حب في نهاية الأسبوع

هبة مصدر الصورة Heba Kamal

كيف تمضون عطلة نهاية الأسبوع؟ أجابت ثلاث نساء، من بغداد وعدن والقاهرة، على هذا السؤال الذي طرحته مدونة بي بي سي لقضايا المرأة.

سافرت طالبة الماجستير هبة كمال، التي تبلغ من العمر 35 عاما، من القاهرة إلى لندن من أجل أطروحتها البحثية حول الجندر والتعليم.

وتحكي عن أيام عطلة كانت أمها تعد فيها "الطعمية" منذ زمن، وعن عطلة قضتها مؤخرا مع ابنتها في لندن أخبرتها فيها عن الحب والعائلة والزواج والعلاقات المثلية.

مصدر الصورة BBC/ Abd Alkader Habak
Image caption هبة وابنتها ليلة في حديقة عامة في لندن

لم أكن أعرف معنى لعطلة نهاية الأسبوع عندما كنت أعيش في القاهرة؛ كان يوما الأحد والجمعة يومي الراحة من مدرستي الفرانكوفونية؛ نمكث يوم الأحد في المنزل أنا وأخي أمام التلفاز حتى تعود أمي من عملها. وكان يوم الجمعة هادئاً، تميزه "الطعمية" التي كانت تعدّها أمي، وأحيانا "البورك بالجبن" عندما كانت الحياةُ لا تزال تمنحها طاقة تسمح لها بتدليلنا.

بعد سنوات، وحين أصبحت أمّا بدوري، صارت العطلة الأسبوعية مخصصة لدروس الباليه وأعياد ميلاد أصدقاء ابنتي "ليلة"، و صار يوما الخميس والجمعة خاصين بي حيث تمضي ليلة، التي يدعوها الجميع لولو، وقتها في منزل جدتها لأبيها - زوجي السابق.

أتحمس طوال الأسبوع فتخذلني قواي من كثرة ما أرهقتني أيام الأسبوع فيغلبني النعاس ما إن يصل العقرب الصغير في ساعتي إلى التاسعة مساء، وأنجح مرات في اختلاس بعض الوقت لمقابلة حبيبي. علاقتنا تدخل عامها الخامس ونتقابل غالبا، فقط، في عطلة نهاية الأسبوع.

مرت سنوات وانتقلتُ منذ عام إلى لندن لإنهاء دراستي العليا في مجال التعليم ودراسات الجندر. كانت البداية مليئة بالخطط لزيارة معالم المدينة أو قصد مدن أخرى، ولكن تحولت عطلة نهاية الأسبوع مرة أخرى إلى وقت مليء بأعياد الميلاد، أو كنا نقضيها ـ لولو وأناـ منتظرتين طقسا أخف قسوة.

أذكر كيف أجابت ليلة جدتها في زيارتنا الأخيرة لمصر حين سألتها: "لولو، شفت ساعة بيغ بن؟" فأجابت ليلة :"لسا.. احنا مستنيين الربيع".

أتى الربيع وشهدت لندن صيفا أحر من المعتاد، وبقيت خططنا لعطلة نهاية الأسبوع معلقة، ثم غرقت أنا في دراستي ولولو في اللعب في حديقة المنزل مع أبناء الجيران منبهرة بتوفر مساحة مفتوحة للعب حرمت منها وقت سكنا القاهرة.

المدونة كاملة: حدثَ في نهاية الأسبوع

مصدر الصورة BBC/ Abd Alkader Habak

كانت تلك العطلة الأسبوعية مختلفة، فقد كان ميعاد الكرنفال السنوي للاحتفال بحقوق المثليين (Brighton and Hove Pride)؛ فقررت الذهاب إلى مدينة برايتون لقضاء يوم السبت. رأينا أزياء مميزة وفنونا مختلفة ومسيرة كبيرة جابت شوارع المدينة. جذبتني الفكرة خصوصا أن لولو، ذات السبع سنوات، سألتني مرة عن نوعي المفضل من النساء، بعد أن سمعت صديقة لي تسألني عن نوعي المفضل من الرجال. قالت لتزيل عني الحرج: "ماما أنت ممكن تحبي امرأة وتتزوجيها".

استدعت مقولتها تلك ذكرى حديث كان قد دار عن فكرة العائلة وكيف أنها - بسبب غياب أبيها لظروف طلاقنا - كانت قد استشعَرَت من مؤثرات خارجية لا علم لي بها أننا "أسرة ناقصة" لعدم وجود رجل. شرحت لها أن العائلة قد تكون لها أشكال أخرى غير تلك المؤسسة الاجتماعية المتعارف عليها. لذا تحمستُ كثيرا للأحاديث النبيهة التي ستخوضها ليلة كعادتها وتخيلت نفسي أشرح لها كيف ينتصر الحب دائما وقررت تجاهل مخاوفي عماّ قد يحدث إذا كررَت هذا الكلام في مصر.

قررت أن نقضي يومنا عند أحد شواطئ برايتون ونشاهد المسيرة. اشترت ليلة علم قوس قزح من نقودها الخاصة، وتوجهنا إلى هناك.

مصدر الصورة Heba Kamal
Image caption هبة وابنتها ليلة في مدينة برايتون - انجلترا

تذكرت عندما حضرت حفلا موسيقيا لفرقة "مشروع ليلى" في شهر أيار/مايو الماضي ومدى امتناني لرؤيتهم في لندن بعد منعهم من دخول مصر بعد حادثة رفع علم قوس قزح الشهيرة.

تذكرت أيضا وأنا أرى المئات حولي يرتدون الألوان والثياب التنكرية أنني فكرت مئة مرة قبل ارتداء هذه البلوزة التي تظهر نصف بطني بسبب صدمة التحرش الجنسي التي عشتها في القاهرة لسنوات، وتردد صوت أبي في أذني حين قال لي، وأنا في الثامنة من عمري، بأن "صدري كبر ولا يصح أن أمشي بهذه الطريقة في الشارع".

تذكرت كذلك وأنا أرى لافتة تقول "مثليين ومثليات يساندون اللاجئين" صديقاً من بلد عربي كان قد قرر تقديم ملف لجوء إلى دولة أوروبية كونه مثلي الجنس؛ فلا مال ولا سلطة تحميك إن كنت مثلي الجنس في بلادنا العربية.

وتذكرت أيضا ـ وبكثير من الألم ـ السبب الأساسي لهروبي من لندن في تلك العطلة الأسبوعية، فاليوم لم يكن محبذاً وجودي مع حبيبي وسط عائلته لحضور إحدى المناسبات الاجتماعية، إذ أن علاقتنا توشك على الانتهاء بعد ما يقرب من خمس سنوات، لأننا من دينين مختلفين، ولكوني مطلقة وأم.

تذكرت كل هذا ونسيت ما كنت أود أن أقول لليلة عن كيف "ينتصر الحب دائما".

المزيد حول هذه القصة