ايران تستلهم دروس الماضي لقمع المعارضين

تظاهرة في طهران
Image caption بدت الحكومة الايرانية، في الايام التي تلت الاعلان عن نتيجة الانتخابات مباشرة، في حالة تخبط

عندما كان معارضو اعادة انتخاب الرئيس محمود احمدي نجاد ما زالوا يخرجون بالآلاف الى شوارع طهران في تظاهرات للتعبير عن شجبهم لنتيجة الانتخابات، قال لي احد المتظاهرين المتحمسين إن ايران تستفيق من سباتها.

ولكن قبل ليلتين، قال لي ايراني آخر إن طهران ترقد الآن في غيبوبة.

الفرق بين الموقفين شاسع جدا، ويعكس حقيقة ان قوات الامن والمخابرات قد نجحت في اعادة سيطرة الحكومة على الموقف في الشارع الايراني.

فقد عاد الايرانيون - الذين كانوا منذ اسبوعين فقط حريصون على ابداء آرائهم لكل من هب ودب - الى صمتهم المعهود خوفا من ان تصل كلماتهم الى آذان السلطة.

بدت الحكومة الايرانية، في الايام التي تلت الاعلان عن نتيجة الانتخابات مباشرة، في حالة تخبط. فقد صدمت بحجم الاحتجاجات وشراستها.

ولكن الموقف بدأ بالتغير بعد ان القى مرشد الثورة آية الله علي خامنئي خطبة شديدة اللهجة في صلاة الجمعة يوم التاسع عشر من الشهر الماضي اكد فيها التزام النظام بفوز الرئيس احمدي نجاد.

وفيما وصف العديد من المراقبين الاحداث التي تلت ذلك بحملة قمع حكومية، بدا واضحا ايضا ان زعماء الجمهورية الاسلامية قد اخذوا العبر من الطريقة التي استولوا هم بها على السلطة في عام 1979.

Image caption بشكل عام، لم تستخدم قوات الامن العنف القاتل ضد المتظاهرين

فالتظاهرات والمسيرات والاحتجاجات التي اجبرت الشاه على التنحي سمح لها بالخروج عن نطاق السيطرة. فكل ما قتل متظاهر برصاص جيش الشاه، تحولت جنازته الى تظاهرة جديدة.

وقد ادى الارتباك الذي اتسمت به تصرفات الشاه الى اضعاف موقفه الى حد بعيد.

تحاول قوات الامن هذه المرة استخدام مبدأ "القوة الادنى" في التعامل مع المتظاهرين، فقد تجنبت في اكثر الاحيان - وليس كلها - استخدام العتاد الحي، واستعاضت عوض ذلك بالترهيب.

فقد شنت قوات الشرطة والبسيج حملات اعتقالات واسعة، ودأبت على استخدام وسائل الاعلام لتحذير المعارضين من عواقب قيامهم بالتظاهر، كما استخدمت العنف غير القاتل بشكل واسع ضد المتظاهرين.

كما منعت السلطات ذوي القتلى من اقامة مجالس العزاء.

وقد شارك الحرس الثوري بفعالية في قمع الاحتجاجات الاخيرة.

ففي مؤتمر صحفي عقده في الاسبوع الماضي، اعلن محمد علي جعفري قائد الحرس للمرة الاولى بأن وحداته قد كلفت بواجب السيطرة على الوضع الامني الداخلي.

وقال في تصريح ذا مغزى عميق: "الاحداث الاخيرة مثلت مرحلة جديدة للثورة علينا ان نتفهم كافة جوانبها."

اي بعبارة اخرى، ان الحرس الثوري اصبح يسيطر الآن على مقاليد الامور.

يمثل هذا التطور في حقيقة الامر امتدادا لتوجه بدأ عام 1989 عندما خلف خامنئي آية الله خميني على رأس هرم السلطة في ايران.

فخامنئي الذي كان يفتقر الى منزلة خميني الدينية والى جاذبيته الجماهيرية عمد الى اجتذاب الحرس الثوري الى جانبه من اجل تثبيت موقعه السياسي.

ومنذ انتخاب محمود احمدي نجاد رئيسا للبلاد قبل سنوات اربع، لاحظ المراقبون تسارع هذا النهج حيث منح الحرس الثوري عقودا قيمتها مليارات الدولارات من اجل ضمان ولائهم لخامنئي وجناحه المحافظ.

وفي الواقع، لاحظ الدبلوماسيون في طهران منذ سنتين تقريبا ان انقلابا عسكريا صامتا قد وقع في ايران نجم عنه تقلص نفوذ رجال الدين الى حد بعيد.

لذلك لم يفاجأ كثيرون بالقلق الذي يبديه العديد من كبار رجال الدين واعضاء مجلس الشورى ازاء التطورات الاخيرة.

ولكن يبدو ان الصراع بين المعارضة والحكومة قد وصل الآن الى طريق مسدود. فالغضب الجماهيري مستمر والاحتجاجات ما زالت تندلع بين الحين والآخر. وقد يؤدي استمرار هذه الاحتجاجات الى ان تزيد قوات الامن من استخدامها للعنف مما قد ينتج عنه نتائج عكسية بالنسبة للنظام الحاكم.

وفي ذات الوقت تواجه الحكومة احتمال تعرضها لتحديات جديدة لشرعيتها من جانب رجال الدين ومجلس الشورى.

ولذا فالرئيس احمدي نجاد سيواجه صعوبات جمة في تعزيز سلطته. بعبارة اخرى، ستعتمد الحكومة التي يترأسها بشكل متزايد على القوة المجردة - او التهديد بها - لتثبيت دعائم سلطتها، مما سيجعل الجمهورية الاسلامية اشبه بديكتاتورية عسكرية من اي شئ آخر.

في ظرف كهذا، يبدو ان بروز تهديد خارجي جديد هو الحل الامثل لمشاكل النظام. وبالفعل، فقد حاولت الحكومة تصوير الاحتجاجات على انها مدفوعة من الخارج.

ولكن الرئيس الامريكي باراك اوباما ليس بالعدو التقليدي. ففي يوم الخميس، قامت القوات الامريكية في العراق بشكل مفاجئ باطلاق سراح خمسة ديبلوماسيين ايرانيين كانت قد القت القبض عليهم في مدينة اربيل قبل 30 شهرا مما ازال سببا مهما للخلاف بين البلدين.

ما زال من الممكن ان ينجح الرئيس احمدي نجاد في فرض النظام والاستمرار في الحكم كما في السابق، فهو يتمتع بدعم الملايين من الاتباع الموالين له بمن فيهم افراد الحرس الثوري والبسيج.

ولكن الجمهورية الاسلامية اصيبت اصابة محققة، وقد بدأت عملية التغيير فعلا - ولا يعرف احد كيف ومتى ستنتهي هذه العملية.