تركيا والخيارات المكلّفة في الأزمة الخليجية

مصدر الصورة Reuters
Image caption فشلت مساعي اردوغان في حل الازمة

الأزمة المتصاعدة بين السعودية والإمارات والبحرين ومصر من جهة وقطر من جهة أخرى ضيقت هامش المناورة أمام الدول المعنية بهذه الازمة وبات لزاماً عليها اخذ موقف واضح منها.

فالتصعيد الخليجي المصري ضد قطر كان مفاجئاً إلى حد بعيد، ولم يكن هناك حدث معين أدى الى انفجاره، إذ جاء مباشرة بعد القمة الأمريكية الاسلامية التي عقدت في الرياض وشاركت فيها قطر.

مصدر الصورة Reuters
Image caption سارعت تركيا الى امداد قطر بالمواد الغذائية جوا

سارع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي لبلاده علاقات جيدة مع طرفي الأزمة واتصل بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأجرى محادثات مع المسؤولين الايرانيين إلى جانب اطرف الازمة، في مسعى لنزع فتيل التوتر بين الجانبين كما استقبلت تركيا وزير خارجية البحرين لبحث الازمة دون ان تثمر جهود أردوغان عن شيء يذكر.

مخاطرة

لم تلق دعوة أردوغان الدول الخليجية إلى التهدئة ورفع الحصار الجوي والبري المفروض على قطر آذانا صاغية في الاوساط الخليجية، بل شنت بعص الصحف السعودية حملة على تركيا متهمة اياها بدعم قطر في إطار ما تصفه بدعم مشروع "جماعة الاخوان المسلمين "، ومثال على ذلك ما كتبته صحيفة "عكاظ" السعودية في السابع من الشهر الجاري تحت عنوان : مصادر لـ "عكاظ": مخطط إخواني مشبوه برعاية تركية لدعم قطر.

يبدو أن أردوغان توصل إلى قناعة مفادها أن هامش المناورة أمام تركيا قد تضاءل إلى حد بعيد وأن عليه اتخاذ وموقف واضح من الأزمة والوقوف إلى جانب احدهما، فاختار قطر، مخاطرا بالعلاقة مع السعودية التي شهدت تحسنا ملحوظا منذ تولي الملك سلمان الحكم بعد فترة من البرود بسبب التباين الصارخ في موقفي البلدين من الاطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي.

مسارعة البرلمان التركي الى المصادقة على الاتفاق العسكري بين تركيا وقطر كانت بمثابة رسالة تركية الى القوى الاقليمة وأهمها السعودية مفادها أن تركيا معنية بهذه الازمة إلى حد بعيد ولن تقف مكتوفة الأيدي في حال تدهورت الاوضاع في المنطقة.

وينص القانون الذي اجازه البرلمان التركي في 7 يونيو/ حزيران على السماح بنشر قوات في قاعدة عسكرية تركية في قطر، وصادق عليه أردوغان بعد يومين وتبع ذلك تأكيده على ضرورة انهاء الحصار الذي فرضته السعودية والامارات على قطر : "يجب رفع الحصار تماماً، يجب ألا يحدث هذا بين الأشقاء".

وأضاف أن "البعض منزعج من وقوفنا إلى جانب إخوتنا في قطر، إلا أننا مستمرون في تقديم جميع أنواع الدعم إليها". وقال "نعرف جيدا الذين كانوا مسرورين في الخليج (دون تسمية جهة معينة) من محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، ونعرف جيدا ماذا فعل البعض ليلة محاولة الانقلاب".

"الهدف التالي"

ويقول الكاتب الصحفي التركي فهمي طاشتكين إن تركيا رأت في الإجراءات ضد قطر بأنها هي أيضا مستهدفة بعد فشل أردوغان في نزع فتيل الأزمة عبر اتصالاته الهاتفية.

ويضيف طاشتكين أن أنقرة توصلت إلى قناعة مفادها أن الأمر لن يستغرق طويلاً حتى يحين دورها وتكون الهدف التالي للحملة الخليجية لأن أنقرة لا تخفي تأييدها لجماعة الاخوان المسلمين وحركة حماس الفلسطينية وتستضيف قادة هاتين الجماعتين على أراضيها إلى جانب تطابق سياسة البلدين في الملف السوري، وكل الحجج التي أوردتها السعودية والامارات لاتهام الدوحة بتأييد "الجماعات الارهابية" يمكن تكييفها بسهولة لتنطبق على تركيا.

وكانت قطر وتركيا قد باشرت ببحث إقامة قاعدة عسكرية تركية في قطر ونشر قوات تركيا هناك عام 2014 وتم التوصل الى اتفاقية بهذا الشأن وتم توقيع عليها اواخرالعام ذاته تحت اسم "اتفاقية التعاون بين الجمهورية التركية ودولة قطر في مجالات التدريب العسكري والصناعات الدفاعية وتمركز القوات المسلحة التركية على الاراضي القطرية".

وصلت أولى دفعات القوات التركية البرية إلى الدوحة في شهر اوكتوبر/تشرين الاول 2015 وضمت 130 جنديا وعددا من المدرعات العسكرية لكن العدد تراجع إلى 94 جنديا قبل اندلاع الازمة الحالية.

وتم ارسال عدد اضافي مؤخراً بحيث ارتفع عدد المستشارين العسكريين والجنود الأتراك الدوحة إلى 200 عنصر ومن المتوقع ان يصل عددهم في نهاية المطاف إلى 5 آلاف بموجب الاتفاق الموقع بين البلدين

ويشمل الاتفاق تمركز قوات برية وبحرية وجوية تركية على أراضي قطر وتشكيل لجنة عسكرية مشتركة يرأسها ضابط قطري يساعده ضابط تركي.

واوضح وكيل وزارة الدفاع التركية الشهر الماضي خلال مناقشة البرلمان التركي للاتفاق إنّه ووفقاً للاتفاق بين تركيا وقطر، فإنه من المتوقع "إنشاء مقر قيادة تكتيكي مشترك بين الدولتين في الدوحة، على أن يكون قائد الوحدة قطرياً وبرتبة لواء، وأن يكون مساعده تركياً برتبة عميد".

لا يبدو أن الأزمة الحالية في طريقها إلى الحل قريباً بسبب تمسك طرفي الازمة بمواقفهما و فشل كل المساعي حتى الان في تبريد الأجواء، واستمرارها ينذر بتوسع هذا الخلاف ليلقى بظلاله السلبية على أزمات المنطقة الأخرى وعلى رأسها السورية والليبية واليمن.

فبعد أن كانت تركيا تعمل جاهدة طيلة سنوات الازمة السورية وحتى الآن للحفاظ على طرق التجارة البرية مفتوحة عبر سوريا للوصول إلى الاسواق الخليجية، تغامر بخسارة هذه الاسواق في هذه الازمة.