"غارمات" مصر: أحزان وراء القضبان

أميمة
Image caption أميمة أول غارمة تخرج من السجن بعد تسديد ديونها ومعها نوال مصطفى رئيسة جمعية رعاية أطفال السجينات

تتعرض المرأة المصرية لضغوط متنوعة، لعل أبرزها الضغوط الاقتصادية، والتي تندرج تحتها ظاهرة الغارمات أو سجينات الفقر، التي يكاد يندر وجودها في أماكن أخرى في العالم.. فما هي حكاية ظاهرة الغارمات؟

الغارمات في مصر هن السجينات لعدم القدرة على سداد الدين، الذي قد يكون صغيرا. وهن لسن مجرمات متهمات بالقتل أو المخدرات أو السرقة، فجريمتهن هي الفقر.

هالة، وهو ليس اسمها الحقيقي، البالغة من العمر 63 عاما، أرملة ولديها ستة أبناء، وهي متهة بقضية إيصالات أمانة ومحكوم عليها بالسجن لمدة عامين.

حالها كحال أى أم مصرية بلا عائل وبدون مصدر رزق، سعت لتجهيز إحدى بناتها للزواج، فكانت توقع على إيصالات امانة وكان الضامن ابنها "أ" البالغ من العمر 28 سنة. لكن مع ضيق الظروف المعيشية، تعثرت فى سداد الأقساط فتراكمت عليها، فتقدم الدائن بشكوى ضدها هى وابنها، وحُكم عليها بالسجن لمدة عامين، وكانت قيمة الدين 5500 جنيه مصري.

وكوثر، وهو ليس اسمها الحقيقي، أيضا دخلت السجن لنفس السبب، وتقول إنها السبب هو استدانتها مبلغ 13 ألف جنيه مصري، وقد حاولت التفاوض مع التاجر الدائن لكنه رفض، فصدر الحكم بسجنها سبعة أشهر. وتقول إن سبب توقيعي على إيصال الأمانة كان إعدادي لعش الزوجية، إذ أصر التاجر على توقيعي أنا على الإيصال وليس زوجي، حتى أكون ورقة ضغط عليه. وتضيف أن زوجها، الذي دخلت السجن بسببه، تخلى عنها ولم يقف بجوارها في محنتها، فطلبت الخلع منه.

وتقول نادية، وهو ليس اسمها الحقيقي كذلك إن:"حكما صدر ضدي بالسجن لمدة 16 عاما، لاستدانتي لإجراء عملية جراحية في عين ابني. لكن بفضل تدخل جمعية رعاية أطفال السجينات خرجت بعد ستة أشهر فقط في السجن."

وهناك حالات كثيرة مشابهة، إذ تحول الأمر في مصر إلى ظاهرة خطيرة يصعب حصرها في أرقام، نظرا لحدوثها باستمرار. وهي ناجمة عن مجموعة من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وذلك بحسب الكاتبة الصحفية نوال مصطفى، رئيسة جمعية رعاية أطفال السجينات في مصر.

وقالت مصطفى:" إن هذه الظاهرة ترتبط بشكل كبير بالنساء، لأن التاجر يشترط أن توقع زوجة المدين أو أمه على الإيصال لضمان السداد." كما ترتبط هذه الظاهرة "بالفقر، والحاجة، والعادات الاجتماعية المتعلقة بالزواج، وبعض النصوص القانونية المرتبطة بإيصال الأمانة والجهل بها."

وأضافت مصطفى: "إن مؤسسة رعاية أطفال السجينات عملت جاهدة على مساعدة سجينات الفقر، وهو التوصيف الذي أفضله على الغارمات، لتسوية قضاياهن وإخراجهن من السجن وتأهيلهن نفسيا وإعدادهن للعمل بعد السجن. كما دعت الجمعية للتخلي عن العادات الاجتماعية البالية الخاصة بتجهيز البنات للزواج، بشكل يفوق القدرة المادية لأسرتها. وقد أطلقنا مؤخرا حملة لمراجعة وتغيير القوانين التي تساعد على تفشي هذه الظاهرة، فنحن بحاجة لثورة قانونية، إذ أن جذور المشكلة قانونية."

Image caption غارمات يتلقين تدريبات على الخياطة ليتأهلن للعمل بعد مغادرة السجن

وأشارت إلى أنه تم بالفعل تكوين تحالف بين عدد من الجمعيات القانونية والحقوقية، والمؤسسات المعنية بالمرأة والأسرة والطفل، وقطاع حقوق الإنسان بوزارة العدل، وقطاع حقوق الإنسان بوزارة الداخلية، تحت اسم التحالف الوطني لحماية المرأة بالقانون.

ودعت إلى إلغاء عقوبة الحبس في قضايا العجز عن تسديد الديون، واستبدالها بعقوبات مدنية تحت رقابة الأجهزة الأمنية، بدلا من تشريد الأطفال وهدم الأسر.

قوانين مطلوب مراجعتها

وأوضح نادر عيسى، المسؤول الإعلامي بمؤسسة رعاية أطفال السجينات، أنه من المطلوب، وعلى نحو عاجل، مراجعة القوانين المتعلقة بسجينات الفقر وأطفال السجينات وأهمها:

  • تعديل المادة الخاصة بإيصال الأمانة في القانون المصري، وهي المادة 341 من قانون العقوبات، التي أصبحت سيفا مسلطا على رقاب الفقراء. وقد انتشر التعامل به في المناطق العشوائية لدرجة أنه أصبح بديلا عن عقد إيجار الشقق.
  • شطب السابقة الأولى التي تسجن فيها المرأة بسبب إيصال الأمانة من صحيفتها الجنائية، حتى لا تقف عائقا أمام بدء حياة جديدة.
  • تعديل القانون بحيث يتم تأجيل تنفيذ الحكم على المحكوم عليها حتى تلد ويكمل رضيعها عامين، ثم تطبق العقوبة، وذلك حماية للطفل ورحمة بالأم.
  • تفعيل مادة في القانون تنص على جواز تأجيل تنفيذ الحكم على أحد الأبوين، إذا كانا محكومين في نفس القضية، في حالة وجود أطفال قصر. ثم تنفيذ الحكم على الثاني بعد انتهاء الأول من العقوبة.

وتضيف مصطفى: "لكننا لن ننتظر حتى تتم مراجعة هذه القوانين، فقد أطلقنا مبادرة "ما تمضيش، لا للتوقيع على بياض" لتوعية سجينات الفقر المحتملات، ووقايتهن من الوقوع في أخطاء قانونية وقعت فيها نساء في مثل ظروفهن."

أطفال وراء القضبان

وتقول نوال مصطفى إن تاريخها مع هذا الملف بدأ عام 1990، لدى زيارتها لسجن القناطر لإعداد قصة صحفية. ووقعت عيناها على أطفال أبرياء، لتطلق حينئذ حملة "أبرياء في سجن النساء" لتوفير الألبان والملابس والبطاطين والمواد الغذائية لهؤلاء الأطفال، الذين لم يكن مرصودا لهم ميزانية. بل إن بعضهم يولد في السجن ولا تُستخرج له شهادة ميلاد لعجز الأمهات الفقيرات عن دفع الرسوم المطلوبة حينئذ، وقدرها 40 جنيها مصريا.

Image caption الكاتبة نوال مصطفى أثارت قضية أطفال السجينات في عام 1990

وتقول مصطفى:" اقتربتُ أكثر من حياة السجينات. وكانت إجابة أغلبهن على سؤالي: ما هي تهمتك؟ "تهمتي إيصال أمانة". وكم المبلغ الذي وقعتي عليه؟ "ألف .. أحيانا ألفان .. ثلاثة وربما عشرة". صدمتني الحقيقة لأبدأ مشواري عن هؤلاء اللائي أطلقت عليهن سجينات الفقر. وكانت الشرارة الأولى لمشروع مؤسسة رعاية أطفال السجينات هو إطلاق سراح أميمة، أول سجينة فقر تخرج من سجن النساء عام 2007، وذلك بعد ستة أشهر من دخوله. وشملت الإجراءات مصالحة قانونية في المحكمة، أقر فيها الدائن بتسلم ماله بعد تبرع أهل الخير للسجينة."

وكانت أميمة قد ضمنت والدها، العامل باليومية، فوقعت على إيصالات أمانة لتاجر الأثاث، وإيصالات أخرى لصاحب محل أجهزة كهربائية، وذلك من أجل زواج أختها الصغرى. لكن توفي والدها قبل سداد باقي الأقساط، فذهبت إلى السجن.

سجن الوصمة

وتقول نوال مصطفى: "لكن السجينات يخرجن من السجن إلى سجن أكبر، وهو سجن المجتمع، إذ يخرجن بوصمة السجن السابقة. وقد علمتُ من إدارة السجون أن نسبة كبيرة من السجينات يعدن إلى السجن بسبب رفض المجتمع لهن، وغلق أبواب الرزق الحلال أمامهن، فلا أحد يوافق على منح سجينة سابقة فرصة عمل، وبالتالي لا تجد سوى الوسائل غير المشروعة لإطعام أطفالها."

وتابعت: "لذلك، تحمست لمشروع حياة جديدة لتحسين أوضاعهن الاجتماعية، وإزالة الوصمة عنهن، فقمنا بتأسيس أول ورشة لتدريب وتشغيل السجينات الفقيرات، اللاتي أوشكن على إنهاء فترة العقوبة، على حرفة الخياطة. كما نقوم بتأهيلهن نفسيا عن طريق زيارة معالجة نفسية لهن مرة كل أسبوع."

Image caption مشهد من الفيلم الوثائقي سجن الوصمة

كما قال نادر عيسى: "وفي هذا الإطار، أطلقت مؤسسة رعاية أطفال السجينات الفيلم الوثائقي "سجن الوصمة" الذي عُرض في مسرح الهناجر للكتاب والصحفيين والفنانين، كما عُرض مؤخرا في مهرجان أسوان لأفلام المرأة وتفاعل معه الناس، وهو أول إنتاج للجمعية."

وأضاف: "لقد تم تصوير هذا الفيلم، ومدته 22 دقيقة، في سجن القناطر، وهو يلقي الضوء على معاناة سجينات الفقر من خلال التسجيل مع سجينات حاليات وسابقات، كما يرصد الطرق التي تنتهجها الجمعية لرسم مسار مغاير لهن عن طريق التمكين الاقتصادي." مشيرا إلى ضرورة العمل على دمج سجينات الفقر مجددا في المجتمع الذي يجب أن يكون بدوره أكثر تسامحا.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة