صحفيات ناجحات: هذا ما حققناه، وهذا ما نتطلع اليه

على الرغم من الصعاب الكثيرة التي تواجه المرأة في العمل الصحفي، سواء في المجتمعات العربية ذاتها او في المهجر، فان مجموعة من الصحفيات العربيات استطعن تجاوزها، وتحقيق الكثير من النجاح في مهنة لا تعرف الا العمل الشاق والمنافسة المستمرة.

غير ان كل هؤلاء الصحفيات اللامعات يتفقن على ان الطريق لا يزال طويلا امام المرأة لمواجهة تحديات اجتماعية وثقافية كثيرة تعوق تقدمها، علاوة على الصعاب المهنية التي تقابلها اية صحفية تسعى لاثبات ذاتها وتحقيق انجازات مهنية.

ياسمين الشومري، من بي بي سي العربية، تحدثت الى ثلاث صحفيات عربيات عما استطعن انجازه، رغم الصعاب، وعما يتطلعن اليه.

أوكتافيا نصر، صحفية لبنانية تعيش في الولايات المتحدة

Image caption اوكتافيا نصر: سعيت للتوازن بين حياتي الاسرية والمهنية

أحاول الاستمتاع بالحياة بعد رحلة طويلة في مجال الإعلام دامت أكثر من 26 عاماً، بدأت بتغطية حرب لبنان للمؤسسة اللبنانية للإرسال قبل انتقالي إلى شبكة "سي إن إن".

عملت لمدة 20 عاماً في "سي ان ان"، ولم يتركز عملي في مجال واحد، بل عملت في مجالات مختلفة، منها تقديم الأخبار، والتحقيقات الميدانية، والتحليل السياسي، وإدارة البرامج. الآن أعمل لنفسي، واكتب افتتاحية جريدة النهار اللبنانية كل ثلاثاء، واتفرغ لبناء شركتي "جسور" واثباتها عالمياً.

اكبر المصاعب التي واجهتني كانت في مجال اثبات النفس، وكسب احترام الزملاء المخضرمين، ورسم خط جديد للإعلامي العربي الحر. فيما بعد، أصبحت المصاعب في إيجاد توازن ما بين الحياة المهنية، التي تتطلب مجهودا كبيرا، والحياة الشخصية التي كانت ولا تزل حجر الأساس في حياتي، حيث انني متزوجة وام لابنتين. بالاضافة الى المشاكل التي تأتي بطبيعة الحال مع العمل في مؤسسة رائدة مثل "سي ان ان" ، والنجاح فيها والتعامل مع متطلباتها الكثيرة في ظل أحداث الشرق الأوسط السريعة والمتلاحقة. أول وأهم من شجعني كان مديري الاستاذ بيار الضاهر في شبكة "ال بي سي".

بلدي هو أول مدرسة لي، مع أنني عانيت كثيراً كوني عملت كمراسلة حرب في زمن كان البعض فيه لا يحترم المرأة، ولا يقدر أن تخاطر امرأة بحياتها من أجل تغطية الفريق "الآخر". ولكن في نفس الوقت كان هناك أشخاص يقدرون ويعملون ويدفعون إلى الأمام. لو كانت القوانين في بلادنا منصفة للمرأة لكانت الأوضاع أفضل بكثير بدون شك. أستخدم قلمي وصوتي كلما سنحت الفرصة للتعبير عن هذا الرأي، وأطالب بتغيير القوانين المجحفة بحق المرأة فوراً.

أخطر شيء على المرأة العربية هو الاحباط وفقدان الأمل بغدٍ أفضل وبدورها الأساسي في هذا الغد. لا حدود للفرص أمام المرأة، لا حدود أبداً. اليوم هو يومها ويجب أن تستفيد من جميع الفرص بدون استئذان أحد، ويجب على كل امرأة قادرة أن تساعد أختها بكل ما أوتيت من قدرة، فالنجاح هو للجميع وليس حكراً على أحد.

في الدول العربية لا زالت المرأة تحارب لتكون متوازية مع الرجل. المشكلة أن المجتمع العربي هو مجتمع ذكوري بامتياز، وهذا الأمر لن يتغير في وقت قريب. انها معركة دائمة تخوضها المرأة ولا يجب أن تتوقف عنها أبداً، فهي تستحق ما هو أفضل لها ولعائلتها ومجتمعها.

صورة المرأة العربية الحقيقية لا زالت مغيبة عن الاعلام العربي. لا زالت صورة المرأة المتكلة على الرجل هي الطاغية إلى الآن، و اعتقد أن دخول المرأة حقل الاعلام واسماع صوتها هو ما سيغير هذه المفاهيم. لقد وصلت المرأة إلى مراكز مهمة في المؤسسات الاعلامية ولكنها لا زالت تنفذ أوامر قادة ذكوريين. أما في حقل الانتاج المستقل فالمرأة تقود حملة التغيير بصلابة وجرأة وجدارة.

اتمنى أن تكون مساهمتي في الصحافة العربية هي الالهام والإيمان بالذات والمثابرة على العمل وعدم اليأس والطموح الدائم إلى ما هو أكبر وأهم وأسمى. يكفيني أن أعرف أن النساء في مجال الاعلام هن كثيرات وناجحات. وأن بعض الاعلام العربي وصل إلى مستوى العالمية. اتمنى أن عملي وتضحياتي ونجاحي او فشلي قد ساهموا، بشكل أو بآخر، في تطوير وتنمية الإعلام العربي، الذي لا يزال في بداية انطلاقه ولديه رحلة طويلة الأمد في هذا المجال.

سوسن الحميدان، صحفية سعودية، ومديرة شركة للعلاقات العامة والاعلام

عملت في مجال الصحافة على مدى 13 عاما متنقلة من مجلة سيدتي الى مجلة "الاسرة" الإماراتية، ثم الى جريدة "الشرق الاوسط" حتى وصلت الى مديرة قسم المرأة بها. وكنت اكتب في الملفات الهامة فيها مثل الارهاب والقضايا الاجتماعية الحساسة بالمجتمع، الى جانب تناول الاخبار اليومية والقرارات الحكومية المؤثرة على المواطن.

وبعد خروجي من جريدة "الشرق الاوسط" بدأت مشروعي التجاري في مجال العلاقات العامة والاعلام، كما اننى اقدم حاليا برنامج تحت اسم "تمكين"، وهو برنامج يومي اتحدث فيه عن تمكين الطفل ومناقشة القضايا الاجتماعية الاكثر تأثيرا على نفسية الطفل، كإيذاء الاطفال والطلاق واشاعة ثقافة الحقوق، وغيرها من المواضيع الساخنة على الساحة الاجتماعية.

كل عمل يعمل به الانسان به صعوبات، حتى لو كان عملا مألوفا في المجتمع، فكيف بعمل المرأة في الصحافة، وهى من المهن غير المعتادة للمرأة في مجتمعنا. لكن المجتمع بدأ يتفهم هذه المهنة، واهمية وجود المرأة فيها لمعالجة قضايا المرأة في مجتمعها، الامر الذي خففت من هذه الصعوبات.

بلا شك طموح الانسان هو اول مراحل التشجيع بداخله، وهو الذى يدفعه الى تجاوز أي صعوبات، وكذلك مساعدته اذا لم يكن هناك أي دعم او تشجيع لديه. بالنسبة لي كان هناك ايضا تشجيع من أسرتي وتفهم لمتطلبات عملي التي قد تبعدني عن منزلي ساعات طويلة خاصة في أوقات الازمات والاحداث الهامة، وهذا ما جعلني اتقدم في مجالي، واعطى بشكل كبير.

السعودية، بلدي، كأي بلد له تقاليده وعاداته وله اعرافه الخاصة، واذا تفهمت المرأة هذه الطبيعة الخاصة استطاعت تحقيق خطوات ملموسة داخل مجتمعها دون المساس بتلك الثوابت. وفى اكثر الدول العربية انفتاحا وقدما في الاعلام، مثل مصر ولبنان، تواجه المرأة تحديات كبيرة، ونفورا من بعض فئات المجتمع، واضطهادا من قبل البعض. وما اجده من مجتمعي هو الدعم من قبل كثير من فئات المجتمع، الأمر الذي اعتبر معه نفسي محظوظة ومتميزة في ظل تحفظ المجتمع وخصوصيته.

لاشك ان من ابرز المخاطر التي تعترض طريق المرأة العربية بعض الافكار البائدة التي لا زالت سائدة في مجتمعنا العربي، كعزل المرأة عن المجتمع، واضطهادها والنظرة الدونية لقدراتها وامكانياتها وحصرها في مجالي الولادة والتربية فقط، بينما لدى المرأة من قدرات الشيء الكثير والكبير، ولولا الدور التي تقوم به المرأة لتعطل نصف المجتمع.

المرأة تستطيع تقديم اكثر من دور الى جانب دورها الاسرى وبكل جدارة وكفاءة بينما الرجل لا يستطيع القيام بالأدوار التي تقوم بها المرأة مجتمعة، وهذه القدرة هي مما خلقها الله عليها فاكبر دور هو الحمل والولادة التي لا يستطيع الرجل تحمل تبعاته.

الاعلام في بعض الاحيان ساهم في ظلم المرأة فحصر المرأة في مجال الازياء والتجميل، وتجاهل عقلها وفكرها، الامر الذي ساهم في تكريس فكرة المجتمع عن ان هذه هي اولويات اهتمامات المرأة، بينما لدينا من النساء المفكرات والاديبات والعالمات والطبيبات وسيدات الاعمال المتميزات واللاتي غلبن الرجل في بعض المجالات.

في عهد خادم الحرمين الشريفيين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، والذى يؤمن بدور المرأة في المجتمع، فقد تقلدت كثير من السيدات مناصب لم نشهد من قبل امرأة فيها، مثل عضوات في مجلس الشورى ونائب وزير التربية والتعليم لشئون البنات ومديرات لإدارات عالية في كثير من القطاعات الى جانب مجالس الغرف التجارية ولاحقا مجالس البلدية.

انا اعتبر الثورات العربية احدثت تغيير في جانب السلطة ولكنها اخرت كثير من التقدم داخل المجتمع. فقد انشغل الناس بالثورات والاحتجاجات والاعتداءات والتجريح وتحميل كل فئة للأخرى تبعات ما حدث عن ان يطوروا مجتمعاتهم، خاصة بعد تغيير القيادة السياسية. والمرأة هي جزء من هذا المجتمع، ولذلك ارى ان الثورات العربية لم تطور المرأة بالشكل المطلوب لكنها على العكس اشغلتها وعطلتها اثناء وبعد انتهاء الثورات.

سحر حمزة، صحفية اردنية، مديرة تحرير مجلة "الدار" الإماراتية

Image caption سحر حمزة: لا زال هناك الكثير لتحقيقه

أنا امرأة عادية جدا، أحب التلقائية والبساطة. انا كاتبة صحفية، قاصة وشاعرة، أردنية الجنسية من أصل فلسطيني من مدينة القدس، أعنى بشؤون المرأة، وأتابع أخبارها ونشاطاتها، متزوجة، أعشق مهنتي في الصحافة والإعلام كثيراً، وأخلص لها، وأعمل على غرس قيم طيبة في نفوس أبنائي ليكونوا أفضل مني في المستقبل.

واجهت تحديات كثيرة في حياتي منذ الطفولة، بسبب طموحي وميولي نحو الإعلام، وواجهت الكثير من الصعاب مع الأهل، وخاصة مع أسرتي بعد الزواج، اذ تصدوا لي في بداية عملي بالصحافة. ثم بدأ الجميع يتفهم الأمر، واقتنعوا أخيرا أنني خلقت للصحافة.

ما زلت أحاول الارتقاء بأدائي الإعلامي ليصل فكري ورسالتي وصوتي للناس الذين ينظرون للمرأة نظرة قاصرة. ما زال طموحي كبيراً، و أعتقد أنه لا زال هناك الكثير لأحققه. كانت تجربتي بالانتخابات البرلمانية بالأردن قاسية، وذلك حين أخفقت بها عام 2003، وما زالت آثارها في نفسي حتى اليوم. أحاول في مجتمع خيِّر، مثل مجتمع الإمارات الطيب، أن أواصل طريقي بالعمل الإعلامي.

في الحقيقة منذ البدايات كان والدي رحمه الله وراء اهتمامي بالجانب الإعلامي. كان متديناً وقارئا ممتازا، وله اهتمامات سياسية، وكان منفتحا على الحياة، ومثقفا وداعما للمرأة، وهو من ساهم في إبراز مواهبي في المجال الإعلامي دون أن يخطط لذلك.

أعتقد ان المرأة الآن بخير وأفضل بكثير من ذي قبل، فقد حصلت على الدعم المعنوي والمادي وتطورت في كافة المجالات، لا سيما بعد التطور الكبير الذي يشهده العالم في تكنولوجيا المعلومات. استخدمت المرأة تقنية المعلومات الحديثة في تعريف العالم بها، وترويج نفسها بإمكانياتها الإنتاجية وإبداعاتها، وأصبحت لها مساهمة كبيرة في العمل العام، ولها دور في صنع القرار من خلال تواجدها في البرلمانات العربية ومنصات إدارية كثيرة في الوطن العربي.

المرأة الأردنية، بدورها، تبوأت مكانة لا بأس بها، أصبحت وزيرة وعضوة بالبرلمان، وأهم من ذلك أنها صاحبة العلامة التجارية لأهم مصنع بالحياة، وهو "مصنع الرجال"، الامر الذي يعزز مكانتها السامية، ويؤكد دورها في التربية، وصناعة أجيال المستقبل.

تواجه المرأة العاملة تحديات مجتمعية ومادية بالدرجة الأولى. وقلة الدعم الذي تفتقر اليه ممن حولها، وخاصة إذا كان رئيسها رجلا، فهو لا يريدها أن تطغى عليه، وكذلك الزوج أحيانا، وقد يكون على العكس من أبرز الداعمين لها لتفهمه ظروف المهنة .

لا أرى أي تغيير للمرأة العربية بالربيع العربي، أو الخريف العربي، فهي كما هي، لان الربيع يعني نمو براعم جديدة وتفتح زهور، لا ثورات وتشرد، ودمار وقتل ودماء وهتك أعراض.

دور المرأة في الثورات العربية، كعادتها، كان تابعا للرجال. والمطلوب منها أنْ تعي خطورة ما يجري في بعض الدول، والذي يجعل منها سلعة متداولة للترويج لمنتجات رخيصة لا تخدم طموحها مطلقا، ولا تعكس الصورة الأسمى للمرأة كأنثى تمثل نصف المجتمع، وتعد وتربي النصف الآخر