حياة التمرد وامل مقاتلي العدل والمساواة باسقاط النظام

متمردون من العدل والمساواة
Image caption متمردون من العدل والمساواة في وادي هور

متمردون، خارجون عن العدالة السودانية، يعيشون في مناطق يسيطرون عليها لانهم مسلحون وقادرون على احكام قبضتهم والتنقل بحرية في المناطق الريفية في دارفور.

لا يفعلون ذلك في شمال دارفور التي زرتها برفقتهم، بل يدعون انهم يتواجدون ويتحركون بحرية في ارياف المحافظات الـ 6 لدارفور الذي يوازي بمساحته فرنسا.

ما تمكنا من مشاهدته في مخيم قيادة حركة العدل والمساواة الذي قضينا فيه نحو 3 ايام يسمح الى حد ما برسم ملامح حياة المقاتل المتمرد في ارياف دارفور الشاسعة.

مخيم قيادة الحركة يقع في وادي هور الشاسع الذي تبلغ مساحته 1.455.300 هكتار والذي يمتد بين ولاية شمال دارفور وولاية شمال كردفان والولاية الشمالية.

وعلى الرغم من ان هذه الغابة محاطة بالصحراء الا ان خضرة الاشجار وكثافة العشب في بعض الاماكن ملفتة، ما يشير الى وجود حياة برية تختلف عن الحياة البرية الصحراوية.

فحسبما سمعنا من المتمردين ان في هذه الغابة غزلان وارانب وذئاب وثعالب وثعابين وبالطبع الكثير من الحيوانات والحشرات...

واصر كل من المتمردين الذين تكلمنا معهم على التعبير عن احترامهم للحياة البرية، والامتناع عن قنص الحيوانات على الرغم من امتلاك كل منهم بندقيته جاهزة للاستعمال. حتى العقارب والثعابين، كما يقول لي حامد حجر البالغ 40 عاما من العمر، يحاول الشبان ابعادها وجعلها تهرب بدلا من قتلها.

ويضيف حامد ان "على الانسان المحافظة على البيئة التي يعيش فيها، وبما ان الخلاء وهذه الغابة هي المكان التي يعيش هو وزملاؤه فيها، فالاجدى والاصح المحافظة عليها".

المعسكر عبارة عن ارض واشجار. لا خيم ولا بناء ولا خنادق ولا جدران.

سيارات التويوتا المموهة منتشرة في كل مكان في وادي هور بدارفور

الفرق

الوحدات مقسمة الى مجموعات يتراوح عددها بين الـ6 والـ10 مسلحين ينتشرون تحت الاشجار، يختارون شجرة كثيفة تشكل تمويها اضافيا للعربة التي يتنقلون بها، والمدججة بالسلاح على مختلف انواعه والملطخة بالوحل الجاف بلون الارض للتمويه وتفادي الضربات الجوية للجيش السوداني.

حتى زجاج السيارات ملطخ بالوحل لتفادى لمعانه تحت الشمس. وهم عارفون بكل تفاصيل وتضاريس ارض المنطقة بشكل يسمح لهم بـ"القيادة غيبا" كما قال علي الوافي الذي اقلنا من مخيم القيادة الى ما يسمى بمنطقة الفرق في الوادي نفسه والتي يستغرق الوصول اليها نحو ساعة من الوقت.

الفرق منطقة مشابهة جدا لمعسكر القيادة في طبيعتها، عربات مسلحة مموهة تنتشر تحت الاشجار. انواع الاسلحة المنتشرة على هذه العربات متنوعة تبدأ بالمسدسات الشخصية والكلاشنيكوف والقنابل اليدوية. اما الاسلحة المتوسطة فتتألف اساسا من الاسلحة المضادة للدروع الآر بي جي المزروعة كباقات على غالبية شاحنات التويوتا الصغيرة التي يستقلها المسلحون.

بالاضافة الى الار بي جي نجد الرشاشات الاوتوماتيكية من عيار كبير مثل ما يسمى بالدوشكا، او رشاشات الـ12/7 التي تثبت على الشاحنات العسكرية.

خلال الحديث مع سليمان صندل الذي كان حتى وصولنا الى المخيم قائدا للقوات العسكرية اتضح انه تم اعتماد نوعا من السياسة الموحدة في الاجابة عن اسئلة مصادر السلاح.

الجواب واحد: "نهاجم الجيش السوداني ونصادر اسلحته. ان الجيش السوداني هو مخزن الاسلحة بالنسبة الى حركة العدل والمساواة".

Image caption العصيدة: دقيق ذرة وصلصة غنية بالبهار يطلق عليها المتمردون "طبق الثوار"

ابو بكر حامد نور وهو مهندس سوداني قبل ان يكون مسؤولا عسكريا وسياسيا في الحركة قال انه كانت هناك حاجة لايجاد اسلحة دفاع جوي، ما دعا الحركة الى خوض معركة في منطقة ابو جابرة حيث تتمركز وحدات للدفاع الجوي السوداني. اضاف المستشار السياسي لرئيس الحركة بأن المقاتلين تمكنوا في هذه المعركة من مصادرة مضادات جوية من عيار37.5 ميليمتر المعروفة بالـ"زو" ومضادات اخرى من عيار 23.5 ميليمتر.

تشكل هذه الاسلحة مفصلا استراتيجيا بالنسبة للحركة حسبما يقول قادتها، فهي احدثت نوعا من التوازن العسكري بحيث حيدت المروحيات القتالية للجيش السوداني من المعركة، لان اسقاطها بات سهلا. كما تقول حركة العدل والمساواة انها تمكنت من اسقاط طائرات حربية سودانية ومنها ميغ 29. لكن الخطر الوحيد حسب العدل والمساواة، يتمثل بالطائرات الحربية من طراز انتونوف التي يمكنها القاء قنابلها من علو مرتفع.

ولكن المسؤولين العسكريين في الحركة يجمعون على ان قصف الانتونوف عشوائي يستهدف أي شيء وفي اكثرية الاحيان المواطنين الدارفوريين وقراهم.

بالاضافة الى هذه الاسلحة، سلاح مدفعي خفيف وسهل الانتقال وما تمكنت من رؤيته اقتصر على ما يعرف بمدافع الـ "ب 10" ومدافع من عيار 106 ميليمترات التي تعتلي شاحنات التويوتا الصغيرة.

التويوتا وهواتف الثريا التي تعمل مباشرة عبر الاقمار الصناعية "سلاحان لا يمكن للمقاتل المتمرد في هذه المنطقة الاستغناء عنهما، فلا مثيل لقدرة سيارات التويوتا الرباعية الدفع في وعورة الوديان والطبيعة الصحراوية، كما ان الثريا وسيلة اكيدة للاتصال يمكن الاعتماد عليها ان لتواصل المقاتلين في ما بينهم او للاتصال الخارجي بالاهل في دارفور وتشاد ووسائل الاعلام"، كما يقول ابراهيم المازضينغ امين الاقليم الجنوبي ونائب رئيس الحركة.

ولدى لقائنا برئيس الحركة الدكتور خليل ابراهيم سألته عن مصادر تمويل الحركة ومنها هذه الاتصالات، فكان رده ان نفى نفى تلقي الحركة اي تمويل لوجستي من دولة معينة، بل قال ان اموال تبرعات السودانيين في المهجر هي المصدر الاساسي للتمويل ويعود الجهد في ذلك لنشاط العاملين في مكاتب الحركة في البلدان الـ57 حيث تتمثل العدل والمساواة.

جدول الاعمال

Image caption انتشار لعب الورق تحت الاشجار في مخيم المسلحين

وبعد هذه الجولة على النقاط العسكرية في المخيم ومعاينة ما اتيح لي رؤيته سألت عن الاسلحة الثقيلة، عن مدفعية من عيار 120 ميليمتر وما فوق وعن الدبابات. قال لي حامد حجر الذي سبق وترأس مكتب بيروت للحركة مدة 8 اعوام والذي يتولى حاليا مسؤولية في ادارة الشؤون السياسية للحركة بعد ان تم استدعاؤه للالتحاق بالمقاتلين ان "لا حاجة للدبابات والاسلحة الثقيلة، فالقوات السودانية لا تجرؤ على القتال عندما تتعرض لهجوم من الحركة، ومن الاعتيادي ان تفر جحافل الجيش السوداني امام خبرتنا وطريقتنا في القتال".

واستشهد حجر بالعملية التي تسميها الحركة بعملية الذراع الطويلة والمعروفة بعملية ام درمان التي شنتها الحركة العام الماضي وهددت خلالها نظام الخرطوم.

ولكن خليل ابراهيم كانت له اجابة مختلفة نقيضة تماما اذ قال لي ان لديهم مدرعات ودبابات واسلحة متطورة مضادة للدروع وللطيران، ولكنها ليست في المنطقة الشمالية التي تسنى لي زيارتها.

جدول الاعمال اليومي لسكان المعسكر، أي المقاتلين المتمركزين تحت الاشجار ليس بمزدحم، ويتكون من مهام غالبيتها لوجستية كتأمين المياه وشراء البضائع والحاجات الاساسية لسكان المعسكر، والدوريات التي لا تستغرق كامل النهار.

وفي الوقت المتبقي، غالبا ما يسترخي المسلحون تحت الاشجار، التي وصفها لنا احد القادة بأنها "فلل المقاتلين".

ولكن المقاتلين يقولون انهم على اتم الاستعداد بشكل دائم، فكلما تكلمت مع مجموعة منهم صادفني جواب بمعنى الانتظار: "ننتظر اوامر الهجوم على الخرطوم كما فعلنا العام الماضي عند تنفيذ عملية الذراع الطويلة".

هذا هو الامل الذي يعيش من اجله هؤلاء، وفكرة امكانية صدور هذا الامر تجعل انتظارهم اسهل.

هم يتكلمون بثقة عن ان هذا الامر سيصدر قريبا، وبأنهم سيخوضون المعركة ويربحونها ويسقطون النظام. وبانتظار ذلك يجلسون تحت الاشجار، ينظفون اسلحتهم، يجرون بعض الدوريات، يلعبون الورق، يقضون الليل محاولين تفادي اشعال أي نار او ضوء كي لا يرصدهم الطيران الحربي السوداني.

اكلهم هو اساسا ما يعرف بـ"وجبة الثوار"، صحن يتكرر ويتكرر في أي وقت من النهار، العصيدة: طبق يتألف من دقيق الذرة المسلوق ترافقه "صالصة" فيها الكثير من البهار ويؤكل بطريقة اجتماعية اذ يتحلق الجائعون حول الطبق، فتنتهي العصيدة، ويستمر كلام المتمردين عن "محاكمة الرئيس عمر البشير وتحرير السودان".

ومن إذاعة بي بي سي العربية يذاع البرنامج الوثائقي في اربعة اجزاء وذلك يوم الجمعة من كل اسبوع بدءا من 24 يوليو- تموز في السابعة والنصف صباحا بتوقيت جرينيتش. ويعاد في الثامنة والنصف، والتاسعة والنصف صباحا، والرابعة والنصف من بعد الظهر وفي حصاد اليوم الاخباري في التاسعة والنصف مساء بتوقيت جرينتش.