هل لا تزال المجتمعات العربية تقدس حكامها؟

مصدر الصورة Getty
Image caption يعتبر الكثير من الحكام العرب فوق النقد

كثيرة هي الشخصيات والزعامات السياسية التاريخية التي نشأ العالم على احترامها والاقتداء بها لما قدمته من تضحيات من أجل مجتمعاتها وما رسخته في الانسانية من قيم نبيلة.

ورغم إدراكنا أن هؤلاء الذين نكنّ لهم التقدير والعرفان لنضالهم في سبيل إعلاء كلمة الحق، رغم علمنا أنهم منّا وفينا، ننسى أو نتناسى أنهم بشر مثلنا، يخطئون أحيانا ويصيبون أحيانا.

وبمرور السنين، وبحفظنا لفضائلهم ومناقبهم، نضعهم بحرص في موضع المسلّمات، ونضفي عليهم هالة من القداسة والقدسية ونخرجهم من فلك النقد الموضوعي والدراسة التاريخية الجادة، إلى أن تكشف لنا الأيام حقائق ومواقف تسيء الى الصورة الايجابية التي كنا نحملها عن هذه الصروح الشامخة.

فقبل أيام، ضج الفضاء الالكتروني بخبر تناقلته وسائل الإعلام مفاده أن مهاتما غاندي، رمز حركة المقاومة غير العنيفة في الهند كان يحمل أفكارا عنصرية ضد السود في جنوب افريقيا.

ففي مقتطفات، نشرت في الآونة الأخيرة، من كتاباته التي دونها أثناء عمله كمحام في جنوب أفريقيا مطلع القرن الماضي قال غاندي: "إن هدف الأوروبيين هو إنزال الهنود إلى مستوى الكافر الجاهل الذي يمتهن الصيد، ويطمح فقط لجمع الماشية وشراء زوجة، وقضاء حياته في خمول وعراء". وكان مصطلح "كافر" لفظا نابيا دأب النظام العنصري في جنوب افريقيا على استخدامه لوصف أفراد الأغلبية السوداء طيلة عقود.

وطفت هذه المزاعم بالتزامن مع مثول شاب جنوب أفريقي أمام المحكمة لاتهامه بتخريب تمثال للزعيم الهندي في ساحة بمدينة كيب تاون أثناء مسيرات شعبية كانت تطالب بإزاحة تماثيل غاندي والقائم بأعمال الإمبراطورية البريطانية في جنوب أفريقيا سيسيل رودز من الشارع العام.

وقد ذهل العديد من المعلّقين على مواقع التواصل الاجتماعي لما نشر من مقتطفات من كتاب غاندي. ووصفه بعضهم بالعنصري بينما تساءل آخرون عن وجود شخصيات أخرى ذاع صيتها عالميا ربما حملت أفكارا أو اتخذت مواقف تناقضت مع الصورة التي رسمتها في مخيلة الرأي العام.

وفي العالم العربي سجل التاريخ أسماء شخصيات وقيادات سياسية ودينية لا تزال تحظى باحترام كبير لما أسدته من خدمات لشعوبها وقادت نضالاتها من أجل الحرية والتحرر من الاستعمار حتى أصبح البعض منها رموزا تاريخية لا أحد يجرؤ على انتقاد سياساتها أو معارضة توجهاتها.

ويرى البعض أن هذه الظاهرة تعرضت للاستغلال منذ خمسينيات القرن الماضي مع توالي استقلال الدول العربية عن الاستعمار. وحرص بعض الحكام على منح أنفسهم هالة القائد الملهم، الواجب احترامه حتى التقديس.

وظلت بعض المجتمعات العربية تخضع رغما عنها لسياسات حكامها الذين تقمصوا صورة "خليفة الله في أرضه" إلى أن جاءت ثورات الربيع العربي فأطاحت بالبعض وأخذ آخرون العبرة فبادروا الى تغيير سياساتهم ودساتير بلدانهم.

فهل ترى أن ظاهرة تقديس الرموز لا تزال منتشرة في المجتمعات العربية؟

ما الذي يكرس صورة "القائد الملهم" في مخيلاتها؟

لماذا انتظرت هذه المجتمعات طويلا قبل أن تنتفض على من يستغل أوضاعها ويحكمها بالقوة؟