يوميات من دمشق: كيف يعيش السوريون في ظل اجواء ضربة محتملة؟

سوق مصدر الصورة HEDIYE LEVENT
Image caption أجزاء من دمشق تبدو الحياة فيها طبيعية، بينما يدور قتال شرس بين الجيش النظامي ومقاتلي المعارضة في أطراف دمشق وريفها

ما زال السوريون يعيشون أجواءً مشحونة هذه الأيام في ظل ضربة عسكرية محتملة قد توجهها الولايات المتحدة وفرنسا لبلادهم.

وتتهم الولايات المتحدة السلطات السورية بالضلوع في هجوم بالأسلحة الكيماوية في ريف دمشق في 21 أغسطس/آب.

لمعرفة المزيد عن حياة المواطنين العاديين في سورية في ظل هذه الأجواء ترصد لكم بي بي سي يوميات سيدتين سوريتتن تقيمان في العاصمة دمشق.

ياسمين من دمشق

الاثنين 7 أكتوبر

تطالعني لافتات على حواجز النظام "الأسد أو نحرق البلد"، وقد أحرقوها وصدقوا والمفروض أن يرحل، تلحقها عبارات من خرج ابتغاء حورية فليأت إلينا، مشوهين مفهوم الشهادة العظيم بأن المجاهدين إنما يبتغون حوريات الجنة، دعاية قذرة أطلقوها وصدقها أتباعهم وأخذت نصيبها لدى الرأي العام العالمي.

الآن بالإضافة إلى الذل الذي يرافق المعتقلين، يضاف إليها تشويه صورتهم، إما تحت التعذيب الممنهج أو الابتزاز بتهديدهم بإيذاء عائلاتهم، حيث يتم بالإجبار خروجهم على الشاشات الرسمية والإدلاء بتصاريح كاذبة، روان القداح كمثال أظهرها النظام بأنها أميرة لما يسمى بجهاد النكاح، تلك الفكرة التي يسعون لترويجها وهي غير موجودة أصلا بالدين.

فتاة بعمر الورود اقرب للطفلة ذات الـ 16 عام، كانت قد اعتقلت من أكثر من عام ونصف على أحد الحواجز لتظهر على الشاشة الرسمية –بعد التعذيب- عن طريق خلق سيناريو أن أهلها اجبروها على ممارسة ما يسمى جهاد النكاح، تلك الفكرة التي أخذت نصيبها من الإعلام المحلي والعربي والعالمي، وتم تكذيبها بأكثر من موقع ولكنهم يحاولون ترسيخها بشتى الوسائل.

هذا من اللافتات التي قرأتها، وبعضاً مما تابعته على شاشات التلفاز والإعلام المقروء الأسبوع المنصرم، بقية التفاصيل اليومية عادية باستثناء اليومين الذين تبعا قدوم لجنة تفكيك الأسلحة الكيميائية، يومها قرر النظام سد معظم الطرق في المدينة ليعلق معظم الناس في ازدحام خانق، ليجلسوا ثلاث ساعات على الحواجز، فقط لأنهم قرروا هذا، ولأنهم قرروا أن تكون الطرقات مفتوحة أمام اللجنة.

البارحة تم رفع ثمن البنزين بعد أن كان 55 ليرة في آذار الماضي وتم رفعه حتى يصل 65، ثم تم رفعه في أيار مرة أخرى إلى 80 ليصل البارحة إلى 100 ليرة سورية للتر الواحد، أي الضعف خلال نصف عام، هذا الارتفاع سيجر وراءه ارتفاع في كل السلع الأخرى، ولا أدري لأي فترة سيستطيع الشعب تحمل هذا.

أن تكون سوريّا، يعني أن تتحمل الذل، الغلاء، المخاطرة في حياتك وبحريتك، ولكنهم مهما حاولوا لن يسلبوا العزيمة وإحساسنا بأننا أحرار ونستحق الأفضل، بأن نعيش بكرامة.

السبت 28 سبتمبر/ايلول

مر أسبوع واحتمال الضربة الأميركية تقريبا انعدم، مع استمرار وتصاعد العنف في سوريا وانتشار المتشددين، لا يهم أميركا أو المجتمع الدولي إن حُرقت سوريا أو قُتل الشعب، المهم ألا يستخدم النظام في قتله الأسلحة الكيميائية ، لا بأس بالطيران الحربي، السكود، الهاون، الرصاص، القنابل أو حتى الأسلحة البيضاء إلا الكيماوي فهو خط أحمر.

الناس على ارض الواقع يحترقون بنار الأسعار، اتصلت إحدى معارفي لتستشيرني ما الذي عليها فعله بكل ما تملك، هل تشتري منزلاً أم تبقى على أموالها التي حولتها إلى دولار، المنزل ترغب في استثماره لان الإيجار أصبح المورد الوحيد للعاطلين عن العمل.

مع أن وضع سوريا أسوأ من قبل عدة اشهر أو سنة إلا أن المواد كالخبز والحليب والغاز قد توفرت، وكما كنا نقول ولا احد يصدقنا أن الدولة هي من تسببت بكل تلك الأزمات لذل المواطن وإرغامه على الاستسلام، وعندما قررت تأمين كل شيء لتوهمنا باستعادتها زمام الأمور، توفر كل شيء.

بينما وجدت أحياء تعاني حصارا خانقا من النظام وعدم السماح لقاطنيه بإدخال المواد الغذائية إليه بأي شكل والنتيجة ستة اطفال ماتوا من الجوع، والحالات في تزايد. لم يقتصر الأمر على المواد الغذائية بل حتى مواد الإسعاف الأولية تكاد تنعدم.

لقد استعاض النظام عن المعتقلات بأن اعتقل الناس وهم في منازلهم نتيجة الحصار والغلاء، وبدل من الموت قتلا أصبح من الممكن الموت جوعا.

حدث ويحدث في دمشق.

السبت 21 سبتمبر/ايلول

بدأ الدوام المدرسي، ذاك الحق الذي حرم منه معظم الأطفال بين لاجئ ونازح، فآلاف المدارس دمرت تدميرا جزئيا أو كليا نتيجة القصف بالهاون أو السكود، الكثير منها استخدم كثكنات، والبقية جمعت أعدادا تصل إلى70 تلميذا في الصف الواحد، المناهج بدأت تأخذ طابعا طائفيا فغلاف منهاج التربية الإسلامية للصف الرابع الابتدائي صورة لمقام السيدة زينب. يصرون على زرع التمييز مع أن غالبية السوريين من السنة لكن هذا لم يمنعهم من وضع رمز شيعي على الغلاف.

سيدة نازحة خافت على طفلها فلم ترسله أول يومين الى المدرسة، ليذهب في يومه الثالث ويعود جثة نتيجة استهداف القناص.

القناصة نوعان، نوع مع النظام، من أول ايام الثورة استهدف المدنيين، و بشهادة بشار الأسد في خطابه الذي قال "الثورة كانت سلمية أول ستة اشهر"، ومع هذا وُجدت القناصة التي تقتلنا، مع وجود أمر للجيش بعدم استخدام السلاح، ليشعلها فتنة بين مؤيديه وبين المتظاهرين أنفسهم، لأنه لم يسمح للجيش بحمل السلاح، في المقابل أمر بعض المرتزقة بالتواجد على الأسطح واستهداف التظاهرات، ولتعم الفوضى ليستخدم أسلحته الثقيلة لاحقا، فلا يعقل ضرب السكود من أول يوم.

و-أما-النوع الثاني المعارض، الذي يستهدف عناصر الجيش واللجان الذين يقتلوننا، وقد أتوا بعد عام من الثورة كرد فعل لحمياتنا.

هنا لا تستطيع الهرب من مصيرك، فلا توجد منطقة آمنة مهما بدت كذلك، والحصيلة طفل جديد يموت، مرعليّ يوم حزين على ذلك الطفل وتلك العائلة.

الاربعاء 18 سبتمبر/ايلول

نبدأ رحلتنا اليومية مع المواصلات، والتي هي عذاب يومي، إما بسبب غلاء الأجرة أو بسبب الازدحام. وأنا في الانتظار توقفت سيدة بسيارتها مع زوجها وابنهما الصغير في الخلف، ابتسمت وقالت: تفضلي بالصعود، ترددت، ففي هذه الأحداث لا تستطيع الثقة بأي شخص، وتابعت: لا تخافي، وهي سيدة محجبة وشعرت بلحظة أنها تبرر تهمة تلحق بها، لم استطع الرفض لسببين: الازدحام، وقد جاءتني كملاك، وخجلا من أن ارفض.

بعد التعارف، الذي اركض فيه لأعلن انتمائي الطائفي حتى لا تشعر أنني اسحب منها كلاما، ويلحق بها موقفي السياسي، بَدَأت بسرد حكايتها من فقد شقيقها إلى معاناتها اليومية بسبب التمييز الطائفي. أول حاجز توقفنا عليه بادرت الجندي: "صباحو يا حلو"، مع ابتسامة، اندهشت، ولكنها فورا بررت طريقة سلامها. اليوم السابق قالت: "السلام عليكم"، ليقول لها من يقف: "السلام عليكم لكن... افتحي "طبون" السيارة (باب السيارة الخلفي)، وبدأ بتفتيشها.

أن تكون سيدة محجبة فهي تهمة، وأن تكون متدينة تهمة اكبر. "صباحو يا حلو" بطاقة مرور لتبرر حجابها. وأخبرتني بالقناص الذي استهدفها ثلاث مرات، وقد أرتني مكان الطلقات في السيارة ولمعت عيناها بالدموع وهي تقول: ما الذي فعلته ليستهدفوني، لدي عائلة.

الطائفية سلاح بدأ يستشري في سورية ويستخدمه النظام كسلاح في تجنيد طائفته ومواليه، وذلك بادعاء أن الآخرين، أي السنة، إن استلموا الحكم سيذبحونكم ويهجرونكم، وكأننا لم نتعايش معا منذ مئات السنين، ولكن إن لم يقل النظام هذا لن يجد أحدا يقف في صفه.

عندما ذهبت صباحا لعملي طالعتني الاخبار والمواقف الجديدة، وكأن النظام تنفس الصعداء وعاد لتصعيد هجومه بعد ان هدأ نسبيا، وبدأ بتقديم التنازلات التي اعتبرها مؤيدوه -أنفسهم اصحاب مرض متلازمة استوكهولم (نسبة لمجموعة رهائن في السويد تعاطفوا مع خاطفيهم)- اعتبروها انتصارا وخرجوا مسيرات ضد اوباما وتاييدا للاسد.

فقط في قاموسهم الهزيمة والتنازل انتصار، هدم المنازل وسياسة الارض المحروقة تحرير.

اجد ان الضربة الاميركية قائمة ولكن فقط عندما يجدون ان الجيش الحر متقدم، وان الاسد لن يستطع تحقيق اي انتصار، لتظهر وكأنها المخلص. الافكار في الشارع بين متشائم ومتشائم جدا نتيجة التحالف الروسي الاميركي، عداد الموت مستمر والوقت الاضافي ليس من مصلحة الشعب.

امضينا ليلة مظلمة البارحة. عدت من عملي ظهرا لاجد ان التيار الكهربائي مقطوع. ظننا انها تقنين كالعادة ولكن مع استمرارها للمساء اتصلت بالطوارئ ولاول مرة يجيبوني بصدق انه عطل وأنها لن تعود اليوم.

عندما تفقد الامل من امر ما تحاول التأقلم مع الوضع الراهن وهو ما حدث. احضرت رواية مستغانمي الاخيرة وبدأت بقرائتها مع صعوبة الامر على ضوء الشموع.

وما بين صفحة واخرى افكر بوضعنا، بحياتي وحياة الكثيرين التي تغيرت، الانسان في سوريا مواطن درجة عاشرة يتحكمون بكل تفاصيل حياته، موعد انقطاع التيار الكهربائي، الحواجز التي تنتشر، وعلينا الشعور بالامتنان وشكرهم ايضا مع ان وجودهم كقلته. لم يحمونا يوما من انفجار محتمل. وجودهم فقط للقمع، اما الحياة فثمنها رصاصة مقصودة او طائشة.

قررت الذهاب إلى الحميدية لشراء بعض الحاجيات، وعندما تقرر التجول في دمشق تجد الحواجز في كل مكان، انتشار كثيف للأمن، وتجد باص للنقل العام مثقب بالرصاص ويمشي ايضا امر طبيعي.

الاسواق في ظلام نتيجة انقطاع التياري الكهربائي، والاسعار ثلاثة او خمسة اضعاف، والمحال تقريبا خاوية، وفي الطريق تطالعك البسطات التي حُربت قبل الثورة حتى تكاد ان تنعدم ولتعود بشدة الآن، لأكثر من سبب، منها أن معظمهم امن متخفيين أو أشخاص عاديين ولكن سُمح لم بفرش بسطاتهم حتى تظهر دمشق وكان بها ناس وازدحام وكأننا لا نعيش حربا.

الملفت للانتباه ان تحت جسر الثورة توزعت بسطات لبضائع مستخدمة، مكيفات، كراسي وأشياء كيفما اتفق تدل على بيوت قد نُهبت ويتم بيع أغراضهم بأبخس الاثمان.

في طريق العودة قررت تناول البوظة العربي واكتشفت أنهم أوقفوا تصنيعها بسبب الانقطاع الدائم للتيار الكهربائي لغلاء المواد واستبدلوها ببوظة عادية وحتى الفستق الحلبي الذي يزينها اختفى.

الحدث الابرز حاليا هو الضربة الامريكية التي تحتاج مني شرحا اكبر وايضا سأعود للحديث مفصلا عن الموضوع. رأيي حاليا أنني أؤيد الضربة وبشدة، ليس حبا في امريكا او انها المخلص، لو اهتمت اميركا حقيقة لامر السوريين لتحركت هي والمجتمع الدولي جديا، وهو ما لم نجده، ولكني اجد تلك الضربة صفعة قوية للنظام وترسانة اسلحته التي تقتلنا يوميا بدم بارد.

الفاتورة دوما الدم السوري.. السوريون يكتبون تاريخهم بالدم على مرأى ومسمع الجميع، والكل مشاهد لا اكثر.

الثورة دخلت كل بيت سوري وغيرته ابتداء من نفوسنا مرورا بافكارنا حتى غزت كل التفاصيل الصغيرة الاخرى.

عانيت ما عانيته مع اهلي بسبب موقفي الواضح مع الثورة، في البداية لم اعلنه ولكن مع مرور وقت طويل اصبحوا مدركين توجهاتي وحديثي هنا عن عائلتي الصغيرة. للان لا اجرؤ على الخروج للعلن وقول موقفي صراحة امامهم اي عائلتي الكبيرة. العهر ككلمة اولى سترافقني، يليها قلة الاصل. بالنسبة للبعض الدولة مزرعة، وقد من الحكام علينا بفتات بركاتهم، وانا العلوية يجب علي تقبيل اياديهم على تلك النعم. يليها التخوين في احسن حالاتي عندما يحدثني من يحبني يقول ببساطة ان عقلي مغسول كتبرير لوقوفي مع الثورة او مغفلة .

لي عودة، بل عودات.

اسمي ياسمين، فتاة ثلاثينية، مقيمة في دمشق ولا أدري إن كنت أنا من أسكنها أو هي التي تسكنني أينما توجهت.

أعمل بالقطاع الخاص الذي تأثر جدا منذ بداية الثورة للآن وبشكل متفاوت عند الجميع. وأنا من عائلة متوسطة الدخل، انا الأخت الكبرى بين إخوتي وغير متزوجة، أنتمي للطائفة العلوية ولكني لا اتفق مع توجهات السلطة.

أحب الحياة ومتمسكة بالأمل لأنه الشيء الوحيد الذي يجعلنا متماسكين إلى الآن.

لدي هوايات تقريبا توقفت مع بداية الأزمة منها النحت، والسباحة. حتى المطالعة التي لا تحتاج إلا لكتاب أصبحت هي الأخرى ترفا، فالجو العام يؤثر على كل تفاصيل حياتنا.

ولو فكرنا بأن نتجاهل الوضع الراهن، تأتي ضربة مدفع او انقطاع للتيار الكهربائي ليذكرك انك انت هنا داخل دمشق تتنفس الرصاص والموت كوجبة يومية.

عائلتي قررت السفر للقرية والاستقرار فيها، لم استطع شخصيا ترك عملي وروحي المعلقة في دمشق، لدي أقرباء في الخارج وأحمل جنسية أخرى ومع ذلك أرفض بأي شكل ترك دمشق. أشعر وكأنني أخون من أحب، لم أستطع المشاركة بالثورة كما يجب ولكن تمسكي بالحياة هنا على صعوبتها يشعرني أنني لا زلت أنتمي لها لشوارعها هوائها إنها ببساطة وطني. تلك الكلمة التي عجزت للآن أن أجد وصفا دقيقا لها.

سأعود لاحقا لسرد قصتي مع حبيبتي دمشق. كيف مزقت شوارعها، دمرت منازلها، شرد أهلها واعتقلوا حتى الحلم فيها.

صفاء (أم جعفر) من دمشق

اليوم بدأ العام الدراسي. رافقت أطفالي إلى المدرسة ليس خوفا عليهم بل كنوع من التشجيع. كان الأطفال على طريق المدارس كنهر من الفرح.. أولاً الروضة وثم المدرسة الابتدائية والإعدادية.

الباحات مكتظة بالتلاميذ، فقد استقبلت المدارس الطلاب الوافدين المهجرين من مناطق الأحداث الساخنة وغير الآمنة بسبب الأعمال الإرهابية بالإضافة إلى تلاميذ المنطقة الأساسيين.

دمر المسلحون بعض المدارس وتمركزوا في البعض الآخر وحولوها لمراكز تدريب لمن يسمون بـ "الجهاديين".. ويتباكون اليوم على حرمان الطلاب من التعليم.

عاد طفلي المدرسة صامتاً وبعد عدة محاولات لأعرف ما به قال لي "ان استشهد أبي هل سنرحل من هنا؟"

قلت له "لماذا هذا السؤال؟"

فأجاب "لأن الرجل عندما يستشهد ترحل عائلته إلى قريتهم."

وتابع بحزن "لقد ذهب خمسة من اصدقائي من الصف. أربعة منهم استشهد آباؤهم والخامس اختطف والده ولم يعرفوا شيئاً عنه فأخذه عمه للعيش في القرية."

قال لي ولدي ببساطة "هل الحرية بتدمير المدارس وقتل الآباء؟"

فقلت له "هذه ليست حرية. هذا إرهاب و إجرام. وستعود الحياة كما كانت بصبرنا وصمودنا."

"آمين."

قلت له "أنظر الى تلك الياسمينة.. هل توقف عطرها رغم تساقط زهورها؟"

"لا."

هكذا سورية وهكذا هم شهداؤها. يسقطون كالياسمين ليزهر ياسمين غيرهم ليبقى عبق الياسمينة الأم يعطر الفضاء.

اليوم الجمعة .. العطلة الأسبوعية .. يوم الراحة السوري ويوم السيران (الفسحة).. أيام لا نعرف متى تعود.

باسم الحرية الزائفة سرقت منا حريتنا، وأصبح يوم الجمعة يوما للإرهاب والدموية والقتل. أصبح الناس نزلاء البيوت تحاصرهم الجدران، وتنتقل عيونهم بين موجات الأخبار وينتظرون انتهاء الصلاة لرصد الأخبار.

فبعد كل صلاة تعودنا على عمل ارهابي او هجوم او تفجير، سرق المتأسلمون منا حريتنا باسم الحرية سرقوا أماننا وأمننا.

زرعوا دمويتهم بأذهان أطفالنا، والمؤلم زرعوها مرتبطة بكلمة الله أكبر.

اليوم زرت مصابا من الجيش العربي السوري وهو جاري .. فيه من العزيمة والثبات والارادة ما يمنع كل كلام التشجيع والمواساة..

قال لي "اختي بين كل عشرة مسلحين يعتقلون أو يقتلون هناك ستة أجانب، شيشان وافغان وليبيون".

تذكرت مرة زيارتي لمستسفى تشرين العسكري .. رأيتهم بعيني: اربعة ليبيين في غرفة معالجة .

قال لي أحد المعارضين .. تقدسون شخصا على حساب بلد بأكمله. قلت له أنت مخطأ. هذا الشخص هو صمام أمان للبلاد. رأينا الثورات العربية وما أنتجته من خراب وتدخل خارجي وموت .

راينا ما حل بهم وندرك تماما أبعاد ما يحدث.. القائد الأن هو ربان سفينة ان تركها غرقت. وسألته كم قائد لكم من بداية ثورتكم أو تحديداً بعد سنتين من ثورتكم هل تستطيع اعطائي اسم قائد بقي اكثر من شهر؟ وهل تستطيع تعداد كتائبكم ؟؟ او هل تثبت وتجزم ان يدا واحدة فقط تحرك ثورتكم ؟؟ فصمت...

اليوم الجمعة ولن اتنازل عنه وسأخرج انا واطفالي لنزهة خصوصا أن العام الدراسي يبدأ الأحد لن اسجنهم يا دعاة الحرية.

سأخذ ماء وقليلا من طعام وكرة قدم وسأفترش سفح جبل قاسيون عصراً. فالشام لنا وجبل قاسيون لنا ونحن احرار، وحرية الخارج لا تناسبنا ومقاسها صغير جداً مقارنة مع حريتنا وكرامتنا وصمودنا

ملاحظة : نزهتي الى قاسيون مع اطفالي في مكان بعيد عن الاعتصام لأن وجود الأطفال ممنوع في الاعتصامات حسب اتفاقية جنيف. على سفح قاسيون يعبق الياسمين ويعانق المآذن الخضراء وغروب الشمس على دمشق يعكس الوانه الأبدية ورويدا رويدا تبدء أضوية المنازل بانارة السهرات. وان انصتم قليلاً لسمعتم همسات دمشقية تسامر ليل قاسيون.

استيقظت اليوم صباحاً .. كالعادة فنجان قهوة وفيروز .. وجولة سريعة على الأخبار.

رن جرس الهاتف وكانت أمي من اللاذقية تطمئن على أخبارنا في دمشق. ضمن الحديث قالت لي امي ببساطتها وطيبتها وهدوء صوتها "ضربة عسكرية ما في .. يا أمي الحرب ما هيك بتصير" .

بعد أن أغلقت الهاتف عدت لأتصفح شبكة الانترنت وصفحات الفيسبوك ..جميع الأصدقاء يرون أن أوباما وضربته المحتملة باتت محط سخرية.

اليوم من المفروض أن يتم التصويت في الكونغرس الامريكي ..

في مواجه منزلي بقالة لبيع الخضار خرجت اليها لأحضر مستلزمات اليوم. كانت هناك مجموعة من النسوة يتابعن شريط العاجل على التلفاز بينما يتبضعن الخضروات والخبز.

كنت أراقب بصمت أعجبني قول أحداهن للأخرى : هل ستسافرين من دمشق بسبب الضربة .. قالت الأخرى : الموت لايعرف دمشق من غيرها إن حانت ساعتي سأموت.

أثناء اعدادي للطعام وخصوصاً عندما بدأت خلط الخضروات لاعداد ( التبولة ) جاء ولدي ليقول تعالي بدأت الأخبار ..

ماما بدها تصير حرب ؟؟

ماما شو يعني تدخل خارجي ؟

قلت له تعال أنظر الى صحن التبولة هذا ... فيه البصل والبقدونس والحامض وخليط جميل من الخضراوات، ماذا ان سكبت فوقهم القهوة؟ قال لي : تصبح غير صالحة للأكل ..

قلت له فهمت المعنى؟ قال : فهمت

عصرا ذهبت إلى السوق لشراء اللباس المدرسي، وكان مكتظا بالناس. أصبح صوت الاشتباكات والضربات أمرا اقل من عادي، وقد بتنا نميز الأصوات الصادرة عن ضربات الجيش السوري من تفجيرات المسلحين.

أخيرا اشتريت الزي المدرسي باللون الزهري لطفلتي الصغيرة مع شرائط بنفس اللون .. ولكن لا أكتم غيظي من تجار الدم.. أصبح غلاء المعيشة مرعبا.

أنا السيدة صفاء الملقبة بأم جعفر عمري 36 سنة، جعفر ابني الكبير، ولدي ولد وبنت آخرين. أنا من مواليد دمشق رغم أن أصل عائلتي من اللاذقية واعيش بدمشق منذ ولادتي.

أعمل كوظفة في إدارة سورية. ومنذ بدء الأزمة وحتى الآن أعيش حياتي الطبيعية وأواظب على الدوام على الرغم من أن مكان عملي يتعرض أحيانا لقذائف الهاون من المجموعات المسلحة كما يكونمستهدفا بالتفجيرات الارهابية.

لكن حالي كحال جميع السوريين وشعاري يتمثل في (( قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا )). نحن ندرك تماما دورنا في مجتمع يعاني الارهاب الداخلي والخارجي.

ونحن الآن مواظبون على حياتنا وعملنا لاننا نرغب في دعم الدولة ضد الضربة المحتملة . لم نهرب ولن نهرب ونحن صامدون. وقد شاركت السبت الماضي في اعتصام نظم تحت شعار "على أجسادنا لن تمروا"، ضمن فعاليات الدروع البشرية على جبل قاسيون المطل على دمشق.

أما بالنسبة لي، فسأبقى الأم والناشطة والعاملة. بلادنا أعطتنا الكثير وحان الوقت لرد العطاء.

سأوافيكم بيومياتي من دمشق لحظة بلحظة وأتمنى أن أكون خفيفة الظل على قلوبكم وأنت تطلعون على ما أكتب بقلوبكم لتلامسوا صدق حروفي و مصداقية كلامي.

أنا أعلم أن كلماتي قد لا تروق للبعض لكن صاحب الحق سلطان ولا يخاف من أحد غير الله فقط. وقد تعودت على هذا الأمر حيث تهاجم صفحتي على موقع فايسبوك من المعارضة ويحاولون دوما اقناعي بالانضمام إليهم أو تخفيف كتابتي لكني أؤكد أني لا أخاف احدا أبدا.