نبذة: حركة العدل والمساواة بين واقع التمرد ومثالية خطاب القادة

متمردون من العدل والمساواة يؤدون اليمين
Image caption متمردون يؤدون اليمين في احتفال انضمام جدد الى الحركة وترقية البعض الآخر

يعيد زعماء ومقاتلو متمردو دارفور سبب ازمة الاقليم وتفاعلاتها التي المستمرة منذ بداية الالفية الثالثة الى هذا العامل: "لولا التهميش لما كان التمرد".

حركة العدل والمساواة التي اعلنت بيانها التأسيسي عام 2001، اي بعد سنتين من صدور ما يعرف بـ"الكتاب الاسود" (وهو وثيقة لم تكن موقعة اعلن الدكتور خليل ابراهيم لاحقا انه مؤلفها)، تعتبر اليوم حركة التمرد الوحيدة المتماسكة عسكريا في دارفور، وبخاصة بعد عملية "الذراع الطويل" التي نفذتها في مايو/ ايار 2008 اذ تمكنت من شن هجوم انطلاقا من اقليم دارفور على مدينة ام درمان القريبة من العاصمة الخرطوم مهددة بذلك حكم الرئيس السوداني عمر البشير.

كانت زيارتنا الى اقليم دارفور وتحديدا الى وادي هور شمالي الاقليم، كانت مناسبة للتعرف على هذه الحركة عن قرب، او على الاقل فرصة لنقل تعريف للحركة واهدافها ونشأتها بلسان قادتها وقادة متمردين كانوا ينتمون سابقا لحركات تمرد اخرى، وبخاصة حركة تحرير السودان، ثم التحقوا باعداد يقال انها كبيرة بـ"العدل والمساواة".

يعود سبب انضمام هؤلاء الى سببين اساسيين: الاول يتمثل بالقدرة والجدية التي اوحت بها العدل والمساواة لدى شنها الهجوم على ام درمان.

اما الثاني فهو اعتماد الحركة بقيادة خليل ابراهيم لغة سياسية تقدم الحركة على انها منصة مستعدة لتكون مظلة سياسية وعسكرية جامعة لمجمل حركات التمرد الدارفورية بكل اتجاهاتها السياسية والدينية والعرقية والقبلية.

ولكن ابو بكر حامد نور، المستشار السياسي لخليل ابراهيم ومسؤول العلاقات الدولية نفى نفيا قاطعا ان تكون حركة العدل والمساواة تنتمي الى التيار الاسلامي.

وقال ان حركة العدل والمساواة هدفها "التراضي على المواطنة" وفسر ذلك بمبدأ تساوي الجميع في الحقوق والواجبات اي ان ذلك "لا علاقة له لا بالدين ولا اللون ولا الجهة ولا القبيلة". وييرى ان الانظمة السياسية التي حكمت السودان استخدمت هذه الفوارق واستثمرتها.

Image caption ابو بكر حامد نور رفض تصنيف الحركة بـ"الاسلامية"

فمشكلة جنوب السودان الآن ليست مشكلة دينية بين مسيحيين ومسلمين بل هي مشكلة تنمية ونظام حكم اي مشكلة سياسية.

اما حركة العدل والمساواة حسب ابو بكر حامد نور فهي تضم كل النسيج السوداني ففيها من كان في حزب الامة والحركة الاسلامية والحزب الشيوعي وغيرها.

ولدى سؤاله عما اذا كان اتجاه الحركة علمانيا، قال نور ان "الحركة لا تحدد، انما تؤمن بأن السودان للجميع: علماني مسلم مسيحي. نحن هدفنا المواطنة التي لا تبنى على الدين ولا اللون ولا احد يملك الحق مثلا بأن يقول للسوداني المسيحي بأنه ليس سودانيا ولا يمكنه ان يحكم. الشعب هو مصدر الحكم".

وعلى الرغم من اصراره على مبدأ الدولة المدنية والجامعة لجميع الاطياف السودانية، اجاب نور بأن "لا مانع من ان يحكم اقليم وفقا للشريعة الاسلامية في حال قرر الشعب ذلك".

اما سليمان جاموس، فهو متمرد من نوع آخر، فقد التحق مؤخرا بحركة العدل والمساواة بعد اعوام قضاها في حركة تحرير السودان وهو احد مؤسسيها لكنه انشق عنها، كما يقول، بسبب تقديمها التنازلات من جهة، وبسبب ادائها الذي لم يعد يتلاءم مع منطق وحدة حركات التمرد.

وجاموس "لا يؤمن بالاسماء" كما يقول بل بالافعال التي هي الاهم ويضيف بأنه منذ انضمامه لحركة التحرير كان ينادي بتوحيد "المقاومة" ولذلك تواجه مع القادة الآخرين في حركة التحرير.

نداءات الوحدة لم يسمعها احد من قادة حركة التحرير، حسبما يقول جاموس، بل ان حركة العدل والمساواة هي الوحيدة التي ترجمت عناوينها الحوارية الى واقع من خلال الكلام والتباحث مع المنتمين لحركات اخرى بهدف اعطاء دفع وحدوي فعلي لحركات التمرد يترجم عمليا بانضمام اشخاص ومجموعات كانت بالامس في مواقع مختلفة الى حركة العدل والمساواة.

Image caption سليمان جاموس انضم الى العدل والمساواة بعد اعوام قضاها في حركة تحرير السودان

وحسب جاموس فان بيئة حركة العدل والمساواة صالحة لنمو العمل السياسي والميداني، ولذلك اصبحت ملاذا للمقاتلين الذين جاءوا من اجل القضية فقط، وفق مبدأ الوحدة، بينما الحركات الاخرى قائمة على التنافس غير الشريف.

ويقول الدكتور خليل ابراهيم، رئيس الحركة ان هناك يوميا وفودا كبيرة تنضم الى الحركة، ويصف ابراهيم الوضع بـ"المزدحم" ولذلك تؤخر الحركة احيانا انضمام البعض.

ويتمحور كل خطابه السياسي حول الظلم والتهميش الناتج حسب قوله عن "سياسات استعمارية جديدة. فبينما كان الاستعمار البريطاني يفصل الاقاليم ومنها اقليم دارفور عن العاصمة، ويمنع السكان من الانتقال الى الوسط، ورث الاستعمار الجديد الذي يتمثل بالحكم الحالي النمطية نفسها في انماء العاصمة واهمال الاقاليم الاخرى والاطراف التي حرمت من كل عوامل التنمية بدءا بالتعليم".

Image caption الدكتور خليل ابراهيم، رئيس حركة العدل والمساواة

ويضيف ابراهيم بأن الدولة السودانية منذ 1956 (عام الاستقلال عن الاستعمار) خاضت معارك عسكرية كبيرة وباستمرار، لكنها لم تقاتل يوما عدوا خارجيا ولا صدت هجمات خارجية معادية، بل قاتلت في الداخل، قاتلت اهلها، وهي لا تزال تفرط في الانفاق على الامن والتسلح وهما العنوانان الاساسيان والتقليديان للموازنات العامة التي اعدتها وتعدها الحكومات السودانية المتعاقبة".

يصف ابراهيم حركته بأنها قائمة على بنيتين ادارية وعسكرية.

ويتمثل رأس الهيكلية الادارية برئاسة الحركة والمؤتمر العام والمجلس التشريعي، تليها المراكز التنفيذية كامانات الاقاليم وامانات الولايات وامانات قطاعات اسفل الولايات.

اما عن الهيكلية العسكرية لحركته، فيقول ابراهيم: "للجيش قائدا عاما، يليه نائب القائد العام، يشرفان على هيئة القوات المشتركة التي ترأس بدورها هيئة الاركان.

وتتفرع عن هيئة الاركان قيادة الفرق التي تنقسم الى شقين: فرق الجيش المتحرك، وفرق جيش القطاعات الرابض بالمواقع الثابتة للجيش في المناطق التي يسيطرعليها. والفرق تتقسم الى الوية والالوية الى كتائب والكتائب الى سرايا، كما في اي جيش الى اسفل الهرمية".

ويصف ابراهيم الجناح المسلح لحركته بـ "الجيش"، بحزم وبدون تردد، نسخ هيكلية حركته العسكرية عن هيكلية اي جيش كلاسيكي، ولكن بتعديلات بسيطة تتعلق بما ينفع حركة التمرد المقاتلة لناحية خفة وسرعة الحركة.

والملفت لدى العدل والمساواة هوة تفصل الكلام عن الواقع:

فعلى الرغم من انتشار البزات العسكرية المتجانسة نوعا ما لدى مقاتليها الكثر الذين التقيناهم (والتي تبدو جديدة لدى الجميع تقريبا ما يشير الى ان للحركة قدرات وامكانات لوجستية)، وبالرغم من وصف القادة العسكريين تنظيمهم بأنه "جيش"، واستفاضتهم في وصف الهرمية العسكرية والتقسيمات القتالية والحربية، الا ان "المظاهر الميليشياوية" ملفتة ايضا لدى العدل والمساواة، وتظهر من خلال تفاصيل بسيطة تبدأ بانتشار لعب الورق بين المتمردين (حتى في السابعة صباحا)، الى غياب تام لاي مظهر من مظاهر الانضباط التي عادة ما تبدأ بالتمارين الرياضية والقتالية اليومية والدائمة لاي جيش يريد الحفاظ على جهوزيته. هذه المظاهر غابت نهائيا على الاقل خلال زيارتي التي استمرت نحو 3 ايام.

وتعلن العدل والمساواة باستمرار عن نيتها استلام الحكم في السودان، وقد اثبتت عام 2008 من ام درمان بأنها قادرة على تهديد النظام.

ولكنها وان كانت متمكنة من بلورة خطاب سياسي تعتقد بأنه يخولها استلام الحكم، الا ان لا مؤشرات فعلية وعسكرية وميدانية تفيد بأنها تملك حتى الآن ما يسمح لها باجتياز المسافة الفاصلة بين تولي السلطة والقدرة على المحافظة عليها.

ومن إذاعة بي بي سي العربية يذاع البرنامج الوثائقي في اربعة اجزاء وذلك يوم الجمعة من كل اسبوع بدءا من 24 يوليو- تموز في السابعة والنصف صباحا بتوقيت جرينيتش. ويعاد في الثامنة والنصف، والتاسعة والنصف صباحا، والرابعة والنصف من بعد الظهر وفي حصاد اليوم الاخباري في التاسعة والنصف مساء بتوقيت جرينتش.