#مائة_امرأة: أيام في حياة صحفية مصرية

أمل صالح مصدر الصورة Getty
Image caption أمل صالح، صحفية مصرية تتحدث عن أيام لا تنساها في حياتها

في اطار موسم #مائة_امرأة، الذي تخصصه البي بي سي للتركيز على تجارب النساء والتحديات التي يواجهنها في سعيهن لأثبات الذات، وتحقيق الطموح، طلبنا من أمل صالح، وهي صحفية مصرية شابة، ان تشارك قرائنا تجاربها عن أيام هامة في حياتها. أيام لاتنساها أمل، وشكلت جانبا مؤثرا من شخصيتها وخبراتها بالحياة. أيام جديرة بأن نتعرف عليها.

اليوم الخامس: كيف أصبح "فتاة مثالية"؟

أمي دائماً تحتفظ بدعوة واحدة ترددها دائماً "أتمني رؤيتك عروسا حتي يطمئن قلبي"، وكأن الزواج هو الضمان الوحيد لإطمئنان القلب او تحقيق الإستقرار، أو ربما هي الصورة المثالية لكل فتاة، لانها بذلك تثبت للمجتمع أنها فتاة "صالحة".

لم تكن كلمات أمي مجرد دعوات تتلي أو توجه إلى الله، بل أحيانا كانت تمارس كفعل، وأحيانا باستخدام طرق التمويه!. كثيراً ما كانت تحاول أمي نصب "الفخ" بلقاء مع زوج محتمل، وترتب موعد مع إحدى صديقاتها للقاء إبنها الكريم. كثيراً ما كانت تمارس كل سلطتها على شخصى بضرورة مقابلة شخص ما للتعرف عليه كزوج محتمل، لدرجة أنها ذات مرة وضعت مقابلتى لعريس محتمل في كفة، والسماح لى بالعمل فى كفة أخرى.

جميع محاولات أمي الحبيبة بائت بالفشل والحمد لله أمام أصراري علي عدم تلبية طلباتها، وذلك رغم إتباعها كافة أسايب الضغط، وآخرها كان خلال مرضها والذى كان تجربة لا تنسي. كانت تحاول أن تشدد علي بضرورة الزواج حتي تطمئن. لم تقل لم أمي أبدا اريد أن "أسعد بليلة زواجك" كانت دائماً تردد كلمة واحدة "الأمان".

انتهيت منذ زمن طويل من إثبات أن الفتاة عليها أن تحقق ذاتها أولا وتنجح في حياتها الشخصية حتى تشعر بالسعادة وتحقق هذا الأمان. يجب أن تكون الفتاة مستعدة لإنشاء أسرة صحية قادرة علي التركيز علي أهمية العقل والضمير قبل ان تتعلم كيف تطهو لهم فقط كما تعلمنا داخل منازلنا العربية. يجب أن تكون شخصا ناجحا حتى يفتخر بها أبناؤها، يجب أن تصبح "قدوه" كما الأب تماماً.

فرغت من محاولاتي تلك، بل والأكثر لم أعد أهتم برأي المجتمع. عندما أسافر لمنطقة ساخنة أسمع كلمة واحدة "أنتى فتاة، ألا تخافى؟" ، عندما أذهب لأي مصلحة حكومية أو حتى قطاع خاص أواجه سؤالا:" مدام أم آنسة؟" بدعوى تسهيل الحديث مع شخصى.

توقفت عن محاولاتى، ليس لأنني يأست من إثبات أننى إنسان ولكن لأني عندما أقرر الزواج سيكون من شخص بينى وبينه مودة ورحمة وإحترام كل منا لعقل وطموح الأخر. لأن العلاقة الزوجية سُميت بالزوجية لأنها بين طرفين كلاهما مسؤول بنفس القدر وعليه نفس الواجب تجاه الأخر وتجاة الأسرة ، دون تحميل طرف عبأ مضاعف عن الآخر.

أنهيت محاولاتى لأننى أكتشفت أنه مهما حاولنا مع المجتمع بالحديث فقط فهو أمر غير مجد، لذا قررت أن أواصل أهتمامى بالعمل علي تحسين ذاتي وتطوير قدراتي. أحاول أن أنجح وأكون شخصا جديرا بتربية أبنائى، وأنتظر فارس الأحلام.

اليوم الرابع: مشهد من الاحتقان السياسي في مصر

هناك أيام ربما تلخص أحوالا كثيرة نعيشها، ليس فقط كصحفيين، ولكن كأبناء وطن واحد. ربما مهنتنا كصحفيين تجعلنا أكثر تركيزا علي تلك المشاهد، ومحاولة فهمها وتحليلها.

في ليلة إنتخابات نقابة المحامين، أكثر النقابات المعروفة بسخونتها في مصر، والتي كانت في بداية شهر نوفمبر/تشرين الثاني، رأيت مشهدا ربما يعبر عما نمر به في مجتمعاتنا العربية، أو في وطننا، مصر.

كان هناك العديد من المرشحين علي مقعد نقابة المحامين، أغلب الأصوات كانت تذهب في إتجاهين تحديدا، منتصر الزيات صاحب الأيدلوجية الإسلامية، وسامح عاشور نقيب المحامين طيلة خمس دورات.

الاحتقان كان سيد الموقف بين حلفاء الطرفيين داخل نقابة المحامين. كانت هناك إتهامات دائمة بالتخوين والتزوير والدعوات لإبطال العملية الإنتخابية من الطرفين. الجميع كان في حالة شحن مستمر. كان الغضب واضحا علي وجوه جميع المحامين بلا إستثناء. كل طرف يحمل بداخله غضب في حالة فوز الخصم. كانت هناك همسات جانبية ومحاولات لإستقطاب وسائل الإعلام لإيصال رسالة واحدة، وهي أن الطرف الثاني هو المزور والخائن، لكننا كصحفيين كنا نحاول أن ننأي بأنفسنا عن تلك المصادمات ونكتفي بالرصد وإيصال الخبر كما هو دون أي رتوش أو إجتهادات.

إلا أن هذا البركان المستتر أوشك أن ينفجر في وجه زميل صحفي عندما كان يستعد للظهور علي شاشه تلفزيون المحطة التي يعمل بها، وكان يحيط به مجموعة من فنيي الصوت. هنا مر بالخطأ أحد المحامين أمام شاشة التلفزيون، وبشكل طبيعي وتلقائى حاول أحد الفنيين إبعاده عن العبور من أمام الكاميرات ممسكا زراعه بلطف، خاصة أن الزميل كان بالفعل يتحدث مع الأستوديو على الهواء مباشرة.

كان هذا حرفيا هو الفتيل الذى أشعل هذا المحامي. كيف يتجرأ هذا الفتي ويمنعه من العبور حتي لو من أمام الشاشة؟ اشعل المحامي الموقف وتضامن معه أغلب المحامين فى إفتعال مشادة أمام شاشة التلفزيون، لدرجة قالت معها مذيعة بهذه القناة أن هناك "إعتداء" من قبل نقابة المحامين علي مراسل هذة القناة المحلية، وهو بالفعل الخبر الذى أذاعتة في حينها، كارثة.

هذا المشهد ببساطة يلخص حال مصر الان، وهي حالة الإحتقان المستتر التي أصبحت بداخل الجميع. الجميع أصبح له سبب يدفعه للغضب، ولكنه لا يعبر عن هذا الغضب الأن ، لانه لا يستطيع بدافع البحث عن الإستقرار، أو بسبب ضغوط الحياة وارتفاع الأسعار، أو بسبب بطش أجهزة الأمن. أسباب قد تدفع إلي الأنفجار القريب علي أبسط الأسباب، رغم ان الغاضبين، ربما كانوا على حق.

اليوم الثالث: الطريق إلى شمال سيناء

فى الوقت الذى كان ينصب فيه نظر العالم على ميدان "رابعة العدوية" في القاهرة وقت فض أعتصام أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي فى أغسطس/آب عام 2013، أتجهت الى منطقة لاتقل سخونة في ذلك الوقت، الى شمال سيناء.

حديث الأهالي في سيارة الأجرة كان بدرجة حرارة شهر أغسطس/آب وربما أكثر سخونة. كلمات الركاب لم تتوقف عن سرد حوادث القتل المتكررة في شمال سيناء، والتى تستهدف المدنين قبل عساكر الجيش والشرطة. القتل انتشر بشكل "وبائي وغامض" في سيناء بعد عزل الرئيس المصري صاحب الأيدلوجية الإسلامية. شعور الأهالى بالعجز عن حماية أنفسهم أمام طلقات الرصاص العشوائية التى لا تنقطع في شمال سيناء كاف لقتلهم، فاغلب الأهالي لا يملكون وسيلة لحماية أنفسهم فى حاله الهجوم المسلح إلا أغلاق أبوابهم جيدا، والاعتماد علي الله، ثم أقرب كمين جيش.

كان جميع ركاب الحافلة المتجهة إلي هناك فى حالة خوف مستتر، يحاولون إخفاء مشاعرهم الظاهرة بالاستماع لآيات القرآن الكريم لدرجة اختلطت معها أصوات المشايخ الصادرة من هواتف المسافرين المحمولة، أو عن المذياع في السيارة.

السيدة التى جلست بجواري أذكرها جيدا، كانت طيلة الطريق دائمة الحديث عن خوفها من العودة بسبب حالة الارتباك فى سيناء. الجميع يعيش الخوف يوميا حتى داخل البيوت. قالت "لا يوجد شخص يشعر هناك بالأمان. ننتظر الموت فى أى لحظة. الحاجة للعمل وحدها تجبرنا علي العودة". بعد اقترابنا من حدود شمال سيناء أصيبت السيدة بحالة من الإعياء الشديد، إعياء بسبب الخوف لدرجة لم تستطع معها لدقائق حجب دموعها.

أيام لايمكن نسيانها أبدا خلال تغطيتي لبداية حقيقة المواجهات الأمنية مع الأرهاب. وقتها بدأت الجماعات المسلحة في الظهور في سيناء بشكل أكثر وضوحا، وبدأ معها المعني الحرفي للخوف. الوضع الأنساني والأجتماعي والأمنى في محافظة شمال سيناء كان، واعتقد أنه لايزال، صعب جدا. في كل منزل شهيد، وهناك أعداد كبيرة من الجرحى في المستشفيات، والكثيرون يختبأون خوفا.

"حبسنا في منازلنا، ونخشى من أن نقتل اذا خرجنا"، هكذا قال سيد عدلي، أذكر أسمه جيدا، كان يجلس خلفي في سيارة الأجرة الى شمال سيناء متحدثا بصوت مسموع عن أوضاعهم فى مدينة الشيخ زويد، والتى يمكن وصفها بمدينة أصابها الشلل بعد بدء أشتعال الأزمة فى سيناء.

ألتقط منه طرف الحديث هاشم أبو بكر، موظف محكمة، قائلا "أصبحنا نعتمد علي الإقتراض ومن يملك كسرة خبز يشاطرها مع جاره. معظمنا يخاف الخروج من منزله خوفا من طلقات الرصاص، وأحيانا نمنع من الخروج بسبب الإجراءات الأمنية المشددة، حتى أصحاب المعاشات لم تصرف لهم معاشاتهم منذ شهرين". حديثه كان يعبر عن ارتفاع ديون بعض الأهالي مما دفعهم لبيع ثروتهم الحيوانية بأقل من نصف ثمنها، ليس لمواجهة تكلفة الحياة اليومية، ولكن لتسديد ديونهم.

الأكثر ألما كان حديث إحدي الأمهات عن أطفال سيناء، اللذين كانوا يعيشون حالة من الرعب المستمر بسبب العمليات الإرهابية، حيث انتشرت بين الأطفال حالات الصرع الليلي وبعض الحالات العصبية. تقول احدى الأمهات "المسلحين يختبئون عندنا، ونحن لا نملك وسيلة لحماية أنفسنا" .

خوف الأهالي من عمليات الإرهاب المتكررة الموجهة ضد جنود وضباط الجيش والشرطة كان يدفع سائقي التاكسي وعربات النقل داخل سيناء كثيرا لرفض نقل الجنود والضباط، حتى بلباسهم المدني، خوفا من استهدافهم بعمليات تصفية يدفع السائق ثمنها، بلا ذنب.

اليوم الثاني: معاناة مع التحرش

التحرش تجربة لا أنساها أبداً. في كل مرة أشعر معها بالرغبة الشديدة في الصراخ بأعلى نبرات صوتي "حرام ".

صباح اليوم كان هادئا وعاديا في شارعنا بمنطقة إمبابة في القاهرة. "الحاجة" صاحبة محل الحلويات تبدأ يومها ببيع أشكال متنوعة من السكريات للأطفال المستيقظين من السادسة صباحا للذهاب الى المدرسة. تتداخل أصوات نباح الكلاب مع زقزقة العصافير في صباح كل يوم. أسير حتي نهاية الشارع وأقف بانتظار سيارة أجرة. كالعادة، دون أرادة مني، أستمع لبعض التعليقات الجنسية المتنوعة، بعضها يصف الجسد، والبعض الأخر يعلن عن رغبتة في لمس جسدي.

مع أقتراب كل "توكتوك "، وهو لمن لا يعرفه عبارة عن وسيلة نقل بسيطة أشبه بالدراجات النارية، أستعد لسماع كلمات غير لائقة. صباح اليوم أطلق أربعة من بين خمسة من قائدي "التوكتوك" الذين مروا بجواري، تعبيرات جنسية جارحة وصريحة، كما هي العادة الآن.

أحاول في كل مرة أن أعثر علي سيارة أجرة في أسرع وقت لكي أقفز في أى منها هربا من الشارع. ولكن في هذا الصباح تعرضت لأول مرة، ولا أعلم هل ستكون الأخيرة، للتحرش داخل السيارة ذاتها.

مواصفات سيارة الأجرة كانت جميعها تبشر بأنها أختيار آمن. كان الرجل مسنا، ويجلس صامتا وهادئا أغلب الطريق. لم أكن أتوقع أبدا أن يكون هذا السائق متحرشا. مظهر سيارة الأجرة كان عاديا جدا، ليس بالقديم ولا الحديث، اللهم الا وجود شاشة صغيرة جدا بحجم شاشة التلفون كانت معلقة أمام السائق.

دون ان يتلفظ السائق بأى كلمة، فتح الشاشة أمامه بعدما خرجنا من الحي الذي أسكن به، وأصبحنا نسبيا في شارع مواز للشارع الرئيسي. لم أشعر ولو لثانية بالقلق، في البداية لم ألحظ وجود هذه الشاشة إلا عندما إنتبهت الى أن السائق يقوم بتحريك صور علي الشاشة بسرعة تثير إنتباهي.

ألتفت في رد فعل طبيعي ولا أرادي، لأري صور فتيات عاريات تماما. صدمت، وكدت أصرخ من هول الصدمة. وجدتنى أفتح باب السيارة وأهدده إما بالوقوف فورا وإلا سأقفز من السيارة. هدوء الرجل كان قاتلا لأفاجأ به يفتح آلة حادة بيضاء ويقول لي "أخرسي، ولو صرختي ستقتلي".

لم أشعر بنفسي. لم أفكر لثانية واحدة، وأنا أقفز من السيارة. لحسن الحظ أن هذا الشارع الموازى رغم بعده قليلاً عن العمار، إلا أنه يجبر السائق علي التهدئة لوجود عدد من المطبات الصناعية. بعض الكدمات البسيطة التى عدت بها مهرولة متكأه علي نفسي خوفا من إغتصاب ربما كان محققًا.

مع كل تجربة تحرش أتعرض لها يزداد خوفي، ليس فقط من هذا المجتمع، ولكن يزداد خوفي علي إبنة أختي، جودي، الطفلة ذات الخمس سنوات. أفكر كثيرا: كيف سيكون رد فعلها عندما تتعرض لأول تجربة تحرش؟ كيف سيكون تصرفها؟ من سينقذها؟ لا أعلم، ولكن كل ما أعرفة أننى خائفة.

اليوم الأول: مواجهة مع الأسرة

أذكر جيداً أن علاقتي بوالدتي كانت جيدة جدا، كنت دوما أعتبرها إبنتي وأنا الأم. إلا أن هذه العلاقة تحولت تماما إلي علاقة مشحونة بالصدامات في الفصل الدراسي الثاني من عامي الأول بجامعة حلوان. كانت المواجهات تتجدد يوميا بيني وبين والدتي عندما قررت العمل في مهنة الصحافة.

في أحد أيام العام الدراسي الثاني تجدد الصدام بيني وبين أمي بكلمات لم أصمد أمامها طويلا وهي تصيح في وجهي "مافيش صحافة إحنا مش بتوع الشغلانة دي"، "هتفشلي"، "تخصصك هو علم النفس وليس الصحافة". وقتها لا أذكر إلا أنني بكيت وبكيت وبكيت. وعندما تماسكت قليلا وتسآلت "اذا لم تعملوا بالصحافة فربما أستطيع أنا أن أعمل بها". ربما لم تكن المرة الأولي التى أخلد فيها للنوم وانا منهمرة في البكاء.

أذكر جيدا في بدايات بحثي عن العمل في الصحافة أنني أعتمدت علي صديقي إياد، أبن الكاتب إبراهيم عبد المجيد، اذ كنت أذهب معه خلسة لمقار الصحف والمجلات هاربة من المحاضرات الجامعية. في البداية ذهبت الي مجلة "نونه"، مجلة للأطفال، التي تمتلكها الفنانة المصرية حنان ترك. لكنني أذكر جيدا أكتشاف أمي لعملي، بعد فشلي في العام الثاني الجامعي لعدم اهتمامي بدراستي. وقتها فوجئت بقرار حبسي في المنزل، لتبدأ رحلة "المواجهة " بيني وبين أهلي.

قررت أمي أن تحبسني في المنزل، وأن تحرمني من التعليم. كانت تقول "لو أحسنت تربيتك لما كنت على هذا الحال، هذه مهنة صاحبات السمعة السيئة". نعم كانت تري أن مهنة الصحافة هي مهنة "سيئات السمعة"، أو من تأخر بهن سن الزواج. أقامت في اليوم الأول من حبسي في المنزل محاكمة تضم أبي واختى الكبري أمانى، التي تضع نقابا، وأخي صاحب الاربعة عشر عاما وقتها، محمد.

أبي رجل عسكري لا يعرف التفاهم ، ومبدأه الحسم. أحيانا يلجأ الى العنف. يومها كان وجهة شديد الأحمرار، وكان يدخن بشراهة. كنت لا اسمع منه إلا كلمات محددة مثل " أنت فاشلة، ما الذي يمكن ان تنجزيه في الصحافة؟".

وقتها لم أملك سوي البكاء ، بكيت من قلبي بشدة ، حاولت إقناعهم أننى أحب هذه المهنة، وربما أستطيع النجاح بها. ، قلت لأبي "أعدك الا أقوم بشيء دون موافقتك، ولكن أتركني لكي أحاول النجاح في المهنة التي أحبها".

من وقتها بدأ الخلاف بيني وبين أسرتي. أذكر جيدا كم كان يؤلم هذا الخلاف جسدي. في هذا اليوم قررت الامتناع عن الطعام والشراب كمحاولة للضغط على أسرتي، وبقيت على هذا الحال أربعة أيام. كانت أمي في هذه الاثناء تصطنع القوة، إلا أنها لم تصمد كثيراً أمام ضعفي الجسدي وبكائي المستمر. أقتربت مني محاولة اقناعي أنها تفعل هذا لمصلحتي، ربما وقتها غفوت لأول مرة منذ عشرة أيام مرت على حبسي في المنزل.

توقعت أن تكون أمي أكثر وعياً بحقي خاصة أنني مثلها، أنثي، بل الأكثر من هذا أن أمي كانت أمرأة طموحا، وكانت تسعى لأكمال دراساتها العليا. لم أتوقع أن تقف ضدي بكل هذه الشراسة. الحقيقة أنني لم أعر أهتماما لرفض أهلي العمل بالصحافة، وواصلت عملي في المهنة التي أريدها.

ذهبت لمناطق حروب في سوريا وغزة والضفة الغربية وليبيا، والى مخيمات لاجئين. واجهت الموت، وصنعت قصصا عن الخبز والحرية، عن الألم والموت. لا أخجل مما فات، وأطمح جدا فيما هو آتً.