هل الثورات هي الطريق الانسب للتغيير في الدول العربية؟

معارضون سوريون مصدر الصورة Getty
Image caption كانت الصورة في سورية هي الاشد قتامة بعد ان تحول نحو نصف السوريين الى لاجئين او نازحين

تمنى كثيرون أن تتفتح أزهار الحرية والديمقراطية في الدول التي شهدت ثورات وانتفاضات "الربيع العربي"، كما أطلق عليه. حلم كثيرون بنهاية الاستبداد الذي جثم على صدروهم سنوات طويلة، وبمشاركة حقيقية في السلطة، وبتوزيع عادل للثروة يخرجهم من دائرة الفقر والبطالة. وشارك الملايين، خاصة الشباب، في عدة دول عربية، في احتجاجات وتظاهرات واسعة اندلعت في عام 2011 سعيا لتغيير نظم الحكم التي تتحمل مسؤولية الأوضاع التي وصلت إليها بلادهم.

ولكن الصورة الآن في عام 2014 تبدو مخيبة للآمال إلى حد كبير. فقد تخطت سورية واليمن وليبيا، بعد فترات متفاوتة، مرحلة المظاهرات والاحتجاجات لتدخل في صراع مسلح، وبدت أكثر صوره سوادا في سورية التي تحول نحو نصف شعبها إلى نازحين داخل بلادهم أو لاجئين في الدول المجاورة.

وفي ليبيا هناك حكومتان لا تعترف كل واحدة منهما بالأخرى، وتسعى الميلشيات المسلحة المؤيدة لكل منهما إلى حسم الصراع على السلطة بالقوة. ودخل اليمن في أزمة مفتوحة بعد أن سيطر الحوثيون على صنعاء، وأصبحت مدنه ساحة للمواجهة المسلحة بينهم، وبين الرافضين لسيطرتهم، ومن بينهم تنظيم القاعدة.

أما في مصر، فقد قام الجيش بعزل محمد مرسي بعد عام واحد على انتخابه، وانتقدت منظمات حقوقية دولية ما ترى أنه تضييق على الحريات، مثل قانون التظاهر أو طريقة التعامل مع احتجاجات طلاب الجامعة، وانتقدت أيضا صدور إحكام اعدام بحق مئات من الاسلاميين المعارضين، وأحكام سجن بحق مجموعة من الناشطين الليبراليين.

وربما كانت تونس هي الدولة الأفضل حالا بين دول "الربيع العربي"، إذ أنها تواصل عملية التحول الديمقراطي رغم الخلافات والأزمات التي شهدتها في السنوات الثلاث السابقة. فقد توافق أغلبية الاسلاميين والعلمانيين على دستور جديد للبلاد في مطلع عام 2014، وجرت انتخابات برلمانية في شهر اكتوبر/تشرين الماضي أسفرت عن فوز حزب "نداء تونس" العلماني بالأغلبية، وقبول حزب "النهضة" الاسلامي، الذي جاء في المركز الثاني، بنتيجة الانتخابات.

ونظرا لأن الثورات والانتفاضات لم تحقق التغيير المنشود باتجاه الحرية والتعددية والمساواة، على الاقل حتى الوقت الراهن، يتسآل كثيرون: هل هي فعلا أفضل طريق لتغيير المجتمعات العربية، أم أن هناك بدائل أخرى يمكن أن تغير هذه المجتمعات بتكلفة أقل، وبدون الدخول في صراعات تعصف باستقرار هذه المجتمعات؟

استقرار بالإكراه والبطش

"هو استقرار بالإكراه. استقرار تم فرضه بآلة القمع القاسية العنيفة، وليس استقرارا حقيقيا مبنيا على الحرية والعدالة والمساواة"، هذا ما يراه عبد الحميد الجلاصي نائب رئيس حركة النهضة في وصفه لحالة الاستقرار التي كانت قائمة قبل الثورات والانتفاضات، ويمضي فيقول: لم يكن هناك اختيار في عدد من الدول العربية بين الطريق السلمي للإصلاح وبين الثورة، بل على العكس حاولت تيارات سياسية كثيرة انتهاج التغيير السلمي المتدرج، ولكن للأسف وجدت جدارا متصلبا من الرفض من قبل الانظمة العربية، وأصبح المطروح في عدة دول هو الاختيار بين التوريث او التمديد. وعندما تفشل محاولات الإصلاح يواجه المجتمع خيارين: اما الاستسلام والقبول بالواقع المرير، واما الانفجار والثورة على النظام القائم سعيا لتحقيق أهداف الشعوب في الحرية والكرامة والعدالة.

مصدر الصورة Getty
Image caption سارت تونس على طريق التحول الديمقراطي، رغم كل الصعاب

هذه الرؤية محل نقاش مستمر بين الكثير من الشباب العربي المعنيين بشؤون بلادهم، ومنهم مجموعة شاركت في حوار للبي بي سي العربية حول تقييم نتائج الثورات العربية.

هناك من يتفق مع هذه الرؤية، مثل حفصة بوعزى، وهي مغربية تدرس الادب الانجليزي، وترى أنه للقيام باي تغيير حقيقي لابد من تغيير سياسي، وذلك لأن الأنظمة القائمة ترفض التغيير والمشاركة في السلطة، ترفض مثلا تغيير منظومات التعليم أو التغيير عن طريق منظمات المجتمع المدني، الأمر الذي يعني أن ازاحة هذه الانظمة هو الطريق الوحيد للإصلاح الحقيقي في المجتمع.

تتفق معها ايضا هالة جريش، وهي تونسية تدرس بدار المعلمات، وتضرب مثالا بكوريا الشمالية التي رفض حكامها أي اصلاح ديمقراطي، وبالتالي لم تتطور او تتحسن أوضاع مواطنيها، وفي المقابل تطورت كوريا الجنوبية، التي قبلت بالحرية والتعددية، بشكل كبير في السنوات الاخيرة.

الاختيار بين سلطة ديكتاتورية، وبين الفوضى

بخلاف هذه النظرة إلى الثورات باعتبارها الطريق المتاح لتغيير حقيقي بعد أن تعذر التغيير بالطرق السياسية، يرى الكاتب اللبناني فيصل عبد الساتر "أنه في العموم، فإن الحصيلة التي خرج بها العالم العربي من الثورات كانت سيئة جدا، وأرجعته عشرات السنوات الى الوراء، ولم تنته اثارها السلبية، ومن غير المنتظر أن تنته في وقت قريب".

ويرى أنه بالفعل وضعت مجموعة من الأنظمة العربية شعوبها أمام خيارين: التوريث أو بقاء الأنظمة القائمة، وهو ما جعل كثيرين يرفضون الخيارين معا، ويطالبون بتغيير النظام كله. ولكن في ذات الوقت على المواطن العربي أن ينظر إلى الاختيار بين وجود دولة أو سلطة تحمي البلاد، أو ألا تكون هناك سلطة على الإطلاق. بمعنى آخر إذا كان الاختيار بين سلطة ديكتاتورية، أو بين انهيار الدولة وشيوع الفوضى، فالأفضل أن تكون هناك سلطة حتى لو كانت تحكم بشكل غير ديمقراطي.

هناك قطاع من الشباب يتفق مع هذا الطرح، ويرى أن المجتمعات العربية بها تنوع واضح في الطوائف والمذاهب والثقافات، وبالتالي هناك مخاوف من أن تؤدي الثورات إلى صراعات بين مكونات المجتمع، كما تقول أفنان الحياري، وهي أردنية تدرس الهندسة المدنية. وتضيف أن الطريق لتطوير المجتمع هو رفع الوعي وتحسين التعليم، وليس عن طريق الثورات التي لم تحقق شيئا مما تطلع إليه الشباب.

وتتفق معها منى جعفري، وهي مغربية تدرس الاقتصاد، أن تطوير المجتمع يتم عبر التعليم الذي يمكن أن ينتج أجيالا قادرة على الاصلاح، وتضرب مثلا بسنغافورة التي تغيرت بالتعليم. أما الثورات في العالم العربي فلم تحقق، في أغلب البلاد، الديمقراطية التي تطلع اليها الشباب. المهم أن يكون إصلاح التعليم اصلاحا حقيقيا، وليس مجرد ميزانيات للتعليم لا تحقق أهدافها. ويتحدث أمير مجاهد، وهو جزائري يدرس الهندسة الميكانيكية، عن تجربة بلاده التي تخصص أموالا طائلة للتعليم، ولكن مخرجات التعليم لم ترتفع إلى ما يطمح اليه الشباب الجزائري.

التنازل عن الحرية مقابل الاستقرار

وإذا كان هناك في المجتمعات العربية من يقبل الأنظمة القائمة، حتى لو كانت أنظمة استبدادية، للحفاظ على استقرار المجتمع، فان السؤال الذي ربما يطرحه كثيرون هو: إلى أي مدى يمكن ان تتنازل عن حريتك مقابل الاستقرار؟

مصدر الصورة Getty
Image caption مجموعة من الشباب العربي الذي شارك في حلقة لبرنامج نقطة حوار من جامعة "ويستمنستر" في لندن

يرى عبد الحميد الجلاصي أنه من الطبيعي أن تدخل المجتمعات التي تشهد ثورات في فترة من عدم الاستقرار، وذلك لأن اصحاب المصالح في المنظومة القديمة يحاولون إعادة الأوضاع إلى ما هي عليه، ويتلقون الدعم من قوى اقليمية ترفض الديمقراطية. ومن ثم، تواجه المجتمعات صراعا بين قوى تسعى للإصلاح والتقدم، وقوى تريد الارتداد للأوضاع السابقة على الثورات. ربما يعاني المجتمع لفترة، ولكنه ثمن يدفعه المجتمع لتحقيق ما تتطلع إليه الشعوب من حرية وكرامة، "وحتى إن تعثرت الثورات فإنها لم تنته ولم تفشل".

ولكن على النقيض يقول فيصل عبد الساتر إنه أحيانا تضطر المجتمعات إلى المفاضلة بين بين السيء والأسوأ، وعلى سبيل المثال ربما عليها المفاضلة بين الانظمة المستبدة وبين التنظيمات التكفيرية. وفي هذه الحالة، فان علينا أن نختار السيء، وهو الحكم الديكتاتوري، لتجنب الاسوأ وهو حكم التنظيمات التكفيرية، وذلك على أساس القاعدة الفقهية التي ترى أنه يجب اختيار أخف الضررين.

غير أن عمر الفاروق مكاوي، وهو مصري يدرس العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، يرفض الدكتاتورية في كل الأحوال، ويردد ما قاله بنجامين روزفلت: "الشعب الذي يختار الاستقرار قبل الحرية سيخسر الاثنين معا". ومن ثم لا يقبل التضحية بالحرية مقابل الاستقرار الذي اهتز بسبب سنوات طويلة من الفساد والظلم، كما يقول، وليس بسبب ثورات قامت ضد هذا الفساد والظلم. المهم أن تكون حرية مسؤولة تحترم حقوق الآخرين.

ولكن الاستقرار يمثل الاولوية بالنسبة لهيام حاج عيسى، التي تدرس الأمن الصناعي في الجزائر، لأن الاستقرار دعامة المجتمع الذي يتطلع إلى الحرية، والدليل على ذلك تجربة دول "الربيع العربي" التي تمر بحالة فوضى واسعة، كما تقول، ولاشك أن الاستقرار بالنسبة لهذه المجتمعات هو "الاهمية رقم واحد" الآن. وهو رأي يؤيده مالك أخميس، الناشط بمنظمات شبابية في الاردن، إذ يرى أن اغلبية الناس في المجتمعات العربية تعاني من أجل توفير الاحتياجات الأساسية، وبالنسبة لهم فان لقمة العيش أهم من الحرية.

لكن المشكلة أن هؤلاء الفقراء ، كما تقول ياسمين دنانة، وهي مصرية تدرس الإعلام في لندن، هم أحوج الناس الى الحرية. هؤلاء الفقراء المهمشون يبحثون عمن يتحدث باسمهم أمام البرلمان وأمام الحكومة لكي يطالب بحقوقهم ويدافع عنها، وبدون حرية وانتخابات حقيقية لن يسمع أحد أصواتهم.

في الواقع أن السلطة تقدم درجة محدودة من الأمن والاستقرار للمواطن طالما ظل بعيدا عن انتقادها، كما يقول احمد تقي الدين، الذي تخرج من كلية الصيدلة في مصر، ويضيف انه اذا تجرأ المواطن ومارس بعض حقوقه في انتقاد السلطة فسينتهي عهد الاستقرار بالنسبة له.

الحوار حول التغييرات الهائلة التي تشهدها المنطقة العربية لا يتوقف، والخلاف حول الطريق الأفضل للنهوض بها لا ينتهي، لكن الواضح أن الشباب العربي يتطلع إلى يوم لا يجبر فيه على الاختيار بين الاستبداد وبين الفوضى أو بين الاستبداد وبين التنظيمات التكفيرية، ويبدو أن الطريق إلى هذا اليوم المنشود مازال طويلا.

تم تسجيل حلقة خاصة من برنامج نقطة حوار حول هذا الموضوع في جامعة "ويسمنستر" في لندن. تحاور فيها مجموعة من الطلبة العرب الذين يشاركون في برنامج "صوت الشباب العربي، الذي يدعمه كل من المجلس البريطاني ومؤسسة "آنا ليند"، حول رؤيتهم لما تمر به المنطقة العربية من تغييرات في الوقت الحالي. تبث الحلقة على كل من شاشة وراديو البي بي سي العربية يوم الجمعة 7 نوفمبر/تشرين الثاني في الساعة 16:06 بتوقيت جرينتش. وتعاد اليوم التالي في الساعة 8:00 وفي الساعة 14:00 بتوقيت جرينتش.