بعيون مسلمي أوروبا: كيف غيرت هجمات باريس نمط حياتهم؟

هجمات باريس مصدر الصورة Getty
Image caption فتاة مسلمة تضع باقة من الزهور أمام مقر السفارة الفرنسية في برلين – ألمانيا

أصابت هجمات باريس الفرنسيين بصدمة هائلة، إذ أنها أكبر هجوم تتعرض له فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية. وربما تحقق لمنفذي الهجمات بعضا مما صبوا إليه كإشاعة الفزع والرعب. لكن هل كان في حسبان هؤلاء أن مسلمي أوروبا قد يكونون الخاسر الأكبر؟ نستعرض شهادة من عايش هجمات باريس، ونستمع إلى آراء مسلمين مقيمين في دول أوروبية للتعرف على مشاعر هؤلاء، وكيف أنعكست هجمات باريس على حياتهم.

محمد واموسي - فرنسا

Image caption محمد واموسي برفقة ابنه داخل ملعب فرنسا الدولي أثناء مباراة فرنسا وألمانيا، حيث تم استهداف الملعب بتفجيرين انتحاريين

كنت موجودا داخل ملعب فرنسا الدولي برفقة ابني لمشاهدة مباراة فرنسا – ألمانيا، وسمعت صوت انفجارين وحاولت مغادرة الملعب إلا أني وجدت السلطات قد أغلقت أبوابه. حاول انتحاريان التسلل إلى داخل الملعب لتفجير حزاميهما الناسفين، ولكن بسبب الإجراءات الأمنية المشددة فشلا، فتوجها لأقرب مكان عام، وكان سلسلة مطاعم للوجبات السريعة، وفجرا حزاميهما هناك.

ذهبت بالأمس لوضع باقة من الزهور بجانب مسرح "الباتاكلان"، حيث جرت إحدى فصول جريمة باريس. شاهدت شيخا وزوجته، التي كانت ترتدي الحجاب، يحملان باقة زهور يريدان وضعها تضامنا مع الضحايا، إلا أن مجموعة من الشباب المتطرف أحاطوا بهما، وهاجموهما لفظيا منتقدين زيهما الإسلامي. تعرضت سيدة محجبة أخرى لوابل من الشتائم، لكن بعض العقلاء الفرنسيين تدخلوا لحمايتها.

نظرة الفرنسيين لمن تبدو ملامحه عربية أو إسلامية، أصبحت نظرة ريبة. فمجرد أن تضع يدك في جيبك، ترى نظرة الخوف في عيني الفرنسي كأنك ستخرج سلاحا لتهاجمه أو ستفجر حزاما ناسفا. الفرنسيون يقولون إنهم لم يعد بأمكانهم الذهاب إلى مباراة كرة قدم أو مطعم دون خشية التعرض لاعتداء. في رأيي أن الجميع متضرر، لكن المسلمين الفرنسيين سيكون لهم النصيب الأكبر من هذا الضرر. اليمين المتطرف سينتهز هذه الفرصة لصب المزيد من الزيت على النار المشتعلة، والتحريض ضد المسلمين بغية تحقيق مكاسب انتخابية.

شيماء بن مبارك - فرنسا

Image caption تقول شيماء إن المسلمين الذين يعيشون في فرنسا سيتأثرون بتلك الأحداث أكثر من غيرهم

إلى الآن لم أتعرض شخصيا لمضايقات، لكن بعض صديقاتي تعرضن. عقب الهجمات مباشرة، قام جار صديقة لي بالصياح ووصف المسلمين "بالسوس" الذي يجب إخراجه من فرنسا. بالتأكيد ما حدث سينعكس بشكل كبير على المسلمات وخاصة المحجبات منهن. أعتدت أن أخرج بمفردي، وفي بعض الأوقات أتأخر في العودة، لكن بعد هجمات باريس سيتغير الوضع.

المسلمون الفرنسيون سيتأثرون بتلك الأحداث أكثر من غيرهم، فنحن نفكر في تلك اللحظة وما بعدها. كل الجهد الذي بذلناه نحن وآباؤنا على مدار سنوات للتعريف بالإسلام وإعطاء صورة إيجابية عن المسلمين، يتبدد أمام أعيننا في لحظة. نشعر أنه يتعين علينا أن نبدأ من جديد لتعريف الفرنسيين أن هذه الأعمال والهجمات لا تمثل الإسلام والمسلمين.

لاحظت هذه المرة تغييرا في تناول الإعلام الفرنسي للأحداث. ففي أحداث "شارلي إيبدو" كانت هناك مطالبات بأن يتبرأ المسلمون بشكل علني من الهجمات ويستنكرونها. أما في هجمات باريس، فكان تعاطي الإعلام مختلفا، فلم ألحظ مثل تلك المطالبات كما لم يتم الربط بين هذه الأعمال والإسلام. غالبية المحللين يقولون، إن غرض الهجمات هو تقسيم المجتمع الفرنسي والتأثير على النسيج الواحد. في رأيي أن السبب يعود إلى أن هجمات باريس كانت عشوائية وتأثر بها الجميع، فهناك من الضحايا عرب ومسلمون.

فرنسا أعلنت حالة الطواري، مما يتيح لقوات الأمن تفتيش المنازل وفرض الإقامة الجبرية على من تشاء. كفرنسية أتفهم هذه الإجراءات، ولكن كمسلمة متخوفة من أن تمتد تلك القوانين إلى أناس لا علاقة لهم بالإرهاب لمجرد أنهم مسلمون محافظون أو ملتزمون أو أسلوب تدينهم لا يعجب البعض.

سعيد زروال - السويد

Image caption يقول سعيد إنه ربما فكر من قام بهجمات فرنسا أنه سيسجل نقطة ضد الحكومات الغربية، لكنه لم يفكر أن المتضرر الأكبر قد يكون مسلمي أوروبا

في اليوم التالي لأحداث باريس، لاحظت قلة عدد مرتادي الأماكن العامة وتغيرا في نظرة السويديين لكل من يحمل ملامح أجنبية، وكأنك اصبحت بمثابة قنبلة موقوتة. ما يعني، في رأيي، أن ما حدث في باريس انعكس بشكل مباشر على كل دول القارة الاوروبية.

تغير سلوكي الشخصي عقب هجمات باريس، فأصبحت أنظر جيدا وأتلفت عند عبور الشارع خشية أن أتعرض لاعتداء من شخصي متطرف.

مسلمو أوروبا هم من سيدفعون ثمن هذه الهجمات. فالعزلة والعنصرية التي يعيشونها ستزداد مما يصعب من عملية اندماجهم في الغرب، ومن رحم تلك العزلة تتولد بؤر انتاج التشدد عبر الأحياء الهامشية التي يسكنها غالبية المسلمين. الأخطاء التي ترتكبها الأقلية المتشددة تدفع ثمنها الأغلبية الصامتة.

منذ فترة تشهد السويد خطابا تحريضيا ضد اللاجئين. هناك اعتداءات ضد مخيماتهم، إضافة إلى اعتداءات بالسلاح الأبيض. هجمات باريس ستعزز من قوة التيار المتطرف، وأتوقع زيادة في وتيرة الاعتداءات.

ربما فكر من قام بهجمات فرنسا أنه سيسجل نقطة ضد الحكومات الغربية، لكنه لم يفكر أن المتضرر الأكبر من تلك الهجمات قد يكون المسلمين المقيمين في تلك البلدان.

محمد البدوي - هولندا

Image caption يقول محمد إن غالبية المسلمين هنا يشعرون أنهم جزء من بلدانهم الأوروبية، ويمتنون لتلك الدول التي منحتهم ما لم تمنحهم إياه دولهم العربية

يظهر من ملبسي وهيئتي أني مسلم، ولكني لم أتعرض لأي نوع من المضايقات. فعلى العكس، أحظى باحترام بالخصوص في مؤسسات الدولة. إذا صدر سلوك سلبي من شخص عادي، فأنا أتفهم وهذا يحدث حتي في دولنا العربية والإسلامية.

إذا نظر الشخص الأوروبي نظرة ريبة إلى من يحمل ملامح غير أوروبية، فأنا أضع نفسي في مكانه وأتفهم موقفه فهو يتخوف على حياته.

الغالبية العظمي من المسلمين الأوربيين ضد هذه الأعمال، والقلة القليلة هي من تجد مبررا لها. غالبية المسلمين هنا في أوروبا يشعرون أنهم جزء من بلدانهم الأوروبية، ويمتنون لتلك الدول التي منحتهم ما لم تمنحهم إياه دولهم العربية. دار، بعد الصلاة، حوار بيني وبين عدد من المسلمين المقيمين في هولندا حول هجمات باريس، وقال لي بعضهم أنهم إذا علموا أن شخصا يحضر لعمل إرهابي، فسيبلغون السلطات عنه.

عدد من ألقت فرنسا القبض عليهم عقب هجمات باريس، يقدر بالعشرات. إذا حدثت مثل تلك الهجمات في دولنا العربية، كم سيكون عدد من سيلقى القبض عليه؟

تقع مسؤولية على الحكومات والأحزاب والإعلام في عدم استغلال تلك الحوادث للتحريض ضد المسلمين. يوجد متطرفون إسلاميون وغير إسلاميين، ولا أعتقد أنه يجب التركيز الإعلامي على هؤلاء.

أخيرا، قال رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فال، إنه تم التحقق من هوية 123 جثة من ضحايا الهجوم الذي وقع يوم الجمعة على أهداف في العاصمة الفرنسية باريس. وكان من ضمن الضحايا شقيقتان تونسيتان، وجزائريان ومهندس معماري مغربي.