مجلس أوصياء الجامعة الأمريكية في القاهرة يجدد الثقة في رئيسها رغم رفض مجلس شورى الجامعة

بومبيو في الجامعة الأمريكية مصدر الصورة Reuters
Image caption دعوة بومبيو خلقت بلبلة في الجامعة

"أشكر فرانسيس ريتشاردوني (رئيس الجامعة الأمريكية في القاهرة). شكرا لخدماتك للولايات المتحدة بجانب المهام التي تقوم بها هنا." هكذا استهل وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الخطاب الذي ألقاه في الجامعة الأمريكية في القاهرة، في العاشر من يناير/كانون الثاني الماضي. لكن هذا الشكر تسبب في سجال حول بقاء رئيس الجامعة في منصبه.

وأرسل مجلس أوصياء الجامعة رسالة إلكترونية يوم 11 فبراير/شباط، جاء فيها إن "مجلس الأوصياء هو الجهة العليا المنوط بها مسئولية إدارة الجامعة وصنع القرار وهو الجهة المؤتمنة على ذلك، ونحن نضطلع بهذه المهمة الرئيسية على أكمل وجه. ومن ثم يجدد المجلس تأكيده بالإجماع على ثقته المستمرة ودعمه التام لكل من رئيس الجامعة فرانسيس ريتشياردوني وإدارة الجامعة. ويثني المجلس على قيادة الرئيس ريتشاردوني وقراراته، والتي نراها قرارات جوهرية للنجاح الحالي والمستقبلي للجامعة."

وتسببت زيارة بومبيو في سجال بين الإدارة من جهة، والأساتذة والطلاب من جهة أخرى، انتهى إلى تصويت كل من الجمعية العمومية لأساتذة الجامعة ومجلس شورى الجامعة الأسبوع الماضي بسحب الثقة من ريتشاردوني، بنسبة أصوات تعدت 80 في المئة.

وأرسل أعضاء هيئة التدريس خطابا لرئيس مجلس شورى الجامعة في الثالث من فبراير/شباط، عبروا فيه عن قلقهم إزاء الأوضاع الحالية في الجامعة، وأنها قد تكون "الأسوأ على الإطلاق". وأرجعوا السبب إلى سوء الإدارة، وغياب الشفافية، والاستئثار باتخاذات القرارات، وتهميش دور الأساتذة والعاملين، ما تسبب في تراجع الروح المعنوية لمجتمع الجامعة.

وتعود الواقعة إلى زيارة بومبيو للقاهرة الشهر الماضي، إذ وضع ريتشاردوني إحدى قاعات الجامعة الأمريكية - والحرم الجامعي بشكل عام - تحت تصرف السفارة الأمريكية، لاستضافة المؤتمر الصحفي الذي عقده بومبيو أثناء زيارته لمصر. واتُخذ القرار بشكل فردي، دون اتباع الإجراءات الإدارية المعتادة عند استقبال الشخصيات العامة، وعلى رأسها التشاور مع ممثلي الفئات المختلفة بالجامعة.

وفُرضت تدابير أمنية على الحرم الجامعي في يوم الزيارة، فيما يتعلق بالدخول والخروج وحرية الحركة داخل الجامعة، واقتصرت الدعوة على من اختارتهم السفارة الأمريكية من الشخصيات العامة ووسائل الإعلام، وإقصاء مجتمع الجامعة.

ووصف ريتشاردوني الزيارة بأنها "فرصة ليعرف الجمهور حول العالم أن الجامعة الأمريكية في خدمة مواطني مصر والعالم العربي، ومنارة لنظام التعليم الحر الأمريكي"، وذلك في بريد إلكتروني أُرسل إلى عموم الجامعة بعد يومين من الزيارة. كما أثنى على تعاون طلبة وأساتذة الجامعة، وحسن استقبالهم لوزير الخارجية الأمريكي وزوجته، قبل أن يذكر لاحقا في الرسالة نفسها أن ترتيب الزيارة تم في سرية.

تحرك غير مسبوق

وأثارت الزيارة استياء الأساتذة والطلبة، الذين اعترضوا على وضع الجامعة في شبهة الربط بالخارجية الأمريكية، ووكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي أيه)، بجانب شخص بومبيو المثير للجدل بسبب تصريحاته بتأييد التعذيب ورفضه لغلق معتقل غوانتانامو.

وجاءت المبادرة من رئيسة قسم التاريخ بالجامعة، باسكال غزالة، التي قالت إن نظرة ريتشاردوني (التي عبر عنها في رسالته الإلكترونية) وطريقة تصرفه يعكسان خلاف جذري مع مجتمع الجامعة حول رؤيته لها كمكان للبحث والتعليم. وأضافت، في رسالة إلكترونية ردا على ريتشاردوني، إن حرية التعبير كانت تقتضي التشاور قبل استضافة بومبيو ليروج للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، ووضع الحرم الجامعي تحت تصرف السفارة الأمريكية بهذا الشكل.

ويقول طاهر المعتز بالله، رئيس اتحاد الطلبة السابق ومؤلف كتاب "الحركة الطلابية في الجامعة الأمريكية"، في حوار مع بي بي سي إن التصويت بسحب الثقة أمر غير مسبوق في تاريخ الجامعة، "كما أنه تحرك يقوده أساتذة الجامعة لأول مرة، على خلاف التحركات السابقة التي كان يقودها الطلاب وينضم إليها بعض الأساتذة."

وأشار المعتز بالله إلى سياسات التضييق على الأساتذة التي تنتهجها الإدارة مؤخرا، "إذ تحاول الجامعة تقليص عدد الأساتذة الدائمين بالجامعة، وزيادة أعداد الأساتذة المؤقتين، بغية الحد من أي أصوات معارضة لسياسة الجامعة." وأضاف أن خلفية ريتشاردوني الدبلوماسية غالبا ما دفعته إلى التصرف بهذه الطريقة، "فالسفير عادة ما يمثل وينفذ السياسات التي تُملى عليه، ولا يشارك في وضعها بالضرورة."

وهنا تجدر الإشارة إلى تصريح رئيس الجامعة في اجتماع مع الأساتذة، في الثالث من فبراير/شباط، برر فيه الواقعة بأن "جهة ما" هي التي طلبت منه استضافة كلمة بومبيو في حرم الجامعة.

وبحسب ميثاق الجامعة الأمريكية في القاهرة، فهي مؤسسة تعليمية غير مسيسة وغير هادفة للربح. ودائما ما تعاملت إدارتها بحذر مع الوقوع في شبهة اتخاذ موقف سياسي أو استضافة شخصيات تُسقط توجهاتها على صورة الجامعة.

وتضمن خطاب بومبيو عددا من النقاط الشائكة، إذ استهله بانتقاد لاذع لسياسات الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما. ثم استرسل في الثناء على سياسات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وتعاون دول الخليج في "محاربة الإرهاب"، وتعاون النظم العربية الحالية مع إسرائيل، والتأكيد على الاستمرار في العمليات العسكرية في اليمن، ومواجهة "محاولات إيران للهيمنة على المنطقة".

"هوس أمني"

وهذه ليست المرة الأولى التي تثير فيها إدارة ريتشاردوني سخط مجتمع الجامعة، وذلك منذ توليه إدارة الجامعة عام 2015، إذ أقام لنفسه آنذاك حفل تدشين مهيب وباذخ داخل حرم الجامعة، قالت الإدارة إن تكلفته كانت هدية من رعاة الجامعة.

كما اتخذت الإدارة العديد من الإجراءات الصارمة، من بينها منع الطالبات المنتقبات من الدخول إلى الجامعة، وفرض قيود على الأنشطة الطلابية بمنع التدريبات وجلسات النقاش السياسية، وزيادة المصروفات الدراسية بشكل غير مسبوق.

كذلك أضافت الإدارة عددا من التدابير الأمنية غير المسبوقة، من بينها وضع كاميرات مراقبة في كل أنحاء الحرم الجامعي، وتعزيز إجراءات التفتيش على البوابات، ومحاولة مراقبة الصفحات الطلابية على مواقع التواصل الاجتماعي.

ويقول المعتز بالله إن هذه الإجراءات تشي بهوس أمني غير طبيعي، كما أنها تقلص قدرة الطلبة على بناء الشخصية، "فالعامل الأقوى الذي تستمد منه الجامعة سمعتها هو حرية التعبير والأنشطة الطلابية التي تساعد على بناء الشخصية. وتقييد الأنشطة وكبت الحريات، كنوع من الربط بينها وبين الاحتجاجات الطلابية، لا يصب في صالح الجامعة."

مساحة للتفاهم

وانضم طلبة الجامعة للحراك المطالب بإقالة رئيسها. وبحسب أحد الطلاب الفاعلين في الحراك، رفض ذكر اسمه، انتشرت دعوات إلى تصويت طلابي بسحب الثقة من رئيس الجامعة والضغط على الإدارة، رغم كونه تصويتا رمزيا لدعم موقف الجمعية العمومية للأساتذة.

وكان مجلس أوصياء الجامعة قد ناشد الأساتذة تأجيل التصويت لحين استكمال الاجتماعات المقررة بين المجلس وأعضاء هيئة التدريس الأسبوع المقبل.

وأكد ريتشاردوني في رسالة إلكترونية موجهة لعموم الجامعة في الخامس من فبراير/شباط أنه على يقين "أن مجلس أمناء الجامعة يشاركني في الإصرار على إجراء المقابلات المحددة مسبقا (قبل التصويت) مع الأساتذة والموظفين والطلبة، في ضوء الاحترام المتبادل والتفاهم والمصارحة بخصوص كل الأمور."

وأتى التصويت قبل يوم من الزيارة نصف السنوية لمجلس أوصياء الجامعة، الذي يجتمع الأسبوع المقبل للبت في أمر إقالة رئيس الجامعة.

ويرجح كل من المعتز بالله وعضو الحراك الطلابي أن ينتهي الأمر إلى حل وسط بالإبقاء على ريتشاردوني حتى نهاية فترته في نهاية العام الدراسي 2018-2019، وعدم التجديد لفترة أخرى.

ويقول عضو الحراك الطلابي: "أشك أن يتخذ مجلس الأوصياء قرارا بفصله. لكن قد نشهد تعيين رئيس جديد للجامعة في العام المقبل."

كما قال المعتز بالله إن مجلس الأوصياء هو من عين رئيس الجامعة من البداية، وسيحرص على الإبقاء عليه حتى نهاية فترته.

وتتزامن هذه الأزمة مع احتفال الجامعة الأمريكية بمرور مئة عام على تأسيسها، شهدت خلالها تعيين 11 رئيسا. وفي حالة حدوثها، ستكون تلك المرة الأولى التي يتم فيها سحب الثقة من رئيس الجامعة بمثل هذا التصويت.

وريتشاردوني هو دبلوماسي سابق، خدم كسفير للولايات المتحدة في تركيا، ومصر، والفلبين وبالاو، وقائم بالأعمال في أفغانستان. وهو ليس أول دبلوماسي أمريكي يتولى رئاسة الجامعة، إذ سبقه كريستوفر ثورون (1969 - 1974)، وريتشارد بيدرسون (1977 - 1990).

المزيد حول هذه القصة