مذكرات سوريّة: عام مضى وآخر على الأعتاب

زخرت سنة 2015 بقصص وتجارب سوريين وسوريات تغيرت حياتهم جراء الحرب الطاحنة في بلدهم. فمنهم من بقي في بيته ومدينته يقاسي أجواء الحرب وويلاتها، ومنهم من التجأ إلى بقعة من بقاع الأرض احتماء من خطر محدق وموت محتوم.

جمعت البي بي سي العربية شهادات أربع سيدات سوريات تحدثن فيها عن تجاربهن خلال العام المنصرم، وما يأملن أن يجلبه لهن ولبلدهن العام الجديد.

كرام المصري - حمص

لقد شارف العام على الانتهاء ووطني ينزف دماً وصراعاً لا مثيل لهما.

Image caption "سنبقى كالشجر، نموت ولا ننحني"

أغادر منزلي صباحاً.. أصطدم بطفل يرتجف ناصية الرصيف بملابس بالية والبرد يلفح عظامه، ليبيع علباً من الحلويات البسيطة، يشتريها منه الأولاد الذاهبون لمدارسهم.

ألاحظ وجوه الناس يشوبها الشحوب، والبسمة فارقت شفاههم، فقلوبهم معتصرة ألماً على غلاء المعيشة أو فراق الأحبة وترك بيوت خاوية على عروشها. لم يعد ذلك الضجيج يملأ البلدة حيث أغلب الناس هاجروا لبلاد مختلفة طلباً للهدوء والحياة الآمنة.

أتشوق لصديقاتي ولزيارة قبر أمي وأبي. باتت المسافات بعيدة وشاقة. أتألم لأولاد يلعبون في الشوارع، ممتنعين عن الذهاب للدراسة، وعائلات كبيرة تعيش في غرفة واحدة.

تنطفئ أضواء السعادة في حياتنا ويبقى الأمل بالله يتجدد بولادة فجر جديد وحياة مطمئنة وهادئة. أستيقظ من أحلامي التي باتت مشتتة، تعكر صفوها أفكار ممزقة.

يجتمع الوجع والنار في أرض السلام. ولكن سنبقى كالشجر نموت ولا ننحني، وتبقى الآمال والأحلام تسكن قلوبنا بعودة النازحين واللاجئين الى ديار الخير والناس الطيبين.

هرمين بطال - لندن

افتتحت سنة 2015 بمغادرة منزلنا الذي عشت فيه طفولتي في حلب. قلوبنا تنزف حزناً على تركه.. متى سنعود؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ هل سيكون عندي صديقات؟ دخلنا الباص وتوجهنا إلى تركيا و من هناك سافرنا إلى لندن. أول ما وصلنا إلى تركيا رن هاتف أمي، وكانت المكالمة من عفرين.

" لك بيتكون راح! وقعت عليه قذيفة!" هللت أمي وحمدت الله وشكرته لأننا غادرنا ‏بأمان.

وصلنا إلى لندن، و الخوف ‏ينخر عظامنا. ‏كان أبي ‏ينتظر في المطار ليأخذنا إلى بيتنا الجديد جنوبي لندن. لاحظت ‏أن الناس في بريطانيا لا تضحك ولا تتكلم معك، على عكس ما نشأت عليه في سوريا حيث الضحك والتبسّم يعلو وجوه الناس أينما كنت.

Image caption "يا سنة 2016 كوني حنونة علينا فنحن شعب عبثت به الأقدار"

‏عندما غادرت حلب لم آخذ معي ملابسي، بل أخذت كل كتبي على أمل الإياب وإتمام الثانوية العامة.‏ احتضنتنا بريطانيا، والتحقت أنا و إخوتي في مدارس لتعلم اللغة ‏الإنجليزية. ‏درست و درست حتى تمكنت من ‏إتقانها، وآمل أن ألتحق بكلية الهندسة قريباً. و لكن في قلبي حزن شديد. إنني وحيدة ولا صديقات لي، وأشعر بنغصة كلما كلما ‏اتصل على صديقاتي في حلب لأنهن يحكين لي عن مغامراتهن في حياة بين الحرب والهندسة.

نقلتنا البلدية إلى بيت غرب العاصمة يبعد ساعتين عن مدرستي. مشواري اليومي طويل جداً، أغادر البيت في الخامسة صباحاً لأكون في الصف عند السابعة. تذكرني أمي كل يوم بالمقولة الشهيرة "أطلب العلم ولو في الصين." وكل يوم أسترجع ذكرياتي في حلب عندما كنت ‏أركب الباص إلى المدرسة، وكنا نغني ونرقص في الباص، أما الآن فكل ركاب القطار يلبسون وجوههم بالمقلوب.

‏سنة 2015 كانت سنة صعبة جداً. إنها سنة تركت فيها منزلي وعالمي وبلادي وأرضي. وها هي سنة جديدة علي الأبواب. آمل أن تجلب لي ‏الاستقرار في بيت واحد.. يا سنة 2016 كوني حنونة علينا فنحن شعب عبثت به الأقدار.

هنادي - السعودية

أحياناً نحتاج للوهم لنعيش خيالاً يجعلنا ننهض من تخبطنا في آلام الواقع.. تخيل بداية جديدة، صفحة جديدة، نحرق قبلها كل صفحات الماضي الأليمة وننسى.. كان هذا الوهم قوتي اليومي لثلاث سنوات. كل صباح كان بداية جديدة -وهم بداية جديدة- يعطيني الدافع للبقاء للاستمرار في حربي الطويلة مع الموت والألم.

لأعوام طوال كنت الفتاة ذات الوزن الزائد التي يسخر منها المجتمع ...لم أكن إلا استثناء ...لم أكن كما يريدون الأنثى قالباً.. بشخصيتي القوية المتمردة وقالبي الجسدي الذي تمرد على قواعد المجتمع.. لم أكن ضمن ما وُضع من قواعد . لطالما شعرت بالألم ...جرح عميق داخلي انتظر سنين طويلة. حاولت ما بوسعي لكي أتخلص من تعليقاتهم كلامهم الجارح ولكني لم أستطع.

Image caption "قد تكون هذه السنة بداية لحلم جديد"

بعد ثمان وعشرين عاماً اتخذت قراري في الوقت الخطأ، أجريت جراحة لإنقاص الوزن في الوقت الذي كانت بلادي تشوى على نار هادئة، وأجريت الجراحة التي ظننتها ستكون بداية رحلتي إلى عالم مثالي، وأكون فيه حسب القالب.

ولكن لم تكن تلك إلا بداية لدرب مؤلم وطويل، فبعد أسبوع من الجراحة بدأت سلسلة مضاعفات اقتضت المزيد من العمليات الجراحية وسببت لي آلاماً لا تعد ولا تحصى ووضعاً صحياً سيئاً انتهى بخسارة وزني كاملاً خلال ستين يوماً.

بعد خروجي من المشفى كانت مدينتي الصغيرة إحدى مدن الريف الدمشقي تحت وطأة الحرب وجبهة ساخنة من جبهاتها، فهربنا من نيرانها وبسبب وضعي الصحي وتردي الوضع الأمني تركت اختصاصي وسافرت إلى السعودية حيث كان زوجي يعمل، أملاً في تحسن وضعي الصحي وإيجاد فرصة عمل تساعد أهلي في تجاوز وضعهم الحرج

لم يتحقق أملي.. تدهورت صحتي مجدداً و دخلت المشفى مرات عديدة، وخضعت للمزيد من الفحوصات والعمليات الجراجية.. فترة عصيبة حملت أحلامي وآمالي وراء الشمس لتصبح حياتي رهن ظلمة القدر. وتم اعتقال أختي الصغيرة ووالدي في فترة واحدة من أواخر عام 2014 لتزداد همومي وآلامي وتذبل الفرحة في قلبي كما ذبلت زهرة عائلتنا وراء القضبان.

ربما لم يحمل عام 2015 سوى فرحة خروج والدي من المعتقل سليماً معافى. كانت سنة صعبة بكل المقاييس، سنة أمضيتها مريضة بعيدة عن أهلي في الوقت الذي يحتاجونني فيه سنداً معنوياً ومادياً باعتباري الابنة الكبرى.

سنة أمضيتها أقاسي المرض غريبة في أرض اعتبر فيها غريبة ...يمنع فيها زوجي الشخص الوحيد الذي يقف معي من البقاء معي في المشفى كونه رجلاً لا يحق له البقاء مع زوجته في قسم الحريم!! ولا يحق لزوجته أن تكون في غرفة خاصة !! أمضيتها في مشفى لا يحق فيها أن يصرف لي الغذاء الخاص بوضعي خارج المشفى كوني أجنبية !!ولا يحق لي دخول مشفى جامعي متخصص بحالتي أيضاً كوني أجنبية !!ولا يحق لي السفر لبلد أجنبي كوني سوريّة !لا أدري كيف ستنتهي هذه السنة، وحقاً لا أدري ما الأمل الذي تحمله سنة 2016. لكني كما قلت في البداية ...البداية دائما هي الوهم الجميل ...القوت الذي يملأ أرواحنا بالقوة للحياة.

ولطالما أغرتني البدايات قد تكون هذه السنة بداية لحلم جديد يزهر فيه بيتنا الكئيب بعودة صغيرتي للبيت من جديد، عودة أختي الشابة لتزهر في بيت ملأه الحزن لأعوام عجاف.. وقد تكون أيضاً نهاية لقصتي مع المرض أو مع الموت.

أعود فيها من جديد "هنادي " الطبيبة الحالمة بإكمال اختصاصها بجسد جديد، لتصبح طبيبة متخصصة في أمراض التنفس ...ولعل طفلاً وأمومة يكون إضافة جميلة لعمر تكلل بالحزن، لشابة أصبحت فجأة في خريف العمر وهي لم تعبر ربيعه بعد.

لين عقاد - بريطانيا

افتتحت سنة 2015 ‏برزق الله إياي مولودي الأول. حلم كل زوجة أن يقف زوجها إلى جانبها عند الولادة، لكن جوازه السوري حال دون ذلك بعد أن رفضت بريطانيا منحه الإقامة عدة مرات. لم تر ابنتي ليا أباها لمدة أربعة أشهر، و بعد معاناة المحاكم حصل زوجي على الإقامة و حضر إلى لندن.

Image caption "علمتني الحياة أن سر البقاء هو التفاؤل"

طوال السنة و أنا أشتاق لمنزل أبي الذي تربيت فيه بالشام، ولمنزل الزوجية الذي لم أره أبداً لأنه كان قيد البناء عندما تزوجت، وعندما سافرت لقضاء شهر العسل لم أستطع أن أعود إلى بلدي، فجئت إلى لندن بدون زوجي.

لم يكن مجيء زوجي هنا أمراً هيّناً، ولم يكن سهلاً عليه العثور على وظيفة لأن الشهادات الجامعية غير البريطانية غير معترف بها في الغالب.

علمتني الحياة أن سر البقاء هو أن نكون ‏متفائلين ‏دائماً. حبي للمجوهرات دفعني لتصميم حلي مستلهمة بالنقوش التي كنت أراها في مساجد الشام، وبدء تجارتي الخاصي بتصميم وبيع المجوهرات.

أتمنى أن تكون سنة 2016 سنة جميلة لي ولزوجي، وأن أرى المجوهرات التي أصممها تزين معاصم وأيدي الفتيات، وأن أعيش مع أبي وأمي في بلد واحد - وأن يعم السلام في أرجاء العالم.