مصريات يجاهدن لتسجيل أبناء تخلى عنهم آباؤهم

فيلم "أبواب الرحمة" مصدر الصورة @Writer/Director Abdallah El Daly
Image caption لقطة من فيلم "أبواب الرحمة"

تقول موظفة المكتب الصحي بحدّة لنادية، بطلة فيلم "أبواب الرحمة"، عندما تحاول تسجيل مولودتها في غياب الأب الذي تخلى عنهما: "بنتك مش حيطلعلها شهادة ميلاد من غير وجود أبوها".

فيلم "أبواب الرحمة"، الذي قدمه عبد الله الدالي كمشروع تخرج في نيويورك وعرض في مهرجان كان في فرنسا، انعكاس لواقع كثير من المصريات اللاتي فقدن حق تسجيل أطفالهن بسبب غياب الأب لظروف عديدة.

قد تكون الأم متزوجة "عرفيا"، أو رسميا، أو غير متزوجة على الإطلاق ولكن تبقى النتيجة واحدة: هناك صعوبة بالغة في تسجيل مولودها بنفسها، إذ أنه وفق العرف السائد في مصر تقع على عاتق الوالد، أو العم أو الجد مهمة تسجيل المولود الجديد .

كما يلزم القانون المصري الأسرة بتسجيل الطفل خلال ١٥ يوما من الميلاد، وإلا يصبح "ساقط قيد".

وفي حال عدم تسجيل الطفل، يعيش مع الأم في وصمة عار، محروما من أبسط الحقوق الصحية والتعليمية. ولكن في ظروف أخرى ترغم الأم على التخلي عن مولودها ويصبح عرضة للانضمام لعالم الجريمة في المستقبل إذ أنه غير مسجل لدى الدولة.

مصدر الصورة Writer/Director Abdallah El Daly
Image caption لقطة من فيلم أبواب الرحمة

"على حق"

هدير مكاوي شابة مصرية تعرضت لكثير من الانتقاد والهجوم من محيطها عندما كتبت في أوائل عام ٢٠١٧على صفحتها على موقع فيسبوك عن صعوبة إثبات نسب مولودها بسبب رفض الأب الاعتراف به، كما أعلنت الشابة تخلي أسرتها عنها.

تبع إعلان هدير لقصتها سيل من الانتقادات، وسط اتهامات أخلاقية لها وتعاطف ضئيل للغاية معها، وحُذف منشورها لكنها ألحقته بمنشور آخر تؤكد فيه أنها رفعت قضية زواج وإثبات نسب على والد الطفل وأن صغيرها "ابن علاقة شرعية بورق زواج ومعرفة المقربين، وبعض من الأهل ليا وليه".

وتؤكد المحامية انتصار السعيد، مديرة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، أن كثيرا من النساء يمتلكن وثيقة تثبت زواجهن الرسمي لكن هذا لا يمنع تعرضهن المصاعب عند تسجيل أبنائهن.

وتقول المحامية إنه في كثير من الحالات، يرفض الأب تسجيل أبنائه "تنصلا من المسؤوليات الاقتصادية أو لأنه لا يريد بناتا".

وتحكي شابة أخرى، هي إيمان (اسم مستعار)، لبي بي سي عن الصعوبة البالغة التي واجهتها عند تسجيل ابنتها بسبب الخلافات الواقعة بينها وبين الأب قبل الولادة.

تقول إيمان: "كانت بيننا خلافات كثيرة وكان قد اتخذ قرار الطلاق والزواج من جديد، فكان يريد تسجيل البنت بإخطار زائف يفيد بأن الولادة تمت في المنزل، مرفقاً عنوان منزل قديم كي يضيع حقي في منزلي وكي لا أطالبه بمصاريف الولادة، ولكن خيب الله أمله وأجريت عملية ولادة قيصرية فلم يستطع تنفيذ مخططه".

وتضيف أن الأب حاول أن يمنع الأم من تسجيل الطفل، لكنها تمكنت من تسجيل مولودتها قبل انتهاء مدة الـ15 يوما بيوم واحد فقط.

اضطرت إيمان لأن تذهب لمكتب الصحة في اليوم الثالث بعد ولادتها، رغم إرهاقها الشديد بسبب العملية القيصرية.

وتقول: "كان موقفا صعبا للغاية.. أن تكوني غير قادرة على تسجيل مولودك، وغير قادرة على إيجاد حل رغم أنك على حق".

مصدر الصورة Writer/Director Abdallah El Daly
Image caption لقطة من فيلم أبواب الرحمة

"المجتمع لا يرحم"

تسمح المادة رقم ١٥ من قانون الطفل المعدل عام ٢٠٠٨ للأم في غياب الأب بتسجيل مولودها عند مكتب الصحة الأقرب لحادثة الولادة "شريطة إثبات العلاقة الزوجية على النحو الذي تبينه اللائحة التنفيذية"، ولكن على الرغم من تلك المادة القانونية، أكد كل المعنيين بحقوق المرأة والطفل الذين تحدثت معهم بي بي سي أن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك.

يقول هاني هلال، المدير التنفيذي لمركز حقوق الطفل وعضو لجنة صياغة القانون، إن المشاكل في التطبيق سببها عدم الالتزام بالقانون من قبل موظفي المكاتب الصحية المخولة بإصدار شهادات ميلاد لحديثي الولادة.

ويشرح أن الموظفين يعملون وفقا للقرارات الوزارية التي تصدرها وزارتا الصحة والداخلية.

ويضيف: "لذا حددنا مجموعة من مكاتب الصحة التي يمكن أن تلجأ لها الأمهات لاستخراج شهادات ميلاد لأبنائها، ولكن حتى هذه المكاتب أحيانا تعرقل الإجراءات."

كما تقول المحامية انتصار السعيد إن الأم تضطر أحيانا للجوء للقضاء والذي قد يستغرق عدة سنوات من أجل إثبات نسب المولود.

وتوضح نجلاء شابون، مؤسسة حملة "أريد حلا"، أنه في بعض القرى والأماكن الشعبية، ومع انتشار ظاهرة زواج القاصرات، لا يتم تسجيل الزواج رسميا لأن المتزوجات يكن تحت السن القانوني للزواج، وبالتالي يواجهن مشكلة في تسجيل الأبناء.

تقول شابون "المجتمع لا يرحم"؛ فنظرة المجتمع للأمهات اللاتي يحاولن إثبات نسب أولادهن قاسية للغاية، ويبقى القضاء ملاذهن الأخير وقد تستغرق الإجراءات سنوات عديدة.

المخرج عبد الله الدالي الذي اختار هذا الموضوع مادة لمشروع تخرجه يقول إن ما دفعه لإنتاج "أبواب الرحمة" هو رغبته في تسليط الضوء على مشكلة الحكم على الآخرين "المتفاقمة في مصر والتي من الممكن أن تدمر حياة شخص ليس له أي ذنب".

مصدر الصورة Writer/Director Abdallah El Daly
Image caption من فيلم أبواب الرحمة

حل؟

يؤكد هاني هلال، المدير التنفيذي لمركز حقوق الطفل، أن الأطفال غير المسجلين يفقدون حقهم في الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية، "كما تصبح أكثر عرضة لعالم الجريمة اذ انها غير مسجلة عند الدولة" مما يجعلها هدفا مغريا لعصابات الاجرام "للاتجار بها"، كما يجعل طريق الإجرام سهل المسلك بالنسبة للأطفال.

لذا تعمل مؤسسة القاهرة على صياغة تعديل للمادة رقم ١٥ من قانون الطفل كي تمنح الأم الحق بتسجيل مولودها في غياب الأب في حال وجود قسيمة الزواج، وبالتالي يتم إخطار الأب رسميا بأن طفلا قد سجل باسمه، وفي حال رفضه بالاعتراف بالطفل خلال عام من ميلاده يمكن التقدم بطلب تحليل الحمض النووي، فإذا ثبت عدم صلته بالطفل يكون من حقه القانوني عدم الاعتراف به.

تشدد لمياء لطفي، عضو مؤسسة المرأة الجديدة التي تشارك في صياغة المقترحات، على أهمية الفصل بين قضايا إثبات النسب وقضايا إثبات الزواج، فتؤكد أن المحاكم المصرية ترفض إثبات نسب الأبناء اذ لم تستطع الأم إثبات زواجها من الأب.

وتقول: "لكل طفل حقه أن يعرف والده وأن ينسب إليه، سواء كان نتيجة علاقة شرعية أو غير شرعية".

المزيد حول هذه القصة