"صقاريا" معقل مؤيدي أردوغان

"صقاريا" معقل مؤيدي أردوغان مصدر الصورة AP
Image caption الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يخاطب أنصاره في صقاريا

بينما كانت تحلق إحدى المروحيات على مسافة قريبة، بدأت حشود المؤيدين تردد بصوت عال: "لقد وصل (الرئيس التركي) رجب طيب أردوغان"، وهم يلوحون بالأعلام ويهتفون باسمه بحماس شديدة.

أصيبت بعض المسنات بالإغماء من هول الفرحة أو ربما بسبب ضغوط الحشد الغفير. وبعد أن ظهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وسط الجموع، انطلقت فتاة نحوي ووضعت هاتفها في يدي قائلة: "من فضلك هل يمكن أن تلتقط لي صورة معه (أردوغان) في الخلفية." لقد وصل البطل.

ربما يشعر القادة الأوروبيون باستياء شديد من التصريحات الغاضبة التي أطلقها الرئيس التركي هذا الأسبوع ووصف فيها حكومتي ألمانيا وهولندا بأنهما "نازيتان" و"فاشيتان"، لكن هنا في معقل أردوغان المحافظ والمتدين فإن الرئيس التركي لا يمكن أن يرتكب خطأ.

"ماذا يمكن أن نفعل بدونه؟"

زرنا تجمعا نظمته الحملة الانتخابية لأردوغان في مدينة صقاريا، التي تبعد 160 كيلومترا شرقي اسطنبول، وهو يحث الناخبين قبيل الاستفتاء الذي سيجري الشهر المقبل لتوسيع صلاحياته. وهذا التعديل الدستوري الذي ينص على الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي سيكون أكبر تحول سياسي منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923.

كان الحشد في صقاريا الذي يُقدر بالآلاف يحمل أعلاما ولافتات كتبت عليها كلمة "ايفيت" بالتركية وتعني "نعم" في إشارة تأييد لأردوغان. كانت الكلمة التي ألقاها أردوغان تتميز بأسلوبه المعهود تماما، صوت الخطابة العالية واللهجة القومية الشديدة والذم في أوروبا.

Image caption أنصار أردوغان يؤكدون لبي بي سي أن رئيسهم لا يمكن أن يرتكب خطأ

اندلع الخلاف الحالي بين تركيا وأوروبا حينما منع قادة أوروبيون وزراء أتراك من تنظيم تجمعات تأييد للاستفتاء في بلدانهم، وفرقت الشرطة الهولندية بالقوة احتجاجا في روتردام لمواطنين أتراك.

ومنعت هولندا أيضا وزيرين تركيين من دخول البلاد بعد أن قال رئيس الوزراء مارك روته إنهما قد يثيران توترا قبل الانتخابات الهولندية. وعزز موقف روته المتشدد من تأييد الناخبين له في مقابل منافسه الزعيم اليميني خيرت فيلدرز.

وقال أردوغان مخاطبا روته وسط ترحيب حار من مؤيديه في صقاريا: "مهلا روته، ربما تكون قد فزت بالانتخابات، لكنك خسرت تركيا كصديق."

واصل أردوغان هجومه على الألمان ووصفهم بأنهم "جواسيس" وانتقد ما سماها "الدعاية الإرهابية الأوروبية"، ومحكمة العدل الأوروبية بسبب السماح للشركات بمنع موظفيها من ارتداء الزي الإسلامي خاصة الحجاب.

وقال بصوت عال: "إنهم يشنون حملة صليبية ضد الإسلام. لعن الله القيم الأوروبية!"

أثنت جموع المؤيدين على ما قاله أردوغان، فهم يحبون وقوف رجل تركيا القوي في وجه أوروبا. ربما يكون ذلك إرثا من الإمبراطورية العثمانية، وهي فكرة تصدي تركيا لأعدائها، وهذا ربما هو الأمر الذي أثاره أردوغان بإظهار هذه الشجاعة.

لكن بصراحة فإن أي شيء سيقوله أو يفعله هذا الرجل سيكون محل ترحيب وقبول في أوساط هذه الحشود.

يبدو الأمر وكأن الأتراك المتدينين، الذي شعروا على مدى عقود بأنهم مواطنون أقل أهمية تحت حكم النخبة العلمانية القديمة في تركيا، يدينون الآن بالفضل في بقائهم لأردوغان.

أصبح الآن الأتراك المتدينون القوة المهيمنة في البلاد، ويمكن القول إن أردوغان يستهلم "تبجيلا إلهيا لا مثيل له وسط قادة منتخبين ديمقراطيا".

Image caption الفتاة التركية كبرى حسنان، أقصى يسار الصورة، تقول إن الفضل يعود لأردوغان في السماح لها بارتداء الحجاب في الجامعة

تقول فتاة تركية تُدعى كبرى حسنان: "إنني أحبه لأنه بإمكاني أن أدرس في الجامعة وأنا أرتدي الحجاب وهذا الفضل يعود إليه"، في إشارة إلى قرار أردوغان إلغاء الحظر على ارتداء الحجاب في المؤسسات الحكومية على مدى عقود.

وسألتها عن رأيها في الخطاب التحريضي ضد أوروبا، فردت قائلة: "إنني أشجب هولندا وألمانيا، إنهما ليس لديهما ضمير."

اتفقت امرأة متقاعدة تُدعى أسماء كوتش مع ما قالته حسنان. وقالت كوتش لبي بي سي: "أي شيء يقوله (أردوغان) في أي موضوع هو صحيح. وإذا بدا أنه ارتكب خطأ، فإنه بالتأكيد يعرف شيئا لا نعرفه نحن. ماذا كان بوسعنا أن نفعل لو لم يكون (أردوغان) موجودا؟"

"أضحوكة"

يرى الجانب الآخر من تركيا، وهم العلمانيون المؤيدون للغرب، أن ما فعله أردوغان عمّق من الإحساس باليأس إزاء الاتجاه الذي تسلكه البلاد.

تأمل الطالبة أوتكو تولونغوتش في أن تدرس في جامعة ماستريتش بهولندا، لكنها تخشى من تأثير الأزمة الحالية على مستقبلها.

وقالت: "يجب على تركيا أن تأخذ نهجا أكثر تأييدا لأوروبا. لدى هولندا الآن صورة سيئة جدا عن تركيا، وأنا قلقة كيف يمكن أن يؤثر ذلك علي إذا بدأت العيش هناك".

أوضحت وسائل الإعلام المؤيدة في أغلبها للحكومة التركية رسالة الرئيس بشكل جلي. نشرت إحدى الصحف في صفحتها الأولى هذا الأسبوع صورة للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وهي ترتدي زي النازية، بينما نُشر في صحف أخرى تعليق "الكلاب الهولندية النازية" أعلى صورة لكلب شرطة هولندي وهو يعُض محتجا تركيا.

Image caption المعارضة البارزة ميرال اكسينر تحذر أردوغان من مغبة سياساته الحالية

تزايدت حالة السخط إزاء أوروبا بشكل كبير في تركيا، إذ تصدح موجات الأثير وتمتلئ اللافتات بالمواقف المؤيدة بقوة لحملة أردوغان. قارن الرئيس أردوغان رفض الاستفتاء بالإرهاب، وتعرض مرشحون بارزون في المعارضة للهجوم أو منعوا من المشاركة في الحملة المناهضة للاستفتاء.

أبرز الوجوه المعارضة لأردوغان هي ميرال اكسينر، وزيرة الداخلية السابقة والسياسية اليمينية التي يُنظر إليها على أنها البديل الأكثر مصداقية للرئيس الحالي. انقطع التيار الكهربائي في ظروف غامضة خلال حديث اكسينر في تجمع نظمته مؤخرا في أحد الفنادق لرفض الاستفتاء على تمديد صلاحيات الرئيس.

قالت اكسينر لبي بي سي في مقابلة نادرة مع وسائل الإعلام الدولية: "تركيا أصبحت أضحوكة. في السياسة الخارجية يجب عليك أن تفكر قبل أن تتحدث، ولا يمكنك أن تطلق تهديدات جوفاء. لايجب إساءة استخدام السياسة الخارجية لأهداف سياسية محلية."

فاز الرئيس أردوغان في انتخابات عديدة، ويمكن أن يحقق الانتصار أيضا في الاستفتاء المقرر التصويت عليه خلال أربعة أسابيع، لكن البلد الذي يقوده، وهو عضو مهم في حلف الناتو وبلد مرشح للانضمام للاتحاد الأوروبي، يعاني من انقسام خطير، وبدأ يبتعد عن أوروبا أكثر فأكثر بعد هذا الأسبوع الذي شهد صداما حادا مع أوروبا.

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة