#مائة_امرأة: يوميات طالبة سورية في لندن

#مائة_امرأة يوميات طالبة سورية في لندن
Image caption يوميات هيام كطالبة طب سورية مغتربة في لندن

تحتفل البي بي سي بـ "أكثر #مائة_امرأة تأثيرا وإلهاما حول العالم" ضمن موسم حافل يتخلله بث برامج وثائقية ونشر مقابلات معهن وتحقيقات حول المجتمعات التي أثرن فيها. وتماشيا مع الحدث ننشر جزءا من يوميات طالبة سورية تدرس الطب في بريطانيا. تحدثنا هيام الدروبي في ما يلي عن مشاعرها ومدى اختلاط إحساس الغربة بالحزن على بلدها وما تفتقده هناك وما تغير من نمط حياتها.

الأحد 15 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015

إنه يوم الأحد، يوم ‏الاطلاع على النفقات وسداد الفواتير ومهام الكوي والغسيل. ‏لا أتذكر عندما كنت في "جدة" أنني رأيت شكل فاتورة الكهرباء.

ولكن هذا الأحد يختلف عن غيره، لأنني سوف أتناول وجبة الغذاء برفقة الوالد، الذي سيأتي لعدة ساعات من إيطاليا حيث كان يقضي عمله هناك.

‏ذهبت إلى المطار والفرحة في قلبي، فلم أقابل أبي منذ عدة أشهر. شعور غريب يتملكك عندما تنتظر إنسانا عزيزا عليك يخرج من بوابه المطار. احتضنت أبي ومن ثم ذهبنا إلى تناول الغذاء - فلديه بضع ساعات فقط قبل مغادرة طائرته عائدا إلى السعودية.

"بابا كيفك و كيف ماما وأخواتي والمنزل"

"كلهم بخير"

هاتف أبي يرن

"حمًّل، نزِّل، حول، هل أرسلت البضاعة؟ هل استلمت الشحنة من الميناء؟ هل تم إصلاح الماكينة"

‏منذ نعومة أظافري لم أشاهد أبي ‏يرتاح أبدا، فالشغل وراه وراه أينما ذهب. تعلمت منه الطموح والصبر والإصرار علي العمل، فهذه الصفات هي ما جعلته أحد أكبر رجال الأعمال في المملكة.

‏أنهى أبي المكالمة وها الهاتف يرن ثانية، ولكن هذه المرة المكالمة من حمص.

"اهلين بالباشا كيفك؟ ‏طمني على أخبارك وعن أهل حمص - تريد أي شيء؟"

هذا باشا ‏عائلة "الدروبي" إنه بالفعل من باشوات سوريا. فكُل أقارب أبي رفضوا مغادرة حمص. رفضوا أن يتركوا بلدهم وأرضهم ل"داعش" ومشتقاتها. رفضوا للغريب أن يجلس في منازلهم، لكن جدي فتح بيوته ‏للاجئين.

إنني حزينة ‏على عائلتي. يا الله، نحن بنعيم وهم تحت ‏قسوة الحرب. ‏‏ يسألني الناس كثيرا إن كنت مع النظام أو ضده، ولكن أنا مع السلام، مع شعب كان متعلما وطموحا، مع شعب فتح أبواب منازله للفلسطينيين والعراقيين خلال أيام الحرب. ‏إنني مع البلد الوحيد الذي لا تحتاج لتأشيرة ‏للذهاب إليه. رحبت سوريا بكل الجنسيات والأديان. ‏إنني مع بلد مضى عليه سبع آلاف سنة. إنني مع شعب مات أطفاله و تشرد أبناؤه. إنني مع بلد كان أمة واحدة لا تعرف ‏الطائفية، لكنها الأن انقسمت.

يقال لي، لا تحزني إننا سوف نرجع ونعمرها، ‏ولكن يا ترى هل نستطيع أن نرجع ونعمر تاريخا درست عليه الأجيال. هل نستطيع أن نداوي جروح الشعب.

السبت 14 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015

‏"أنت طبيب امتياز تعمل في قسم الصدرية وأشرفت على علاج مريض "ربو" أقام في القسم لفترة من الوقت وبدأت مشاعرك تتطور نحوه. سيغادر المريض غدا ولكنك شعرت أنك تحبه جدا وتريد أن تقابله مرة أخرى".

فضلا رتِّب الإجراءات التالية (١= الأنسب و ٤= الأسوأ)

‏1. تنتظر حتى يغادر المريض المستشفى، ثم تحدثه عبر هاتفه الخاص لتشرح له شعورك نحوه.

2. ‏تطلب من طبيبك المسؤول إعفاءك من رعاية المريض.

3. ‏لا تخبر أحدا بمشاعرك.

4. ‏تذهب إلى المريض وتشرح له مشاعرك تجاهه وتسأله إن كان يرغب في مقابلتك، ولكن تطلب منه ألا يخبر أحدا عن حديثكما.

‏أهم يمزحون!!!!! ست سنوات في كلية الطب وهناك امتحان ‏مصيري يحدد أين تذهب للعمل في سنة الامتياز. أسئلة هذا الامتحان ليست علمية أبدا ولا يوجد بها أي شيء طبي، ولكن تقيس قدراتك على التعامل مع الآخرين. التعامل مع الناس هو شيء فقدناه في العالم العربي، فلنتذكر كلمات الله سبحانه وتعالى في كتابه: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".

‏كلمات فقدنا معناها، فأصبحنا في عالم لا نحترم من يختلف عنا في الدين أو الموطن، ‏وللأسف في بعض الأحيان نحتقرهم. أصبح العرب منقسمون إلى طوائف عدة اخترعها الإنسان. فالمسيحي أصبح كافرا عند المسلم والمسلم أصبح إرهابيا عند العالم. لماذا؟؟؟

تذكرت جارنا اليهودي في حمص، كنا نذهب إلى منزلهم كل سبت لنشغل الغاز. كانت أمي دائما تتحدث عن ذكرياتها في حارات المسيح في دمشق، و كم كانت هي من أجمل حارات الشام.

ماذا حصل في عالمنا؟ الدين والطائفية عمت ‏أعيننا، ‏فنسينا لما خلقنا. أصبح السلاح والقتل هو من يجعلنا مسلمون، وأصبحت سوريا أرضا للقتال في سبيل الله وانخلقت مدينة اسمها "الدولة الإسلامية" على أيدي أفراد لا يعرفون شيئا عن الإسلام. أمي علمتنا أن الدين معاملة والإيمان يتجسد في محاسن الأخلاق. ‏فهل أفعالنا توحي بأننا مسلمون كما نقول وبكل فخر؟!

‏انهيت دوامي الدراسي وذهبت إلى الغداء مع أختي نور (التي أتت لزيارتي من سويسرا) و‏برفقة مجموعة من صديقاتي.

جلسنا على طاولة في "سيلفردجس" وها هي أمي تتصل بي.

"‏هيام أنت ونور وين؟ يوجد تفجير في لندن ارجعوا إلى البيت حالا"

"‏‏بنات هنالك تفجير في لندن"

الكل ارتعب وارتبك وبدأت ندى تبحث عبر أخونا "غوغل" إذا كان الخبر صحيحا، واكتشفنا أنه غير صحيح. هاتفت أمي وأخبرتها أن الخبر كاذب وأنها مجرد إشاعة. البارحة كانت أحداث "باريس" فالكل خائف وجالس في منزله. ‏ ‏هذه أول مرة أرى شوارع لندن هكذا فارغة من ساكنيها.

‏وبدأنا ‏نتجادل في الحديث، ندى أخبرتنا عن ‏مغامراتها في التدريس في جامعة "نورة" بالرياض. وبشاير ومشاعلي يتحدثان عن عملهما في مؤسسة والدهم للتعليم، ‏إذ أنهم يوفرون بعثا تعليمية ‏للطلاب الفقراء من منطقة "الشرق الأوسط" للدراسة في الخارج. وحصة تخبرنا عن حبها للفنون، فحصة من ‏العائلة المالكة ‏ولكن تواضعها معنا ينسيك أنها أميرة. وأخيرا، أختي نور تتكلم عن حبها للفندقة ودراستها للماجستير.

إحدى صديقاتي: "من قال إن الفتيات السعوديات لا يطمحون ولا يحبون الدراسة؟! نعم إننا لا نقود السيارات في المملكة، ولكن هذا لم يمنعنا أن نطمح ونتعلم. فالمملكة بها خير كثير وعلّمت شعبها على الأخلاق العالية. فدام عزك يا ملك سلمان".

يوم الجمعة 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015

خرجت من السفارة المصرية والحزن ‏يملأ قلبي والدموع في عيني. فقد تم رفض طلبي لتأشيرة لزيارة مصر. ‏عندما سألت الموظف عن سبب الرفض قال لي "جوازك سوري". ‏يا ترى هل لاحظوا أن لدي إقامة بريطانية وتأشيرتين إيطالية وأمريكية؟ ‏لماذا؟ لماذا؟ لماذا كلمة على لسان كل سوري. فقد أردت الذهاب إلى الغردقة لمدة يومين لحضور زفاف صديقتي. ولكن السوري ممنوع من الدخول إلى معظم البلاد ‏العربية.

‏الغرب فتح أبوابه للاجئين السوريين ونحن العرب أغلقناها بوجههم. لا نريدهم. ‏ليتنا نكون أمة عربية يقف أبناؤها مع بعضهم و يضمدون جراح بعضهم لكن هيهات...

‏مسحت دموعي وذهبت إلى المستشفى، يجب أن أجلس في العيادة مع الجراح.

"صباح الخير هيام إنك متأخرة ساعة".

آسفة أستاذ كنت في السفارة" ( في بريطانيا عندما تصبح جراحا يتحول لقبك من دكتور إلى أستاذ)

" أريدك أن تختاري ملفا من الملفات و تتحدثي مع المريض قبلي"

" حاضر أستاذ"

فاخترت أرق ملف وذهبت الى غرفة الانتظار وناديت "سلمى أحمد". وقفت بنت شقراء ووقف رجل عجوز بجانبها يبكي. سألته عن سبب بكائه فردت البنت "نو انغليش نو انغليش".

سألتها "هل تتكلمين العربية؟"

يا له من سؤال! توقفت الدموع واعتلت الابتسامة محياهما وبدأ الأب يهلل "الحمد الله.. جاءنا دكتور عربي".

‏‏

أخذتهما إلى العيادة وبدأت الحديث معهما، فسألت البنت "لماذا أتيت إلى المستشفى اليوم؟" ف‏قالت "عندما كنت في حلب قبل شهرين كان يجب أن أخضع لعملية لإزالة "الناسور" في ظهري ولكن بعدها اضطررت للحضور إلى لندن".

صعقت عندما عرفت أنهما من حلب. يا إلهي يا لها من صدفة! صدقت أمي فهي تقول دائما "يصحو الإنسان من النوم كل يوم ولا يعرف ماذا كتب الله له".

‏ ‏انتهى دوامي في المستشفى وعدت إلى المنزل. كلمت ‏أمي وقلت لها من قابلت في العيادة اليوم، فطلبت مني ألا أترك البنت واتصل بها أسبوعيا.

إنها عطلة نهاية الأسبوع، يا له من أسبوع! - بدأت ‏أشاهد فيلما ولكن توقف العرض ‏"خبر عاجل تفجير في باريس". ذهبت إلى "الفيسبوك"، فالكل غير صوره على صفحة "الفيسبوك" إلى العلم الفرنسي.

الخراب أصبح في كل مكان. والخوف ملأ بيوتنا. فلم يعد هناك مكان آمن في هذه الدنيا.

يوم الخميس 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015

صوت الأذان يرن في أذني، صوت جميل يهدئ القلب. استيقظت لصلاة الفجر - فعندما اغتربت في لندن وعدت أمي بألا أترك الصلاة أبدا.

صليت ثم أعددت كوبا من القهوة. فمنذ أن بدأت دراسة الطب منذ ست سنوات، أصبحت مدمنة عليها. وإذا حدث وأحجمت عن احتسائها أصبح إنسانا مجنونا. ثم استمعت إلى الأخبار وأنا أستعد للذهاب إلى المستشفى.

يسقط برميل

يطير هاون

يسبب انفجارا

ويموت البريء والمسكين.

تتشرد الشعوب، وتسبب قلقا في بريطانيا وألمانيا وهنغاريا والسويد.

أتمنى أن أسمع خبرا سعيدا. آه يا دنيا! لو أستطيع أن أعود إلى سوريا وأقبل أرضها. تمنيت لو لم تندلع الثورة. فأحزن على والدي الذي لم يفارقه الحزن منذ بدأت الأحداث. فلماذا يسمونه "الربيع العربي"؟

خرجت من الشقة مسرعة إلى القطار وذهبت الي "توتينغ" وهي منطقه شعبية جداً، وتُعد من أخطر المناطق في لندن. كل يوم أستغرب لماذا مستشفى وجامعة "سانت جورجس"؟ أحد أعرق مستشفيات العالم تقع في "توتينغ". ولكن كان لي الشرف أن أكون أول سورية تدرس الطب في لندن. عندما بدأت الدراسة عام 2009 قال لي عميد الجامعة "سيكون بلدك فخورا بك..." كان أملي أن أكون طبيبة ومن ثم أعود إلى حمص. فوالدي بنى لي مستوصفا. ولكن هذا الأمل أصبح رمادا مع الحرب.

ركضت إلى المستشفى، إذ يجب أن أكون في غرفة العمليات على الساعة السابعة والنصف. وقعت عيناي على الباب الأزرق مقابل المستشفى. ها هو المنزل الذي عشت فيه أول سنتين من الدراسة. عشت مع ثلاث بنات أخريات. تذكرت كيف تركت قصر والدي في جدة وأتيت للعيش في غرفة صغيرة على سطح البناية. أرضها لم تكن مستوية. فالمنزل كان مليئا بالفئران والحشرات. هذا المنزل علمني التواضع وكيفية التعامل مع الناس، كوني أنثي كنت أعيش في "جنة" والدي فكل شيء مكلف لي.

و لكن عندما عشت في "توتينغ" تعلمت كيف أصبح إنسانة تعتمد على نفسها. نعم اشتقت إلى حياة الرفاهية. ولكن الآن عرفت قيمة هذه الحياة.

دخلت المستشفى. إنه مكان غريب. البعض يغادر والفرح يغمر قلبه، وآخرون يغادرون والحزن يعصر قلبه. ذهبت إلى غرفة العمليات وسلمت على الجراح الأستاذ ماثيو كركور. فأول مريض يفحصه اليوم طفل عمره 7 سنوات سقط على رأسه مما تسبب له في نزيف في الدماغ.

" هيام هل ستبقين في البلد عندما تتخرجين بعد أشهر؟ لماذا لا تتقدمين بطلب للجوء؟".

دكتور آخر يطرح علي نفس السؤال. من الغريب أن رأس المريض مفتوح والطبيب يحزن على سوري. فالكل يحزن علينا.

تابعوا يوميات هيام الطالبة السورية المغتربة في لندن