفرضه عليّ واقعي وبيئتي الأصلية من توقعات وحسابات. الارتباط بالاسرة عامل هام في الحفاظ على الهوية، مثلا أمي هي من ساعدتني على ذلك إذ أنها غرست فيّ حس الانتماء للعراق وحثّتني باستمرار على مواصلة دراستي والمثابرة لتحقيق المزيد.

من المؤكد أنني أريد العودة إلى العراق عندما تصبح الأوضاع هناك أقل خطورة. في الغرب نشعر بأننا أغراب وإذا رجعنا إلى بلادنا وصفونا بـ "الأغراب" أيضاً. على الرغم من ذلك فأنا عازمة على تطوير نفسي وقدراتي لكي أعود إلى العراق وأعمل على إيصاله إلى المرتبة الرفيعة التي كان يحتلها في السابق.

دانا جديد - هندسة معمارية - جامعة كانتربري

Image caption "الوطن ليس فندقاً نتركه عندما يروق لنا."

الهوية مرتبطة بالفرد وليس بالبلد الذي يعيش فيه. المهم هو القيم الاخلاقية بغض النظر عن مكان الاقامة، وبالنسبة لي ما يميز الهوية العربية او السورية هو الاخلاق. ومن هنا تبدو التربية بالغة الاهمية لأنها تحافظ على اخلاق الفرد وثقته بنفسه.

كما ذكرت زميلاتي فإن أول تحدٍ هو التوفيق بين هويتنا العربية وثقافة البلد الذي جئنا إليه. يلى ذلك تحدي التمييز والصورة النمطية لدى البريطانيين عن العرب والمسلمين. جدير بالذكر هو أنه كانت لدي صورة نمطية بعض الشيء عن المجتمع البريطاني إذ توقعت أن تكون الجاليات الوافدة فيه على مستوى أعلى من الاندماج مع شرائح المجتمع الأخرى.

لا بد أن أرجع إلى بلدي. لدي مشروع كامل لما سأقوم بفعله عندما أعود. أريد أن تكون لدي شقة جميلة واستوديو لعملي الهندسي. تخرجت للتو وسأحاول جاهدة أن أبحث عن فرص للعمل في مجال التدريس لكي أقدم شيئاً لبلدي مهما كانت الظروف. الوطن ليس فندقاً نتركه عندما يروق لنا. علينا التشبث بوطننا في السراء والضراء. ونظراً لصراع الهويات الذي نتحدث عنه، فأنا في نهاية المطاف فتاة سورية.