يوميات سورية: السهر في باب شرقي بدمشق

المسافة بين حي باب شرقي في دمشق القديمة ومنطقتي جوبر وعين ترما، آخر مناطق المعارضة المسلحةً في محيط دمشق، هي أقل من خمسة كيلومترات، أي أنها تقع بجدارة في مرمى قذائف الهاون من المعارضة ودوي القصف الصاروخي والمدفعي من الحكومة للمنطقتين.

ورغم ذلك ازدهرت في المنطقة وعلى مدى العامين الماضيين ظاهرة السهر وتحولت باب شرقي إلىً منطقة للبارات والمراقص الجديدة عليها.

في ليل الخميس ، يزدحم الشارع الرئيسي بالسيارات التي تطلق ميكروفوناتها موسيقى صاخبة، توسع البارات الجديدة نطاق عملها فتُخرج الطاولات الى الشوارع، وعليها المشروبات الكحولية يغص الشارع والبارات بنساء ورجال يرقصون على إيقاعات غربية في الغالب.

الصورة لا تنتمي لدمشق التي رأيتها من قبل، كانت دمشق القديمة وبيوتها العربية منطقة سياحية بالأساس تضم مجموعة من المطاعم الأنيقة ، ذوقها الغالب هو الطرب الشرقي.

كثيرون من الرواد الرجال في تلك البارات طلبوا منا همسا عدم اظهارهم أو صديقاتهن في الصور، واستجبنا. عرفت فيما بعد ان البعض يخرجون من منازلهم دون علم ذويهم . قال لي أحد الشبان ضاحكا " اذا طلعت عالتليفزيون وزوجتي طلقتني ستكون أنت السبب".

قال لي سومر هزيم الذي يملك مع أصدقائه بارين pubs في باب شرقي" افتتحنا المحل الاول عام ٢٠١٥ ، وعندما نجحت التجربة افتتحنا الثاني وحالفنا الحظ" .

فهل ترتبط هذه البارات بثقافة الحرب ، يرى هزيم ان الجيل الشاب في دمشق تجاوز ثقافة الحرب وأصابه الملل منها بعد عامين من معايشتها. " من يأتون هنا شبان وفتيات فوق التاسعة عشرة ( لم يتأكد لي ذلك ) ونحن نقدم خدمة على الطريقة الأوروبية حيث يمكن لكل زبون ان يطلب مباشرة ما يريد حسب قدرته الشرائية دون خدمة، علىً طريقةً البوبً الانجليزي".

لكن ثمن زجاجة البيرة الصغيرة في اي من هذه البارات لا يقل عن ١٥٠٠ ليرة سورية اي حوالي ٣ دولارات أميركية وهي تقريبا نفس الأسعار الأوروبية في بلد قد يكون متوسط راتب الموظف الحكومي فيه بحدود ٦٠ دولارا شهريا.

في احد البارات ، التقيت صدفة بالطبيب النفسي يوسف فاعور، الذي كان يحدثني في هدوء عن أسباب إزدهار ثقافة البارات في تلك المنطقة التي تقع في مرمى النيران " البعض قرروا البقاء وعدم الهجرة وفي نفس الوقت اصروا على عدم تغيير نمط حياتهم، مثلي.

البعض يهربون من اجواء الحرب ويحتمون بصحبة اصدقائهم، واخرون يشربون لأنهم يريدون تجاوز الموقف كله ، وحتى هؤلاء لا يحتاجون التوجه الى بار لفعلً ذلك".

كان فاعور يخدم في مستشفى قريب من ساحة العباسيين التي هاجمتها المعارضة المسلحة وكان في عهدته ١٥ مريضا مقيما. يقول " الخطر موجود دائما ولا يجب ان نستسلم له".

لكن مبررات الظاهرة تبدو غير مقنعة بالنسبة لبعض السكان . فقد تقدم مني رجلين ، طلبا عدم ذكر اسمهما ، واصفين ما يحدث في محيط شارعهم ب"الانفلات الطارئ" على شارعهم .

" كان الشارع الرئيسي يضم مجموعة من المطاعم الهادئة، -حسب وصفهمً هذه البارات تتسبب لنا في الضوضاء ، وتنافي طبيعة السكان المحافظة هنا، وبعضها لم يحصل على ترخيص اصلا".

من الصعب فصل صعود تلك الظاهرة عن اجواء الحرب، فالطبيعة المسيحية لحي باب شرقي وباب توما تجعلهما أكثر تسامحا في استقبال هذا " البيزنس" الذي قال لي زميلي الدمشقي " إذا كان الأمر انفتاحا فلماذا لم يُرخص لهذه البارات في بقية الأحياء "!!

مواضيع ذات صلة