100 امرأة: حكاية مغربية وهبت حياتها لمساعدة الأمهات العازبات

جهازك لا يدعم تشغيل الفيديو
سعاد أم عازبة تروي حكايتها لبي بي سي

سعاد، مغربية طلبت عدم ذكر اسمها الحقيقي، والمدينة التي تسكنها، بدأت منذ أن كانت في السابعة من عمرها مسار حياة بطيئا وقاسيا انطلق منذ كانت جالسة تراقب أمها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة في كنف عائلة غريبة.

"مع مرور الأيام نسيت شكل والدتي ولكنني لم أنس أبدا ما سمعته مباشرة بعد دفنها، فقد كانوا يتحدثون أمامي ويقولون إن عائلتي رفضت استقبالي لأنهم كانوا بالكاد قادرين على توفير لقمة العيش، وسمعت ربة العائلة تقول إنها لا تريدني أن أظل معهم لأنها تخاف على زوجها مني عندما أكبر!".

هكذا تتحدث سعاد التي أتت قبل ذلك مع أمها الراحلة من قرية صغيرة إلى أقرب منطقة بها مستشفى طلبا للعلاج، فقصدتا بيت أحد المعارف خلال مدة الاستشفاء، وظلت الأم وابنتها ليلة واحدة هناك، حيث أمهل القدر أم سعاد ما يكفي من الوقت فقط لتوصي تلك العائلة خيرا بابتنها الصغيرة.

تترقرق عينا سعاد دمعا وهي تتذكر تلك الأيام الخوالي لأنها تؤلمها كثيرا حسبما تقول، إذ قررت تلك العائلة إبرام صفقة بمنح سعاد لعائلة جديدة كي تشتغل عاملة منزلية شريطة أن يذهب ما تجنيه مباشرة إلى العائلة الأولى.

رسميا، لم يكن هناك وجود لسعاد. ولم تكن لديها أي أوراق ثبوتية ولم يكن أحد يبحث عنها أو يهتم بمعرفة مصيرها.

تجاوزت سعاد الآن الثلاثين من العمر وتقول إن جسدها ما زال يحمل آثار الضرب والحرق تعود لتلك الفترة، وتضيف :"كنت أضع صندوقا كبيرا على الأرض وأصعد عليه حتى أتمكن من غسل الصحون، وكنت أول من يستيقظ وآخر من ينام.

وبقيتُ على هذه الحال لفترة إلى أن بدأ رب الأسرة يحاول التحرش بي، حتى أمام زوجته وأولاده. عندما اشتكيت لزوجته قالت لي إنها تفضل أن يتحرش بي على أن يأتي بواحدة غريبة إلى البيت".

كانت تلك أول مرة تتعرض فيها سعاد للتحرش ولكنها لم تكن الأخيرة، وعندما شكت حالها لسيدة كانت تزور العائلة أخذتها إلى الشرطة لتتقدم بشكوى غير أن الأم والأبناء شهدوا ضدها واتهموها بتلفيق تهم كاذبة للأب.

طرق "مبتكرة" لتشجيع النساء على عدم الصمت حيال التحرش

نصائح لمواجهة التحرش في الشوارع والأماكن العامة

وانتقلت سعاد بعد ذلك من عائلة إلى أخرى إلى أن استقرت لدى عائلة أحسنت معاملتها دون السماح لها بمغادرة منزلها أو تلقي أي أجر مقابل عملها، إذ كان المقابل متمثلا فقط في المشرب والمأكل والمأوى.

ظلت لدى تلك العائلة حتى بلوغها التاسعة عشرة من العمر، بيد أن الاستقرار المؤقت والهش الذي عاشته هناك انهار يوم سافرت ربة البيت ودخل أحد أفراد العائلة ليلا خلسة إلى غرفتها وهي نائمة واغتصبها.

ذلك الرجل هو والد ابنتها التي أصبحت مراهقة الآن، وقد اختارت عائلته آنذاك أن تتخلص من سعاد ومن الجنين.

Image caption تعاني العشرات من العاملات المنزليات في المغرب من التعنيف والتحرش الذي قد يصل إلى الاغتصاب

تقول سعاد: "رفض الأطباء إجهاض الجنين، ولا سيما أنني كنت في مرحلة متقدمة من الحمل عندما اكتُشف أمري إذ كنت أخشى أن أروي لأي أحد ما حدث لي".

هل تكفي القوانين فقط للحد من التحرش في المجتمعات العربية؟

عن التحرش في المغرب: "أعيش في مدينة، نادرا ما أمشي في شوارعها"

وقيل لي إن إجهاضي يمثل خطراً كبيراً على حياتي لذاك رفض الأطباء إجراء العملية، وطلبت مني تلك العائلة أن أظل معهم شريطة أن أتخلى عن الطفل وأتركه كي يتبناه آخرون، وعندما رفضت اقتادوني إلى جمعية للأمهات العازبات".

ورغم أن تلك التجربة كسرت سعاد إلا أنها جعلتها أقوى مع مرور الأيام، إذ تؤكد أنها بفضل الجمعية "تعلمت الكثير وأصبحت لديها الجرأة للخروج لطلب العمل، كما عملت جاهدة لسنوات لتعيل ابنتها التي تتحدث عنها الآن بكل فخر وحب، وانتهى بها المطاف كمساعدة اجتماعية تعمل مع جمعية لمساعدة الأمهات العازبات.

"كنت صريحة مع ابنتي وأخبرتها بكل شيء، وهي الآن تتعاطف معي كثيرا إذ نحس أننا أصبحنا أقرب لبعضنا البعض بعدما عرفت حكايتي.

وكانت دائما تسألني عن والدها وعندما عرفت ما حدث لم تعد مهتمة بمعرفته وأصبحت أكثر إصرارا على التفوق في المدرسة".

ولكن ما يحز في نفس سعاد هو نظرة المجتمع.، إذ تقول:"هم ينسون الرجل في هذه المعادلة ويتهمون المرأة بغض النظر عن ظروفها".

جلد في الشارع

التحرش الجنسي في المغرب... وإتقان فن التخفي

وحتى القانون المغربي لا ينصف المرأة أيضاً كما تقول سعاد، فحتى إن كان يجبر الرجل على إجراء اختبار الحمض النووي لمعرفة إن كان الطفل منه فعلا إلا أنه غير مجبر على الاعتراف به، وبالتالي لا يضطر إلى المساهمة ماديا في تربيته ولا يضطر حتى لإعطائه اسمه.

ورغم أن سعاد تركت المدرسة في سن السابعة عندما كانت في الصف الأول، إلا أنها تتحدث بسلاسة لا تختلف عن حديث امرأة مثقفة، فهي تقول إنها وبعد كل هذه السنوات تشعر أخيراً بالثقة في النفس وأنها عادت إلى مسقط رأسها لتكتشف الحقيقة المرة، أن أمها تركت لها إرثا وأن سبب رفض عائلة والدتها استقبالها عندما كانت في السابعة هو طمعهم في نصيبها من الإرث

ولكن "معركتها القادمة لن تكون ضدهم"، حسبما تقول بل "ستكون ضد مغتصبها لإجباره على الاعتراف بابنته".

---------------------------------------

يمكنكم تسلم إشعارات بأهم الموضوعات بعد تحميل أحدث نسخة من تطبيق بي بي سي عربي على هاتفكم المحمول.

المزيد حول هذه القصة