عن عسكر مصر وتجاهل إسلاميِّي ليبيا وأصابع سيف المبتورة

اضطرابات مصر مصدر الصورة BBC World Service
Image caption يطالب المصريون المجلس العسكري بتسليم السلطة إلى المدنيين

الربيع العربي، وعبر الغضب البادي بوضوح على وجوه وفي عيون الشابَّات والشبَّان المصريين، يعود وبقوة ليتصدر مرَّة أخرى الصفحات الأولى في الصحف البريطانية التي تفرد اليوم مساحات واسعة لتغطية الاحتجاجات والاشتباكات التي شهدها على مرِّ الأيام الخمسة الماضي ميدان التحرير وسط العاصمة القاهرة، بالإضافة إلى ميادين وساحات في مدن وبلدات مصرية أخرى.

فعلى صدر صفحتها الأولى، تنشر الغارديان صورة كبيرة لآلاف المتظاهرين الغاضبين الذين ملأوا ميدان التحرير، وهتفوا مطالبين برحيل المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وذلك على خلفية موقفه من الاحتجاجات الأخيرة التي سقط فيها أكثر من 30 قتيلا وآلاف الجرحى على أيدي قوات الأمن والشرطة.

فتحت عنوان "السلطة للشعب؟ الجماهير تعود إلى التحرير"، تنشر الغارديان تحقيقها الرئيسي عن الأوضاع المضطربة في مصر، والتي تقول عنها الصحيفة إنها "تنزلق في أتون اضطرابات جديدة"، و"ترفض الجماهير فيها وعود العسكر".

يقول تحقيق الغارديان، الذي أعده مراسل الصحيفة، جاك شنكر، من قلب ميدان التحرير: "يحتاج المرء أن يسير 30 خطوة فقط لكي ينتقل من المدينة الفاضلة إلى عالم الواقع المرير في التحرير. ففي غضون ثوان قليلة فقط، بإمكانك أن تنتقل بين عالمين متناقضين: الأول مخضَّب بالدماء، ومعفَّر بالطين، ويملأ الغاز المسيل للدموع ربوعه، بينما تملأ العالم الآخر الرقصات الجماعية وأكشاك الذرة."

وينقلنا التقرير بعدها ما بين العالمين ليرسم لنا صورة عمَّا عاشته وتعيشه مصر من توتُّر وغضب ويأس بسبب ما آلت إليه أمور ثورتها التي أطاحت برئيسها السابق حسني مبارك في الحادي عشر من شهر فبراير/شباط الماضي، لكنها لا تزال تكابد للخلاص من نظام أرساه بقوة خلال العقود الثلاثة التي أمضاها في حكم بلاد الـ 85 مليون نسمة.

صحيفة الفايننشال تايمز هي الأخرى تتصدى للشأن المصري فتفرد أيضا مساحة على صفحتها الأول لتحقيق بعنوان "تعهُّد جنرالات مصر يفشل بتهدئة الاحتجاجات الجديدة في ميدان التحرير".

يقول التحقيق، الذي أعدَّه مراسلو الصحيفة في كل من القاهرة ولندن، إن الجنرالات الذين يحكمون مصر الآن وعدوا الليلة الماضية بتسريع عملية تسليم السلطة للمدنيين، لكن التفاتتهم تلك قد فشلت بتهدئة مئات آلاف المتظاهرين الذين ملأوا ميدان التحرير، وكأن المكان تحوَّل فجأة إلى مسرح يشهد إعادة عرض مسرحية مظاهرات الإطاحة بمبارك من جديد.

حديث الصور

أمَّا حديث الصور، فكان الأبلغ. فعلى الصفحة الأولى من الفايننشال تايمز، نطالع صورة كبيرة لمجموعة من الشباب الغاضب، وقد راح بعضهم يرشق قوات الأمن بالحجارة، بينما جهد آخرون لاتِّقاء ضرر الغاز المسيل للدموع الذي ملأ المكان.

وعلى الصفحتين الرابعة والخامسة من الصحيفة نفسها نطالع أيضا تحقيقات مصوَّرة أخرى، يلفت الانتباه أحدها وقد جاء بعنوان "طلاَّب أمريكيون متَّهمون بإلقاء القنابل الحارقة".

وفي التفاصيل نقرأ أن السفارة الأمريكية في القاهرة تحقق بحادثة اعتقال ثلاثة طلاَّب أمريكيين يدرسون في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وتتهمهم السلطات المصرية الآن بإلقاء القنابل الحارقة على قوَّات الأمن في ميدان التحرير.

صحيقة الإندبندنت هي الأخرى تتناول الشأن المصري اليوم بإسهاب وتفصيل، فتنشر على صفحتها الأولى تحقيقا بعنوان "المجلس العسكري في مصر يتراجع بوجه الاحتجاجات الجماهيرية الجديدة".

وعلى الصفحة السابعة عشرة من الصحيفة، نطالع رسما كاريكاتيريا ساخرا لهرم "أبو الهول" وقد قُطع رأسه للتو، واستُبدل برأس جنرال، لعله المشير طنطاوي الذي حلَّ محل مبارك، في إشارة إلى رغبة العسكر بالوصول إلى السلطة في مصر.

مصر والأسد والصمت

وتحت صورة كبيرة لحشد من المحتجين الذي راحوا يحملون نعشا لأحد المتظاهرين الذي سقطوا في اشتباكات ميدان التحرير، نطالع مقالا تحليليا في الإندبندنت لمراسل الصحيفة في الشرق الأوسط، روبرت فيسك، بعنوان "الأزمة المصرية تمنح سورية وقتا للحديث عن الديمقراطية".

يقول فيسك في مقاله: "بينما كان القادة الغربيون، ومعهم قطر، يطاردون الرئيس السوري بشار الأسد بسبب قمعه لمظاهرات المعارضة، تأتي الأزمة الأخيرة في المدن المصرية حيث يقمع الأمن مظاهرات المعارضة التي تريد من الجيش أن يمتثل لمطالبها بانتخاب برلمان ديمقراطي حقيقي، والتوقف عن لعب دور الوصي على الدستور الجديد."

ويضيف الكاتب: "بالطبع إن سورية ليست مصر. وهذا، على ما أعتقد، سبب ذلك السكوت، والذي يشبه صمت الفئران، لدى كلٍّ من أوباما وكلينتون وكاميرون وساركوزي وأمير قطر حيال الأحداث في القاهرة."

ويتابع بقوله: "إن هذا يعطي دمشق المزيد من الوقت للحديث عن الديمقراطية وسياسة التعددية الحزبية، والدستور الجديد، بينما يقوم الجيش بمقارعة التمرُّد المسلَّح الذي انتشر في حمص، تلك المدينة التي أضحت مركزا لحرب طائفية شرسة."

تجاهل الإسلاميين

وتحت عنوان "رئيس الحكومة الليبي يزدري الإسلاميين بمجلس وزراء ليسرَّ الغرب"، نطالع في الغارديان تحقيقا لمراسل الصحيفة في طرابلس، كريس ستيفان، بالاشتراك مع لوك هاردينغ، ونقرأ فيه:

"لقد وضع رئيس الحكومة الليبي، عبد الرحمن الكيب، ليبيا على طريق الديمقراطية الوعر، والمليء بالمطبَّات، وذلك عبر تسميته مجلس وزراء من العلمانيين، متجاهلا بذلك إسلاميين بارزين."

ووفقا للتقرير، فإن "أكبر مفاجأة" في قائمة أسماء الوزراء في حكومة الكيب كان ورود اسم أسامة الجويلي، قائد المجلس العسكري لثوار الزنتان، والذي أُسندت إليه حقيبة الدفاع.

فقد كان من المتوقَّع أن تذهب حقيبة وزارة الدفاع إلى الإسلامي عبد الحكيم بلحاج، القائد العسكري لمجلس ثوار لطرابلس، والذي كان قد سطع نجمه عندما قاد عملية "فجر عروس البحر" التي سقطت على أثرها العاصمة مع سيطرة الثوار على باب العزيزية، مقر الزعيم الليبي السابق معمَّر القذافي.

وتنقل الصحيفة عن مصادر في الزنتان، الواقعة غربي البلاد، قولها إن قيادة البلدة طلبت منصبا وزاريا لبلدتها مقابل تسليمها سيف الإسلام، نجل القذافي، والذي كان قد أسره ثوار الزنتان في منطقة تقع جنوب غربي البلاد يوم السبت الماضي، ولا يزال معتقلا في موقع سري فيها بانتظار تقرير مكان محاكمته.

أمَّا المفاجأة الثانية، يقول التقرير، فكانت إسناد وزارة المالية إلى حسين زقلام، وذلك على حساب علي الترهوني الذي كان يمسك بملف النفط والغاز والمال في المجلس الوطني الانتقالي الليبي طوال الفترة الماضية.

وتنقل الصحيفة أيضا عن مصادر رفضت الكشف عن هويتها قولها إن ثمة بوادر توتُّر وخلاف بدأت تلوح في الأفق حيال التشكيلة الحكومية الجديدة، إذ يبدو أن هنالك أعضاء في المجلس الوطني "غير سعداء"، وقد بدأوا بفتح باب النقاش من جديد في أعقاب التوصل إلى اتفاق بشأن أسماء الوزراء في الحكومة الجديدة.

وتقول المصادر نفسها: "هنالك البعض ممَّن لا يوافقون على بعض الأسماء."

مصدر الصورة Reuters
Image caption تصرُّ محكمة الجنايات الدولية على التنسيق معها لضمان محاكمة عادلة لسيف القذافي

مفاجآت أخرى

ومن المفاجآت الأخرى التي كشفت عنها حكومة الكيب كان نأيها الواضح عن إعلان رئيس المجلس الوطني الليبي الانتقالي، المستشار مصطفى عبد الجليل، يوم "تحرير ليبيا" بأن الشريعة الإسلامية ستكون مصدر التشريع في البلاد.

أمَّا الخلاف الآخر الذي يتحدث عنه التقرير، فكان بشأن دور القضاء الليبي في محاكمة سيف الإسلام وصهره، رئيس الاستخبارات السابق عبد الله السنوسي، والذي تصرُّ محكمة الجنايات الدولية في لاهاي على التنسيق معها بشكل كامل لضمان محاكمة عادلة لهما، لطالما أن كليهما مطلوب أمام المحكمة الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في ليبيا.

وترفق الصحيفة التقرير بصورة كبيرة يظهر فيها سيف الإسلام جالسا داخل منزل "آمن" في الزنتان وقد أحاط به عدد من آسريه، وفي الأسفل صورة لليبيٍّ آخر هو يوسف صالح الحطماني، دليل الصحراء الذي أراد سيف الإسلام الاستعانة به للهروب إلى النيجر، لكنه قرر بدل ذلك إبلاغ السلطات الليبية الجديدة عن مكان وجوده.

وفي موضوع ذي صلة، تنقل الغارديان عن مسؤولين ليبيين قولهم إن خميس، النجل الأصغر للقذافي، والذي كانت التقارير قد ذكرت أكثر من مرة أنه قُتل، لا يزال في الواقع حيَّا يُرزق وهو محاصر في بلدة ترهونة الواقعة على بعد حوالي 60 ميلا جنوبي طرابلس.

ويقول المسؤولون إن اعتقال خميس لربما أصبح وشيكا، وأن شقيقه سيف ربما يكون هو من أبلغ السلطات الليبية الجديدة عن مكان اختبائه.

الحطماني أبلغ عن سيف

صحيفة الديلي تلغراف تنفرد بلقاء مع الحطماني تنشره بعنوان "رجل القبيلة الذي تخلَّى عن المليون مقابل المساعدة على أسر سيف القذافي".

يكشف الحطماني، وهو دليل من قرية برقان الواقعة في جنوب الصحراء، أن سيف القذافي ورفاقه الأربعة عرضوا عليه مبلغ مليون يورو (حوالي 1.34 مليون دولار أمريكي) مقابل نقلهم إلى المنطقة الحدودية مع الجزائر والنيجر.

لكن الحطماني آثر أن يتوجَّه إلى أقرب موقع كان ترابط فيه مجموعة من ثوار الزنتان، فأبلغهم بالأمر، ليهبُّوا بعدها إلى المكان وليلقوا القبض على نجل القذافي ورفاقه الأربعة.

وتنقل الصحيفة عن الحطماني قوله: "لقد عُرضت عليَّ الملايين، لكن كل الأموال التي يملكونها لن تشتري حصاةً أو حبَّة واحدة من رمالنا أو قطرة واحدة من دماء شهدائنا."

أصابع سيف المبتورة

أمَّا في التايمز، فنطالع تحقيقا عن أصابع سيف المبتورة، تلك الأصابع التي تقول الصحيفة إنها امتدت يوما لتهدِّد الليبيين في بداية انتفاضتهم ضد نظام أبيه، فقرَّر آسروه أن يبتروها قصاصاً منه لفعلته تلك.

وتنقل الصحيفة عن شخص اسمه عبد الله، وهو أحد ثوَّار الزنتان، لبرنامج "المشهد الليبي" قوله: "لقد شهدت بأمِِّ عيني أصابع سيف وهي تُبتر."

شأن عراقي

وعن الشأن العراقي، نطالع في الإندبندنت تحقيقا بعنوان "العراقيون يكسبون حكم المحكمة ضد وزارة الدفاع البريطانية."

يقول التحقيق إن مدنيين عراقيين، قالوا إنهم عُذِّبوا على أيدي القوات البريطانية، قد كسبوا قضية تلزم وزارة الدفاع البريطانية بإجراء تحقيق بقضية إساءة معاملتهم المزعومة.

وقد أفردت الغارديان أيضا مساحة كبيرة للموضوع ذاته فعنونت "سجناء عراقيون يكسبون معركة قضائية بشأن مزاعم سوء المعاملة".

يقول تحقيق الغارديان: "قد يفتح استئناف الحكم الطريق أمام إجراء تحقيق علني كامل."

المزيد حول هذه القصة