محادثات أستانة: الجماعات المسلحة السورية طرف جديد في اللعبة

محادثات السلام السورية: الجماعات المسلحة طرف جديد وسط تغير في قواعد اللعبة مصدر الصورة AFP
Image caption المشاركون في محادثات أستانة يجب أن يكونوا مستعدين لتحمل الطقس شديد البرودة للوصول إلى هناك

هناك مكان جديد ووسطاء جدد ومفاوضون جدد، لكن السؤال هو: هل المحادثات السورية هنا في أستانة، عاصمة كازاخستان، يمكن أن تنجح في تسوية المشاكل القديمة المعقدة؟

يقول دبلوماسي غربي منخرط في القضية السورية على مدى السنوات العديدة الماضية: "كل شيء تغير منذ حلب (سقوط حلب في يد قوات الحكومة). هناك معادلة جديدة."

الهزيمة القاسية التي مُنيت بها المعارضة في حلب في ديسمبر/كانون الأول الماضي سلبتها أبرز معقل لها فتغيرت قواعد اللعبة مرة أخرى.

وخلف الكواليس، في أنقرة، نجح تحالف روسي تركي جديد في التوصل لاتفاق لإنهاء المواجهات الأخيرة في حلب، أكبر مدن سوريا.

مصدر الصورة AFP
Image caption الرئيسان بوتين (يسار) وأردوغان (يمين) اتخذوا زمام المبادرة من لاعبين رئيسيين آخرين في الشأن السوري

وتأمل تركيا وروسيا الآن، الذي كان تحالفهما أمرا مستبعدا إذ يدعم كل منهما أطرافا مختلفة في الحرب السورية، في إعادة رسم الخريطة السياسية الجغرافية لسوريا.

وقد تباحث الطرفان مع قادة من جماعات المعارضة المسلحة سرا في أنقرة. والآن، فإنهما ينتقلان بهذه الصيغة إلى أستانة، في أول محادثات يجلس فيها ممثلو الجماعات المسلحة على طاولة المفاوضات، بدلا من المعارضة السياسية السورية.

وقال أحد المسؤولين المقربين من المحادثات إن "الجماعات المسلحة أصبحت أطرافا متحاورة الآن (في المفاوضات)".

في بادئ الأمر، أُعيد رسم ساحة المعركة بعد أن تقربت تركيا من روسيا، اللاعب العسكري الأجنبي الرئيسي في سوريا.

ولا يزال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يؤكد ضرورة رحيل الرئيس السوري بشار الأسد من السلطة في نهاية المطاف.

مصدر الصورة AFP
Image caption عمال يزيلون الثلوج من شوارع أستانة قبيل انطلاق المحادثات

لكن في الوقت الحالي، يريد أردوغان دعما روسيا في ظل تركيزه على عدوه الرئيسي، وهو المقاتلين الأكراد في سوريا المرتبطين بحزب العمال الكردستاني الذي يسعى إلى إقامة إقليم مستقل للأكراد على الحدود.

وعلى الجهة الأخرى، فإن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تطلّع إلى تركيا من أجل إقناع الجماعات المسلحة بالتخلي أخيرا عما أصبحت معركة خاسرة للسيطرة على حلب، بعد أن شن الجيش السوري، مدعوما بروسيا ومجموعة من الميليشيات الموالية لإيران، هجوما ضاريا على المدينة التي تُعد آخر معقل حضري كبير للمعارضة.

وفي ديسمبر/كانون الأول استمتع الرئيسان بهيبتهما الجديدة أمام العالم بعد أن نجحا في إجلاء مقاتلي المعارضة والمدنيين من حلب، ثم التوسط في اتفاق لوقف إطلاق النار في أنحاء البلاد وإن كان اتفاقا جزئيا وغير كامل.

استبقت تركيا وروسيا غيرهما من اللاعبين الرئيسيين في الحرب السورية، وأبرزهم الولايات المتحدة، قبل دخول الرئيس الجديد، دونالد ترامب، إلى البيت الأبيض.

والآن، تنقل محادثات أستانة العملية السياسية المعقدة بشأن سوريا إلى فناء خلفي لروسيا، إذ تطمح كازاخستان منذ فترة طويلة إلى لعب دور وسيط في هذه الأزمة وغيرها من الأزمات.

الشعار الذي يرفعه المسؤولون الروس والأتراك في أستانة هو أن كل منهما يلعب دورا مكملا، وليس تنافسيا، في المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة في جنيف، ومن المقرر أن تستأنف الشهر المقبل بعد سنوات من الفشل في تحقيق تقدم حقيقي.

وأوضح مسؤول تركي أن "جدول الأعمال يهدف إلى تعزيز اتفاق وقف إطلاق النار، وبناء الثقة، والتمهيد لمحادثات جنيف الثالثة الشهر المقبل."

مصدر الصورة Getty Images
Image caption جماعة فتح الشام هي واحدة من الجماعات المدرجة على قائمة الأمم المتحدة للجماعات الإرهابية، واستُبعدت من المشاركة في المحادثات

لكن هناك تغيرا في المواقف.

ويرى الكاتب والصحفي السوري، حسن حسن، أن "روسيا تريد حلا عسكريا مقنعا في شكل حل سياسي".

وأضاف أن هذا هو هدف "نقل المحادثات إلى أستانة بعد جنيف"، في إشارة إلى المحادثات السابقة التي مُثلت فيها المعارضة بالهيئة العليا للمفاوضات، وهي ائتلاف المعارضة السياسية الرئيسي في سوريا.

وكانت نقطة الاعتراض الواضحة من جانب موسكو ودمشق منذ فترة طويلة هي "لماذا نتحدث إلى السوريين الذين يقضون وقتهم في فنادق خمس نجوم، بينما نحتاج إلى التحدث إلى السوريين الذين يحملون السلاح على الأرض".

ويؤكد أعضاء المعارضة السياسية منذ فترة طويلة بأن لديهم الخبرة والفهم المطلوب للمشاركة في المحادثات الشاقة مع الحكومة، بشأن مستقبل سياسي جديد في سوريا.

وقالت بسمة قضماني، عضو الهيئة العليا للمفاوضات، إن "محادثات أستانة أمر جيد"، لكنها أكدت أن "الجماعات العسكرية يجب عليها أن تُلزم نفسها (بمناقشة) القضايا العسكرية فقط."

وقال دبلوماسي منخرط في العملية السياسية في سوريا: "هذه لحظة دقيقة للغاية للهيئة العليا للمفاوضات، وهناك مخاطر من أن تُصبح مهمشة."

مصدر الصورة AFP
Image caption دبلوماسيون يقولون إن سقوط حلب أدى إلى معادلة جديدة في المحادثات السورية

كما تعني محادثات أستانة الابتعاد عن العملية التي صاغتها السعودية، مدعومة بدول خليج أخرى، والتي ليست طرفا في هذه المبادرة الجديدة، ولم تُدع للمشاركة في محادثات العاصمة الكازاخية.

ومع بدء محادثات أستانة، يقول مصدر دبلوماسي إن هجوما مضادا لإطار محادثات جنيف قد بدأ.

وأرسل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الذي يُقال إنه "منخرط بشدة" في الملف السوري، كبير مبعوثيه لسوريا، ستيفان دي ميستورا، إلى محادثات أستانة بالرغم من عقد الاجتماعات على مستوى فني، وليس وزاريا.

واعتبر مبعوثو الحكومات الأوروبية لسوريا، ومن بينها بريطانيا، والتي لم تُدع رسميا للمشاركة، أن الذهاب إلى كازاخستان والمشاركة في المفاوضات فكرة جيدة.

ولا يمكن لأي شخص التنبؤ بمصير هذه المفاوضات، والنتائج التي قد تفضي إليها، أو حتى الأطراف التي يجب أن تجلس إلى طاولة التفاوض.

وأرسلت معظم الجماعات المسلحة الرئيسية، بعد أسابيع من النفي والتردد، ممثلين لها إلى أستانة. ويواجه بعضها ضغطا من تركيا، التي تسيطر على خطوط الإمداد الحيوية لهذه الجماعات على طول الحدود.

لكن حركة "أحرار الشام"، أحد أكبر الجماعات الإسلامية، لا تشارك في هذه المحادثات بسبب رفض من عناصرها الأكثر تشددا.

مصدر الصورة AFP
Image caption الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، يراقب عن كثب مدى التقدم الذي يمكن أن تحرزه محادثات أستانة

كما استُبعد لاعبون مؤثرون آخرون، من بينهم الجماعات الكردية السورية المقاتلة، وجبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) المدرجة على قائمة الأمم المتحدة للجماعات الإرهابية.

وعلى الجانب الآخر، أرسلت الحكومة السورية ممثلين أمنيين، بالإضافة إلى مندوبين آخرين يقودهم مبعوثها لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، الذي يلعب نفس الدور في محادثات جنيف.

وشهدت الأيام الأخيرة التي سبقت محادثات أستانة خلافا علنيا بين تركيا وروسيا من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، وهي لاعب رئيسي في هذه العملية، بسبب رفض طهران مشاركة الولايات المتحدة في هذه المحادثات.

وقال مسؤول تركي: "لقد قلنا مرارا، وهذا هو الموقف الروسي أيضا، بأننا نود مشاركة الأمريكيين (في المفاوضات)".

وأُرسلت دعوة إلى الولايات المتحدة في اللحظة الأخيرة، وستشارك بسفيرها لدى كازاخستان لكن بصفة مراقب.

وتمثل محادثات أستانة بداية لعملية جديدة، لكنها غير ناضجة بعد، ويجب عليها معالجة المنافسات القديمة، والمصالح والأهداف المتنافسة.

مصدر الصورة AFP
Image caption مبعوث الأمم المتحدة لسوريا ستيفان دي ميستورا (يمين) يشارك في المحادثات التي تستضيفها كازاخستان، ووزير خارجيتها خيرت عبد الرحمنوف

وسيتعين على روسيا وتركيا في نهاية المطاف مواجهة خلافاتهما الرئيسية، ومن بينها دور الرئيس الأسد في أي عملية انتقال سياسي.

هذه حرب لا تزال متشابكة، ولا يمكن التنبؤ بنتائجها، في بلد لا يزال فيه تنظيم الدولة الإسلامية لاعبا رئيسيا في ساحة القتال.

ويصف مسؤول تركي التحول في أولويات بلاده بشأن سوريا قائلا: "من الأفضل التركيز على ما يمكن عمله معا اليوم، بدلا من الأشياء التي سنختلف عليها غدا."

وفي اللحظة الحالية، فإن هذا المحور الجديد يمثل نقطة تحول رئيسية في حرب شهدت الكثير من المنعطفات والتحولات.

المزيد حول هذه القصة