موريتانيا: حملة انتخابية ساخنة

دعاية انتخابية
Image caption هناك منافسة شديدة بين المرشحين

حملة انتخابية ساخنة في أجواء استثنائية.. أموال سياسية "غير محتشمة".. عسكري نضد عسكري.. ومدنيون ضد الجميع.. وبروز " أوباما" موريتاني.

هذه أهم ملامح الحالة السياسية في موريتانيا المقبلة التي ستشهد في الثامن عشرمن يوليو الجاري انتخابات رئاسية هي ثمرة اتفاق داكار الذي توصلت إليه القوى السياسية الرافضة لانقلاب أغسطس/ آب الماضي مع قائد الإنقلاب الجنرال محمد ولد عبد العزيز.

وقد أثمرت مفاوضات داكار أيضا عن تخلي الرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبد اللهعن المطالبة بالعودة إلي السلطة مقابل حل المجلس العسكري الذي أطاح به فيانقلاب أبيض.

ويأمل الموريتانيون من هذه الانتخابات أن تعيد الإستقرار إلي بلادهم، و" الأمن المعيشي" الذي فقد منذ فرضت أوروبا والولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على نظام الجنرالات منذ سيطروا على مقاليد الأمور قبل أحد عشر شهرا.

الضبط والديمقراطية

ويتقدم إلى هذه الإنتخابات عشرة مرشحين يسوق كل واحد منهم للموريتانيين حلما. ومن بين هؤلاء ثلاثة من العسكريين هم الرائد صالح ولد حننه والجنرال محمد ولدعبد العزيز، والعقيد علي ولد محمد فال.

ويشترك الثلاثة في الإنتماء لمؤسسة يروج البعض أنها وحدها القادرة على أن تقدم رئيسأ يجمع بين الديمقراطية والقدرة علي ضبط الأمور في بلد ما يزال في حاجة إلي " قبضة ناعمة"، غير أن كل ما غير ذلك يفرقهم. بل إن ولد عبدالعزيز هو الآن ألد أعداء ولد محمد فال، ويسانده ولد حننه.

ويقدم الجنرال عزيز نفسه للموريتانيين تحت شعار " مرشح الفقراء"، ويتعهد بمحاربة الرشوة والفساد. وهو يتهم في خطبه خصومه بأنهم " فاسدون ومفسدون".

وتعهد خطاب له بفتح "المزيد من السجون للزج بالمفسدين فيها إذا ما ضاقت عليهم السجون الموجودة".

وقد قربه خطابه " الشعبوي" من نفوس بعض الأوساط، كما كان لقراره بغلق السفارة الإسرائيلية في نواكشوط دوره في ذلك أيضا.

أما العقيد فال فيقدم نفسه الرجل الذي " يوحي بالثقة فشخصيته القوية الهادئة وخبرته الطويلة مديرا للأمن الوطني، وتجربته في انقلاب 2005 الذي حكم في إثره أقل من عامين لتحضير انتخابات نزيهة لم يرشح نفسه فيها، كما لم يسمح بترشح أي من العسكريين عناصر تجعله المرشح الأولي بثقة الموريتانيين" كما تقول مريم بنت السباعي، العضو في حملة العقيد فال.

وتتحدث بنت السباعي عن "علاقاته الدولية الواسعة وسمعته خارج البلاد التي هي الطريق إلي استدراج الإستثمارات والمساعدات المالية الدولية".

ويقدم ولد محمد فال نفسه باعتباره منزلة وسطى بين الجنرال عزيز الذي تقول حملة العقيد إن انتخابه يعني تشريع انقلاب أغسطس الماضي، وبين المعارضة الراديكالية التي يهادنها أنصار العقيد إلى الآن، لكنهم يقولون إن "الظروف التاريخية قدمت للعقيد ما لم تقدم للمرشحين الآخرين"، حسب ما تراه بنت السباعي.

المعارضة

وفي الطرف الآخر فشلت المعارضة في التقدم بمرشح موحد لكنها – باستثناء الإسلاميين – تجمع على أن المهم الآن هو منع انتخاب أي من العسكريين،وتقدم نفسها الضمان الأكيد للقطيعة مع الماضي العسكري.

وقد وقع اثنان من أكبر مرشحي المعارضة اتفاقا يقضي بأن يصوت كل منهما للطرف الذي يصل إلى الجولة الثانية من الإنتخابات لسد الباب أمام العسكريين.

وهذان المرشحان هما أحمد ولد داداه رئيس تكتل القوى الديمقراطية الذي ترشح مرار اللانتخابات الرئاسية ولم يحالفه الحظ، ومسعود ولد بلخير رئيس " التحالف الشعبي التقدمي" الذي تدعمه الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية باستثناء حزب " تواصل" الإسلامي.

ولد داده يقدم نفسه بصفته مرشح التغيير الذي يضمن انتقالا حقيقيا نحو الديمقراطية ويعد الموريتانيين بالإصلاح الإقتصادي والسياسي.

كما تستخدم حملة ولد داداه صموده الطويل " معارضا لا يلين" للأنظمة العسكرية التي تعاقبت على البلاد في تلميع صورته.

"أوباما الموريتاني"

Image caption الصحافة احدى وسائل الدعاية الانتخابية

اما مسعود ولد بلخير أو " أوباما" الموريتاني فهو مرشح الطبقات المسحوقة وإن أحاط نفسه هذه المرة برجال من كل العهود والمشارب لاتساع قاعدة دعمه نتيجةانضمام قوي الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية إليه.

و"أوباما" الموريتاني من فئة " الحراطين" وهم عرب سود البشرة تعود أصولهم إلي عهود الإسترقاق.

وقد اشتهر مسعود خلال العقود الأخيرة بالدفاع عن فئته، ومحاربة ظاهرة الإسترقاق إلي درجة تجريم عرب موريتانيا ذوي الألوان القمحية.

وخلال الإنتخابات التي أجريت خلال فترة التسعينات إلى الآن ظل ناخبو مسعود في الغالب من طبقة "الحراطين" غير أنه في هذه المرة يقف وراء الرجل موريتانيون من كل الطبقات والأعراق. وقد اعتمد رجالا من أبناء أسياد الأمس مديرين لحملته الإنتخابية.

ويعتبر ظهور مسعود مرشحا لكل الموريتانيين ظاهرة جديدة في مجتمع يتسم بالطبقية الحادة. ولم يكن متصورا أن تكون لدي أحد أحفاد العبيد حظوظ كبيرة في أن يكون رئيسا لموريتانيا إلا في المستقبل البعيد.

ويقدم " أوباما" الموريتاني نفسه بصفته المرشح الخارج "من رحم الظلم إلى الدنيا" كما كتب سيدينا ولد إسلمو أحد أنصاره.

ويضيف ولد إسلمو أنه " من اجل العدالة والمساواة والدفاع عن حقوق المحرومين والمضطهدين، عاش حياته متنقلا أو منقولا بين السجون والمنافي".

ويعد مسعود الموريتانيين بمحو الفوارق بين الطبقات، مشيرا إلى أن ذلك يتطلب "رجلا خارجا من قاع المجتمع، يحس بنبض المحرومين، شاركهم اللقمة البسيطة، كد معهم، عانى مثلهم، تقاسم معهم الذل والحرمان".

ويروج علي نطاق واسع أن المرشحين كل حسب طاقته استخدموا المال في شراء الولاء.

ومن دون شك يلعب المال دورا كبيرا في هذه الإنتخابات اقله إعطاء الإنطباع بالقوة.

وقالت فاطمة بنت أحمد وهي مواطنة عادية تعيش في حي شعبي إن " بعض المرشحين بدأوا في شراء بطاقات هوية الناخبين المفترض أن يصوتوا لمنافسيهم وذلك لمنعهم من التصويت".

وتقول فاطمة إن الفقراء " يجدون الآن فرصة لاستعادة حقوقهم من الأغنياء من خلال مال الحملة".

وتتردد في الأحياء الشعبية والأرياف عبارات مثل: " كلوا أموالهم ولا تصوتوا، أو كلوا ماله وصوتوا لغيره".