وجها لوجه: ما حل الأزمة في تونس؟

تواجه تونس أسوأ ازمة سياسية منذ الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بحكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي عام 2011 وأطلقت شرارة انتفاضات ما بات يعرف بـ"الربيع العربي".

وتنظم المعارضة التونسية، التي أغضبها اغتيال اثنين من زعمائها واكتسبت جرأة بعد اطاحة الجيش في مصر بالرئيس الاسلامي، احتجاجات بشكل منتظم في محاولة للإطاحة بالحكومة التونسية التي تقودها حركة النهضة الاسلامية.

من جانبها، تجري حركة النهضة مباحثات مع الاتحاد العام للشغل، أكبر النقابات العمالية في تونس سعيا لحل الأزمة المتفاقمة في البلاد.

وترفض فصائل من المعارضة العلمانية أي حوار مع النهضة لا يستجيب لشرط حل الحكومة وتكوين حكومة جديدة تترأسها شخصية مستقلة إضافة الى حل المجلس التأسيسي المكلف بصياغة دستور جديد للبلاد وهو ما ترفضه النهضة بشكل قاطع.

تحدث عبد الرحيم سعيد من بي بي سي العربية مع ناشطين بارزين في تونس لكل منهما رؤية مختلفة للأزمة القائمة في تونس واستعرض معهما سبل الخروج من هذه الأزمة.

يسرى الغنوشي – الناطقة باسم حركة النهضة في الخارج

Image caption "لا يجب أن تنسينا المصاعب والتحديات التي نواجهها كل التقدم والمكاسب التي حققناها"

الإغتيال الآثم لعضو المجلس التأسيسي الشهيد محمد البراهمي، ومن قبله شكري بلعيد، كان بالفعل ضربة مؤلمة للتقدم والتوافق الذي حققه التونسيون منذ ثورتهم عام 2011 التي ألهمت العالم وأطلقت شرارة الربيع العربي.

وقد أدانت حركة النهضة الاغتيالين بشكل واضح وصريح ودعت السلطات إلى بذل قصارى جهدها لتحديد واعتقال ومحاسبة جميع المسؤولين عن تخطيط وارتكاب هذه الجرائم.

ودائما ما اتسمت خطابات قيادي النهضة بإدانة التطرف والعنف مما جعل الحركة في الواقع هدفا رئيسيا للمتطرفين الذين لا يستسيغون خطاباتنا المعتدلة.

حل المجلس التأسيسي أو الدعوة الى استقالة الحكومة ليس هو المخرج للأزمة الراهنة في تونس. فهذه المطالب تفتقر الى المنطق كما تفتقر الى دعم شعبي واسع لأسباب عديدة.

لا يقتنع كثير من التونسيين بمنطق الدعوة الى حل ذات المؤسسة المسؤولة عن تحولهم الديمقراطي وألا وهي المجلس الوطني التأسيسي، والذي كان على رأس مطالب المئات من الآلآف الذين تظاهروا في ساحة القصبة وسط العاصمة في فبراير 2011.

ثانيا، لا يقتنع الكثيرون أن اهدار المكاسب الحاصلة خلال السنتين الماضيتين سيؤدي بصورة سحرية الى مسار انتقالي أنجح وأنجع من المسار الحالي.

والسبب الثالث هو أن قليلا منهم يرى أن ما يجري في مصر من انقلاب على المسار السياسي، والذي خلف فوضى ومجازر، نموذجا مغريا لتونس.

الحل الوحيد هو التمسك بالمسار الانتقالي والمؤسسات المنتخبة مع المزيد من الانفتاح والحوار والتعاون المشترك لتسريع ما تبقى من المرحلة الانتقالية عبر المصادقة على الدستور وتنظيم الانتخابات لاستكمال المرحلة المؤقتة وبناء دولة ديمقراطية تكون نموذجا ملهما كما كانت الثورة التونسية المجيدة.

وتدرك الأحزاب المتحالفة في الحكومة التونسية، التي تضم حركة النهضة والحزبين العلمانيين حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل ونسبة كبيرة من الوزراء المستقلين، ضرورة التسريع في تنسيق استكمال أعمال المرحلة المؤقتة.

وقد نجحت الحكومة بفضل الحوارات الواسعة في الأشهر الأخيرة في التوصل الى وفاقات مهمة حول كل النقاط الأساسية حول الدستور والقانون الانتخابي ورزنامة الأشهر المتبقية من هذه المرحلة.

بالاضافة إلى هذه التوافقات، فإن تطورات ملموسة حققت في الفترة الأخيرة كالإنتهاء من صياغة المسودة الرابعة من الدستور وتكوين الهيئات الأساسية كهيئة الاعلام والقضاء وانتخاب ثمانية أعضاء من أصل تسعة ليشكلوا الهيئة العليا المستقلة للانتخابات التي ستعد للانتخابات القادمة.

امتداد المرحلة المؤقتة يعود إلى حرص الحكومة التونسية على الوصول الى التوافق المنشود بين الأحزاب الرئيسية. والتوافق القائم على الحوار والتحالف والتعاون المشترك والتنازلات ضروري لنجاح هذه المرحلة حتى وان أطال المدة الزمنية.

أخيرا، لا يجب أن تنسينا المصاعب والتحديات التي نواجهها كل التقدم والمكاسب التي حققناها الى الآن خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الميراث الثقيل لعقود الظلم والقمع، وضعف الاستقرار في البلاد وفي المنطقة بعد الثورة، بالإضافة الى الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها أوروبا - الشريك الاقتصادي الرئيسي لتونس.

مهدي سعيد – الناطق باسم حركة "تمرد تونس" المعارضة

Image caption "حكومة النهضة فشلت فشلا ذريعا في تحقيق الأمن والآمان لمواطنيها"

المخرج من الأزمة الحالية في تونس يتمثل في خمس نقاط تطالب بها حركة "تمرد تونس" والتي تأسست بعد اغتيال الشهيد المعارض محمد البراهمي يوم 25 يوليو/تموز الماضي .

أولا، نحن نطالب بحل المجلس التأسيسي وجميع السلطات المنبثقة عنه بما فيها الحكومة وإقالة رئيس وزرائها علي العريض.

كما نطالب ثانيا بإقالة الرئيس المؤقت الدكتور منصف مرزوقي الذي تحول من حقوقي مرموق الى موال أعمى للتيار الاسلامي.

ثالثا، نقترح تشكيل حكومة انقاذ وطنية بديلة بمشاركة جميع أحزاب المعارضة وتجمعات المجتمع المدني والنقابات ولا سيما بمشاركة الاتحاد العام للشغل.

ونستبعد حكومة الانقاذ التي تسعى اليها حركة النهضة لأننا نؤمن بأن أي حكومة انقاذ تشكلها أو تشارك فيها النهضة لن تختلف عن تلك التي تشكلت بعد اغتيال الشهيد المعارض شكري بلعيد، عضو المجلس التأسيسي، في فبراير/ شباط الماضي.

كما ندعو، رابعا، الى حل كل ما بات يعرف بـ "لجان حماية الثورة" التي تكونت أيام ثورة 2011 بشكل عفوي وسلمي، لكنها تحولت الآن الى مليشيات موالية للنهضة تعتدي على الصحفيين والفنانين والشخصيات العامة والاعتصامات المناوئة لها.

وأخيرا، مطلبنا الخامس هو الكشف عمن كان وراء الاغتيالات الأخيرة. فلن يهدأ بال للتونسيين إلا عندما يتعرفوا على العقل المدبر والمتورطين في اغتيال الشهيدين بلعيد والبراهمي.

حكومة النهضة فشلت فشلا ذريعا في تحقيق الأمن والآمان لمواطنيها وأدرك التونسيون أن هذه الحركة لا تهتم بمصلحة بلدهم وإنما تخدم مصالحها الشخصية فقط.

كما أحمل الحركة مسؤولية المناخ الأمني السيء الذي يعيشه التونسيون اليوم، فخطاب قياديي الحركة بما فيهم راشد الغنوشي يتسم بالازدواجية والتأويل فاتحا الباب أمام أنصاره الاسلاميين الى انتهاج العنف كوسيلة للتعامل مع معارضيهم العلمانيين.

وتلتقط حكومة النهضة هذه الأيام أنفاسها الأخيرة بعد فشلها في تحقيق وعودها الانتخابية بدءاً من الوصول لمسودة نهائية لمشروع الدستور ومروراً بتحسين الوضع الاقتصادي.

وطالما تحججت الحكومة بشماعة محاولة الوصول الى توافق مع باقي الأحزاب كسبب في استمرار المرحلة الانتقالية.

إلا أن الحقيقية هي أن النهضة تتشدق بالديمقراطية لكن لا يوجد لديها ارادة سياسية حقيقية في تعدي هذه الفترة الانتقالية. فكان مثلا بإمكان حكومتها تأسيس هيئات عليا موازية للانتخابات والاعلام والقضاء في الستة الأشهر الأولى كما كان بإمكانهم الابقاء على الدستور الحالي مع بعض التغييرات التي قد تسنها لجنة خبراء.

نحن متفائلون أن اعتصاماتنا السلمية المستمرة، بمشاركة شرائح عريضة من المجتمع المدني، ستنجح في تحقيق أهدافنا المذكورة. ونحن سعداء بما حققته حركة "تمرد" في مصر بشكل عام مع بعض التحفظات على الوضع الحالي.