على ضفاف دجلة

مصدر الصورة BBC/Haider Hadi

كيف تمضون عطلة نهاية الأسبوع؟ أجابت ثلاث نساء، من بغداد وعدن والقاهرة، على هذا السؤال الذي طرحته مدونة بي بي سي لقضايا المرأة.

شهد رياض العزاوي (27 عاما) درست الهندسة في جامعة دمشق، ثم أكملت دراستها في جامعة النهرين في بغداد. تعمل في مجال الهندسة الطبية. تكتب عن يوم عطلة أمضته في جزيرة بغداد السياحية في جانب الرصافة. هذه الحديقة كانت القوات الأمريكية التي غزت العراق قد حولتها لقاعدة عسكرية. كان في هذه الحديقة مطاعم ومسرح وبيوت سياحية لم يعاد تعميرها بعد ولا تزال مهجورة.

مصدر الصورة BBC/Haider Hadi

في داخلي طفلة تأبى أن تكبر، أطلق العنان لها كي لا تهرم الروح ويتعب القلب. لا أدّخر وقتا ً كلما كان الجو جميلاً بعد صيف حارق طويل لأذهب مع الأهل والأصدقاء لقضاء يوم مُميّز بعيداً عن روتين الحياة والأخبار والتفجيرات؛ حيث تسرقنا الطبيعة من كل هذا.

مكاني المفضل هو "جزيرة بغداد"، التي كانت قد تحولت إلى معسكر يقيم فيه الجنود الأمريكيون، وبعد خروجهم عادت حديقة عامة جميلة رغم كل ما حفرته الطلقات على جدران مبانيها.

نفتقد في بغداد توفر حدائق ومنتزهات عامة، وبسبب الجو الحار أصبح خيار الجميع الذهاب للمطاعم والمولات التي يتزايد عددها يوماً بعد يوم. وفي تلك الشهور القليلة من السنة حين يصبح الجو جميلا نحتاج لشيء من السكينة، ولكن لا يكون أمامنا سوى خياريَن: منتزه الزوراء، وجزيرة بغداد السياحية؛ الأول في جانب الكرخ والثانية في جانب الرصافة.

في جزيرة بغداد تمتد ُبساتين النخيل الذي أُعيدت زراعة الكثير منه بدل الذي أحرقته الصواريخ. أعيد ترميم المكان عام 2015 وتمت تهيئة مناطق للشواء وأخرى للجلوس علماً أن المكان كان فيه مطاعم ومسرح وبيوت سياحية لم يعاد تعميرها بعد ولا تزال مهجورة.

لقراءة المدونة كاملة: حدثَ في نهاية الأسبوع

مصدر الصورة BBC/Haider Hadi

طبخنا الدولمة والبرياني، وأخذنا سمكا للشوي، وفور وصولنا جلسنا في مكاننا المعتاد أمام البحيرة. ذهبت مع أخواتي البنات الأصغر سنا لركوب الدراجات الهوائية؛ عدنا أطفالا ً بذاكرتنا إلى حيّنا القديم. كنا نخرج مع أطفال المنطقة نلعب بالشارع سوياً ونتسابق بالدراجات الهوائية. كانت أكبر مخاوفنا آنذاك عودة أبي ليقول حان موعد النوم. واليوم أكبر مخاوفي أن بغداد أصبحت ساحة مفتوحة بغياب قانون فعلي لذلك نخاف من مستقبل مجهول ينتظرنا، لكننا نستمر مع كثير من الأمل.

أنظر إلى أختي الأصغر التي ولدت عام 2003 - عام الغزو - وأتذكر كيف كنا نخاف عليها حتى من الوقوف عند باب البيت ومن التحدث مع الغرباء خشية احتمال خطفها؛ نخاف عليها من يوم يبدأ جميلاً بشمس مشرقة، وبعد قليل قد يحدث انفجار بسيط فتهب عاصفة تسرق عمر الأوراق اليانعة المتشبثة بالأشجار والتي كانت تنتظر أياماً جديدة بكل أمل.

سرق منا المجتمع وظروف الحياة فيه حرية التصرف كأطفال؛ وحرية تنقل الفتيات والنساء بالدراجة بشكل عادي في الشارع بسبب ظروف أمنية سيئة ولتجنب التعرض لبعض المضايقات. هذا المنتزه هو متنفسنا الوحيد، وعندما أنظر لأختي الأصغر أرى أننا كنا أفضل حالا منها بكثير.

مصدر الصورة BBC/Haider Hadi

أعود لتعليمها ركوب الدراجة والسباق معها حتى نهاية الشارع الطويل الذي تحتضن أشجار البرتقال والنارنج جانبيه، وتمد أغصانها عاليا لتحجب الشمس عنا قليلا. من غرس هذه الأشجار؟ ما دينه ما طائفته؟ هل تسأل الأشجار بعضها أسئلة كهذه؟ إن غرسنا أنواعا مختلفة من الشجر قرب بعض، هل يمكن أن تحتضن بعضها وهي مختلفة؟ لا أعلم ما إذا كنا وحدنا - نحن البشر - من يعاني عقدة الاختلاف أم أنها صفة جميع مخلوقات الله.

هنا في المنتزه، أرى من يلعب الكرة، ومن يستمع للأغاني الشعبية، ومن يرقص على أنغامها بعفوية تاركاً بشاعة ما يحدث خلفه لساعات ولو قليلة، بشاعة الواقع الاقتصادي والأمني الذي يعيشه العراقي يوميا. تذكرت الوضع قبل سنين؛ انفجارات مفاجئة في المناطق الشعبية المكتظة بالناس بعد دخول عناصر تنظيم داعش، أتذكر خوف الناس منهم، ونزوح عدد كبير من سكان المحافظات الأخرى لبغداد مما تسبب بأزمة في العاصمة، إضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي وغلاء الأسعار. حمدت الله أننا اليوم بحال أفضل.

مصدر الصورة BBC/Haider Hadi
Image caption شهد وأختها

ذهبنا لشراء حلوى "غزل البنات" من العربة المارة، تناولناها ونحن نواصل مسيرنا نحو البحيرة، مستمتعين بمنظر الغروب. أغمض عيني وأدعو الله أن تقف اللحظة هنا، دون خوف من الغد الذي نجهل بعيداً عن كل ما مضى. كلما آتي إلى هنا، أشعر أنّ كل شيء سيمضي. لكني أسمع صوت أبي، الذي رحل، يقول لي: "بغداد تبقى جميلة كما هي، وتزداد كل يوم جمالاً وسحراً. تعلمنا القوة والصمود وعدم الاستسلام، فلا تستسلمي".

تعودنا ونحن في إحدى النزهات أن نسمع صوت انفجار، فنترحم عمن مات ونكمل حياتنا، تعودنا أن نرى خطي الحياة والموت يسيران بشكل متواز. ربما أصبح الموت رفيق الحياة الدائم، وقتل داخلنا إحساس الرهبة منه لشدة قربه منا.

المزيد حول هذه القصة