رسّامة جزائرية: "لا أرسم خيالا، بل حقيقة"

مصدر الصورة @Celia Hachemi

تزامنا مع معرض أقيم في متحف فيكتوريا آند ألبرت في لندن حول مقتنيات الفنانة المكسيكية الشهيرة فريدا كالو، تواصلت بي بي سي مع عدد من الرساماتالشاباتفي الجزائر والمغرب وسوريا ولبنان ليكتبن رسائل يتحدثن فيها عن جوانب من حياتهن لتكون مادة هذه المدونة.

هذه التدوينة كتبتهاالجزائرية سيليا هاشمي (28 عاما).

سيليا تكتب غاضبة عن علاقة إشكالية تزعجها عند التعامل مع مستعمر سابق. كما يزعجها أن الفن أصبح متشابها جدا وتقول إنها أيضا لا ترسم خيالات، بل ترسم حياتها.

مصدر الصورة @Celia Hachemi

مرحبا سناء،

اشتقتُ إليك

في الوقت الحالي لا جديد في حياتي سوى الروتين، وانتظار أن تخبريني عن مغامراتك في مالي، الأشياء التي اكتشفتِها، والأشخاص الذين التقيتهم، يخيّل لي أن الحياة مختلفة هناك!

أدرك الآن أني لا أعرف شيئا عن مالي، حتى أني لا أذكر اسم أي شخصية من هناك، على الرغم أن بلدينا متلاصقان. ألا يوجد في مالي عباقرة وفنانون؟ ألا توجد ثقافة وتاريخ؟ هل تمكنوا من الالتفاف حول مفهوم الشهرة رغم صعوبة هذا الأمر؟ هاهاها.

كل ما نعرفه عن هذه البلاد ترهات وأخبار سخيفة معظمها غير دقيق، فمعظم المعلومات تصبّ من فم الأب داخل أذان الأولاد وهم مجتمعون على مائدة العشاء بعد نهار عمل متعب. والأب بدوره غالبا ما يكون قد سمع تلك الكلمات من زميله في العمل الذي بدوره أيضا قد سمعها من إحدى شاشات التلفزة التي ترمي المعلومات جزافا.

هو وغيره من الناس لا يتعمدون نقل المعلومات الخطأ، لكن طبيعة الحياة في بلادنا لا تسمح لهم بتحري دقة المعلومات، فنهارهم يبدأ مع العمل، والاستراحات القصيرة تقتصر على ندب الأوضاع الصعبة، وسرد بعض الأحاديث التي تتخللها معلومات من هنا وهناك.

للأسف هكذا نحملُ الصور النمطية والسلبية والمتخيلة عن الناس والبلاد وكل الأشياء تقريبا، من قبل أشخاص لم يوجدوا أصلا هناك، تاركين لنا مهمة إحياء هذه الصور التي تركها المستعمرون طوال هذه السنين، لدرجة أنك ذهبت إلى مالي وخوف الإصابة بالملاريا يسكنك، وكأن هذا المرض هو الشيء الوحيد في هذا البلد. هل تتذكرين؟

مصدر الصورة @Celia Hachemi

لكنني عندما أفكر بأوروبا، فإنني أحمل صورة أخرى ومختلفة. كل شيء تقريبا يبدو جميلا ونظيفا ومرتبا. كل شيء أخضر، وأستطيع أن أذكر لك عشرات الشخصيات المهمة، من الفرنسيين تحديدا. اسأليني فقط. هل تتابعين الأخبار؟ لقد اتفق الجزائريون بشكل عفوي على تشجيع المنتخب الفرنسي لكرة القدم. أرى في كل مكان شعارات التشجيع: "يلا بوكبا.. يلا مبابي".

هاهاها، في ذلك اليوم قرأت تعليقا أضحكني: "شكرا للجزائريين على تشجعينا لكن وبالرغم من ذلك لن تحصلوا على التأشيرة".

قبل أن أبدأ الكتابة لك، كنت أقرأ مقالة عن امرأة قامت بجمع رسائل عديدة من نساء تعرضن للتحرش الجنسي من رجال سكارى في شوارع باريس حين خرجن للاحتفال بفوز فرنسا بالمونديال. كل ما وصلنا من أخبار عن ذلك اليوم كان صور الفرنسيين فرحين بفور فرنسا، ولم يذكر أحد ما حصل لتلك النسوة اللاتي عشن أسوأ ليلة في حياتهن.

مصدر الصورة @Celia Hachemi

لكن دعينا من أخبار الآخرين. لقد سألتني سابقا عن أخبار عملي و"فني"، لا أعلم، لم أفعل شيئا مؤخرا، أعاني صعوبة في الرسم والتلوين والنحت، أخربش هنا وهناك. بعد دخولي مدرسة الفنون بدأت الأمور تختلط بالنسبة لي بشكل مختلف. هل أرسم بخطوط متوازية في اتجاه واحد؟ أم هل أستطيع خلط اللون بآخر؟ ولكن الحقيقة أن الأمر لا يقف عند التقنية فقط، فالأساتذة أيضا لا يعطونك وحدك حرية اختيار الموضوع، عليك دائما أن تحكي حكاية ما أو أن توجهي رسالة. الموضوع عندهم دائما يجب أن يكون عن الموضة السائدة الآن، أن يجذب أكبر قدر من الناس، والأهم من ذلك يجب أن تتعلم كيف تتكلم، بالأحرى كيف تتفلسف لينال عملك الإعجاب اللازم.

في واقع الحال، كل ذلك لكي تثيري إعجاب المدرس ليمنحك بعض النقاط لتتنافسي بها مع زملائك، أو لتثيري الحيرة داخل معرضك أمام جمهور الفن الذي غالبا ما يدعي أنه يلتقط عمق الفكرة.هذا يذكرني بجملة قالها تارانتينو: "ينتظرون من عملك أن يكون له معنى، لكن حياتهم بلا معنى".

البارحة شاهدت بعض الصور من معرض في الجزائر العاصمة، وشعرت أني أشاهد نفس العمل، مع لون أصفر مضاف هنا، وبعض الدوائر هناك، ولكن في النهاية كل الصور متشابهة. هذه الصور المسبقة التي ينتظرها الجميع منك كفنان. والكل يساهم في تعزيزها لدرجة أنها غطت ما هو حقيقي. كل هذا هراء. ما زالوا يرسمون قوارب المهاجرين بطريقة مبتذلة في كل مكان. وكأن تجار الفن أعطونا جميعا وصفة نجاح واحدة وفي النهاية كل شيء متشابه. قارب الموت هو نفسه، بعدة أشكال لكنه نفسه. حتى أننا نشاهد نفس الأخبار ونتحدث جميعا في نفس المواضيع ونفكر في الأفكار ذاتها التي تجتاح الوسط الفني. ولكن لاحقا قد تلاحظين أنك فعلت كل ما طلبوه منك. حتى الفن لم يكن كما تحبين أنتِ، بسبب كل هذا لا أقدر على العمل.

أتمنى لو كانت الحياة بسيطة كما هي لدى الأطفال، عندما كنت أرسم ما أحب دون اكتراث بما يقال عن لوحاتي. على الرغم من هذا كله هناك بعض من الأعمال الفنية التي تقدم أفكارا وحقائق جديدة تجعلني أبتسم. ويبقى ذاك المشاهد المصاب بالملل من حياته الهادئة ينظر إلى لوحة القارب، القارب الحقيقي الموجود أصلا خارج اللوحة.

سيليا

النص مترجم عن الفرنسية

------------

عن سيليا:

درست سيليا في المدرسة العليا للفنون الجميلة، تخصص نحت، بعد أن درست تجارة واقتصاد في الجامعة و "مللت منها".

تعيش في الجزائر العاصمة، وتقول: "رغم حبي لها أفضّل العيش بعيدا عنها لو استطعت".

تعمل حاليا في السينما مع فريق الديكور، وتدعم جمعية نسوية تدير نشاطات مختلفة للنساء مثل نادي سينما وورشة دفاع عن النفس ونشاطات فنية كالرسم والخياطة.

-----

مواضيع ذات صلة

المزيد حول هذه القصة