مخيمات اللجوء في تشاد: قرى دارفورية برعاية دولية

مخيم تلوم للاجئي دارفور شرقي تشاد
Image caption مخيم تلوم للاجئي دارفور شرقي تشاد عبارة عن مجمع قرى دارفورية

شرقي تشاد يعج بتحركات المنظمات الدولية. طائرات صغيرة ورحلات تقل رسميين وصحفيين وموظفي منظمات. لدى الوصول الى مدينة ابشه في الشرق، لا يمكن الا التوقف عند الحجم الهائل للبنية التحتية التي تشغلها المنظمات وبخاصة الامم المتحدة والوكالات التابعة لها في المنطقة.

ليس من الغريب وصف تشاد بـ"بلد" اللاجئين. فزيارة بضعة ايام الى هذا البلد لا يمكن الا ان تظهر حجم معضلة اللجوء.

الامم المتحدة تفرق بين النزوح واللجوء. فالعمل في مخيمات النزوح يختلف حسب الامم المتحدة اداريا ولوجستيا عن العمل في مخيمات اللجوء. وبينما ينظر الى اللجوء على انه قدوم مواطنين هربوا من بلد آخر مجاور، يقتصر النزوح على المهجرين المحليين وعددهم في تشاد 180 الف شخص تهجروا ونزحوا بسبب نزاعات اثنية وقبلية مختلفة شمالي وجنوبي البلاد. يبلغ عدد اللاجئين السودانيين نحو 250 الفا، اما عدد اللاجئين من جمهورية افريقيا الوسطى فيتخطى الـ12 الف شخص، وهي ظاهرة مستمرة ومتفاقمة حسبما تشير المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

وتجدر الاشارة هنا الى ان جغرافية تشاد، التي تتشارك حدودها مع ستة بلدان، تعتبر سببا اساسيا لحالة عدم الاستقرار السياسي والامني في البلد الذي تبلغ مساحته مليون و 284 الف كيلومتر مربع والذي يقدر الطول الاجمالي لحدوده البرية بنحو 6 آلاف كيلومتر.

بالرغم من اهمية المعضلات السياسية والجغرافية والقبلية والاجتماعية في تشاد، وتعدد المشاكل التي تعاني منها البلاد، تشكل قضية لاجئي دارفور في تشاد احد اهم التحديات للحكومة التشادية و للمنظمات الانسانية وعلى رأسها الامم المتحدة.

المشاكل

تغطية اوضاع كل مخيمات اللاجئين السودانيين في شرقي تشاد تتطلب اشهرا طويلة من العمل لان المشاكل التي تعاني منها المخيمات الـ12 التي تديرها الامم المتحدة في شرقي البلاد مختلفة ومتنوعة وتتعلق بطبيعة المناطق التي تقع فيها المخيمات والتركيبة الاثنية والاجتماعية لسكان كل مخيم.

فعلى سبيل المثال، يشكل موضوع المياه المشكلة الاساسية في مخيم تلوم، اما في مخيم ام نبك، القريب من الحدود مع السودان، فالمشكلة الاساسية امنية، حسبما تقول الامم المتحدة.

Image caption السوق في مخيم ايريديمي بالغ التواضع

وعلى الرغم من ان كل مخيم يمكن ان يكون لديه مشكلة تشكل عنوانا اساسيا لصعوبة الحياة فيه، الا ان هناك ايضا اوجه شبه عديدة بين مخيمات اللاجئين. ويعود ذلك تحديدا الى التقسيم الذي اعتمدته المفوضية العليا في تنظيمها بناء وادارة المخيمات.

تنسيق ادارة المخيمات لوجستيا وامنيا هو عبارة عن عمل مشترك بين سكان المخيم والسلطات التشادية والامم المتحدة ومنظمات اخرى.

السلطات التشادية هي التي ترعى الامن في المخيمات من خلال فرق "المفرزة المتكاملة للامن" المفصولة عن الشرطة التشادية.

مكتب المفرزة الذي يرفرف عليه العلم التشادي هو المكان الاول الذي يجب على كل زائر التوقف عنده لابراز اوراقه وتصاريحه كي يسمح له بالدخول الى المخيم. وحدها المنظمات الانسانية العاملة في المخيمات والمعروفة من السلطات التشادية لها حق التحرك بحرية تامة دون ان تتعرض لسيل من الاسئلة.

رعاية تشادية

ترعى السلطات التشادية كذلك المخيمات من خلال شخص مدير المخيم، وهو موظف تشادي يتولى التنسيق بين الاهالي والمنظمات الانسانية والسلطات التشادية.

في المخيمين اللذين اتيح لنا زيارتهما أي مخيمي تلوم واريديمي لاحظنا ان مدير المخيم مقره مكتب منظمة كير الدولية، وهي منظمة انسانية كندية.

بعد عبور بوابة المخيم وتخطي الحاجز الامني، لا يمكن الا ملاحظة مكاتب المنظمات الدولية. هي ليست فعلا مكاتب، بل "هنجارات" على شكل مخازن يقتصر اثاثها على بعض الكراسي البلاستيكية والطاولات العتيقة.

لا يمكن لاي زائر الى مخيمات اللاجئين الا ان يستوقفه دور المنظمات من المفوضية العليا للاجئين وبرنامج الغذاء العالمي واليونيسكو وكلها تابعة للامم المتحدة بالاضافة الى منظمتي "كير" الدولية واطباء بلا حدود.

لا يمكن ادارة المخيمات انسانيا وحياتيا دون التنسيق بين مختلف المنظمات وتوزيع الادوار كما هو الحال. فعلى سبيل المثال تهتم المفوضية العليا بالوضع الرسمي واللوجستي، وبرنامج الغذاء العالمي يساهم في تأمين السلامة الغذائية، بينما تسهر اليونيسيف على مسألة التعليم، اما كير الدولية، فاشتهرت في المخيمات بوضع البرامج الاقتصادية كالقروض الصغيرة وخلق فرص عمل داخل المخيم.

فقد دعمت كير على سبيل المثال انشاء معمل للصابون في مخيم اريديمي الذي يتخطى عدد سكانه الـ18 الف شخص، ومشاغلا في مخيمي اريديمي وتلوم (الذي يتخطى عدد سكانه الـ23 الف شخص) لصناعة اوان لتسخين المياه والطبخ بواسطة الطاقة الشمسية بهدف توفير الحطب ومكافحة مشكلة التصحر.

وكما هو متوقع، تعنى منظمة اطباء بلا حدود بادارة المستشفيات في المخيمات وتقديم الخدمة الطبية المجانية للمرضى والعجزة في المخيم.

Image caption اماكن تعبئة المياه تعج باللاجئين طوال ساعات النهار

من بعيد، المخيم اشبه بقرية دارفورية عملاقة. بيوت مصنوعة من الطين، ومسقوفة برزم القش. من الداخل، بيوت قروية بالغة التواضع، ملفتة نظافتها واعتناء نساء المخيم بها على الرغم من الطبيعة الرملية للمنطقة وغياب كل ما له علاقة بمواد البناء الحديثة. اما في موسم الامطار، فالحل يتمثل باعتماد الطريقة البدائية الشهيرة التي تقتصر على بل روث المواشي ومزجه بالقش وطلاء الحيطان به ليشكل عازلا ويجعلها مقاومة الامطار.

الاحجام الكبيرة للمخيمات فرضت تقسيمها على اساس مناطق. ففي تلوم واريديمي مثلا 10 مناطق لكل منها مدرستها المحلية بالاضافة الى مدرسة مركزية.

وفي كل مناسبة يقع النظر فيها على مجموعة من الاثواب المزركشة التي تلون الطبيعة الرملية الصحراوية الباهتة، فهناك حتما بجوارها حنفية مياه تملأ النسوة والشابات اللاجئات الاوعية لتنقلها على ظهور الحمير الى المنازل.

وفي كل مخيم كذلك سوق رئيسي، يحتوي على كل المواد الاساسية التي تلزم، وحتى المطاعم والحلاقين ومحال عصير الفواكه. وتلقى هذه الاسواق تشجيعا كبيرا من قبل المنظمات، مثل كير الدولية التي تزود البعض بقروض صغيرة دون فائدة ليؤسسوا مشروعا تجاريا.

باختصار، حياة اللاجئ منظمة، وهناك دوما مجموعة من كبار الشيوخ السودانيين المطاعين من قبل المواطنين. هؤلاء كانوا من اعيان قراهم ومناطقهم، ويلعبون في المخيم دور الوسيط والمنسق مع موظفي الامن التابعين للمفرزة او مع المدير التشادي للمخيم والمنظمات الانسانية.

لا تشبه حياة اللاجئ حياة سكان المدن، وفي الكثير من الاحيان لا تشبه ايضا حياة سكان القرى والمزارعين لان جغرافية المنطقة وشح المياه لا تتيحان الزراعة. لكن في "المخيم - المدينة" يعطي انطباعا اساسيا وهو ان اللاجئ ، وعلى الرغم من الرعاية شبه التامة التي تؤمنها له المنظمات، يحاول لا شعوريا استيلاد نمط حياة عادية ومنظمة يدور حول الجيرة والسوق والمدرسة والعمل.

ومن إذاعة بي بي سي العربية يذاع البرنامج الوثائقي في اربعة اجزاء وذلك يوم الجمعة من كل اسبوع بدءا من 24 يوليو- تموز في السابعة والنصف صباحا بتوقيت جرينيتش. ويعاد في الثامنة والنصف، والتاسعة والنصف صباحا، والرابعة والنصف من بعد الظهر وفي حصاد اليوم الاخباري في التاسعة والنصف مساء بتوقيت جرينتش.