هل يجب ان يكون الزواج مدنيا في لبنان؟

شباب لبنانيون مصدر الصورة Getty
Image caption وجهات نظر مختلفة حول طريقة تنظيم امور الزواج والطلاق والميراث في لبنان

في لبنان، مثل اغلب الدول العربية، تتم اجراءات الزواج او الطلاق حسب شريعة الطائفة التي ينتمي اليها الفرد، غير ان الأمر اكثر تعقيدا في لبنان، اذ تعيش 18 طائفة في هذا البلد، وهو وضع لا يوجد في دول عربية اخرى يزيد تعداد سكانها كثيرا عن لبنان.

وفي الوقت الحالي يستطيع اللبنانيون تجاوز اجراءات الزواج حسب شريعة الطائفة اذا قاموا بتسجيل عقد زواج مدني في دولة اخرى، وكثيرا ما يلجأ اللبنانيون الى قبرص، القريبة من لبنان، لتسجيل عقود زواج مدنية، وتعترف الدولة اللبنانية بهذه العقود، الا ان المشاكل التي قد تنشأ عنها كثيرة ومعقدة، خاصة في حالات الطلاق وحضانة الاطفال والميراث، الأمر الذي يثير جدلا واسعا واسعا، خاصة بين الشباب، حول الطريقة المثلى لتنظيم الاحوال الشخصية في لبنان، وهو ما كان موضع نقاش في حلقة من برنامج "حوار الجامعات" الذي تقدمه البي بي سي بالتعاون مع المركز الثقافي البريطاني.

حلول كل المشكلات المرتبطة بتسجيل عقود الزواج المدني التي تبرم خارج لبنان، من وجهة نظر قطاع من اللبنانيين، هو تشريع الزواج المدني بحيث يكون هناك قانون واحد ينظم اجراءات الزواج والطلاق بين جميع اللبنانيين على اختلاف وتعدد اديانهم وطوائفهم، وبشكل يشابه ما هو عليه الحال في دول اوروبا. هذا هو رأي ميمنة عزام، خريجة العلوم السياسية والأدب الفرنسي من الجامعة اللبنانية، والتي ترى ان تشريع الزواج المدني بشكل ملزم للجميع يعزز الولاء للدولة وروح المواطنة بين اللبنانيين، ويضمن للشريكين الكثير من الحقوق التي لا تضمنها شرائع الطوائف المختلفة.

لكن هناك من يرفض فكرة ان يكون الزواج المدني الزاميا، ويرى انه يجب منح حرية الاختيار بين الزواج المدني والزواج الديني، والسبب، كما يقدمه نور حنيني طالب الحقوق بالجامعة اللبنانية، هو ان هناك من اللبنانيين من يرغب في اجراء زواجه حسب شريعته الدينية، ولا يقبل الزواج المدني ولا يعترف به، ومن ثم يجب ان نفسح لهذا القطاع من اللبنانيين حرية الاختيار بحيث يكون من حقه تنظيم حياته حسب شريعة طائفته طالما يرغب في ذلك، اما من يرغب في زواج مدني فقط فله ايضا الحق في ذلك.

مصدر الصورة Getty
Image caption هناك من يفضل ان تكون حرية الاختيار متاحة بين الزواج المدني او الديني

الأمر لا يخلو بالطبع من تعقيدات كثيرة، خاصة بالنسبة للاوضاع القانونية التالية للزواج، مثل تنظيم الطلاق والميراث. وعلى سبيل المثال يتسآل نسيم ابو غانم، مدرس الاقتصاد بالجامعة الحديثة للادارة والعلوم، عن الوضع القانوني اذا تم اقرار الزواج المدني بشكل اختياري، فعلى اي اساس يتم تنظيم الميراث اذا كان الزوجان من طائفتين مختلفتين؟ وعلى اي اساس يتم توظيف الفرد في وظائف الدولة، اذ ان هناك تقسيم في الوظائف العامة في لبنان حسب الطائفة؟.

وبالتالي الحل هو زواج مدني ملزم للجميع لتفادي كل هذه التعقيدات، كما يرى نسيم، بينما ترى غادة سعد، طالبة الاعلام بالجامعة اللبنانية، ان المجتمع الديمقراطي يجب ان يمنح الافراد حرية الاختيار، وبالتالي يجب ان يكون متاحا للشاب او الفتاة اللبنانية حرية الاختيار بين الزواج المدني او الديني.

جدل اوسع حول حقوق المرأة

الجدل حول الزواج وطريقة تنظيمه يؤدي حتما الى الحديث عن قانون الاحوال الشخصية، وحول طريقة تنظيم الطلاق والميراث، وهو بدوره يرتبط الى حد كبير بجدل اوسع حول حقوق المرأة، خاصة وان البعض يرى ان الزواج المدني هو مدخل لضمان حقوق اوسع للمرأة تتجاوز الحقوق القائمة حاليا، خاصة بالنسبة لقضايا اساسية مثل حق الأم في منح جنسيتها لابنائها، وهو حق لم تحصل عليه المرأة اللبنانية حتى الآن.

مصدر الصورة Getty
Image caption الجدل لا ينتهي بين الشباب حول رؤيتهم للتغييرات التي ينبغي على المجتمع القيام بها

وتتحدث ماري تريز قرباني، وهي طالبة ماجستير في العلوم السياسية بالجامعة اليسوعية وناشطة سياسية، عن ضعف تمثيل المرأة اللبنانية سياسيا، فهناك 3 نائبات فقط في البرلمان من بين 128 نائبا، وهناك وزيرة واحدة من بين 24 وزيرا، ولا توجد اي امرأة في المجلس الدستوري. علاوة على ذلك تتعرض آلاف اللبنانيات للعنف الاسري، ولا يجدن من يقدم لهن حماية حقيقية، وبالتالي لابد من قوانين، كما ترى ماري تريز، لحماية المرأة وضمان حقوقها.

"حقيقة الأمر انه لا يوجد ما يمنع المرأة في لبنان من ان تصبح وزيرة او نائبة او قاضية، والمشكلة في النظرة الاجتماعية لدور المرأة، وليس في القوانين" كما يرى بشير مصطفى طالب الدكتوراه في القانون بالجامعة اللبنانية. ويمضي فيقول: اصبح موضوع حقوق المرأة "كليشيه" او مجرد صورة نمطية، والواقع ان تركيبة المجتمع اللبناني تؤدي الى مشكلات يعاني منها الشاب اللبناني كما تعاني منها الفتاة اللبنانية.

المشكلة ان بعض القضايا المتربطة بحقوق المرأة، مثل حق منح الجنسية لاولادها، لها تأثيرات سياسية واسعة، وعلى سبيل المثال فان منح الجنسية للفلسطينيين من امهات لبنانيات سيؤدي الى حصول عدد كبير من الفلسطينيين على الجنسية اللبنانية، وهو ما يرى البعض انه سيخل بالتوازن الدقيق القائم في لبنان بين مختلف الطوائف، وبالتالي فهو امر مرفوض بالنسبة لهم.

ربما الوضع الافضل هو ان يكون لبنان بلدا علمانيا، كما يحلم بعض الشباب اللبناني، وان تدار امور الزواج والطلاق والميراث، بعيدا عن الطوائف، وان تكون سلطات الدولة، من رئاسة وبرلمان وحكومة، ايضا بعيدة عن الطوائف. المشكلة ان أكثر القادة، السياسيين والدينيين، ينظرون للأمر بشكل آخر.