راديو ابسون والتجربة المهنية وسط امكانات متواضعة

محمد دوسة في الاستديو
Image caption محمد دوسة في استديو اذاعة ابسون

في مدينة ابشه شرقي تشاد، كنا في انتظار ان تحل الثامنة مساء، موعد منع التجول لموظفي المنظمات، جلست في الكافتريا بالقرب من مقر المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، والتي اضحت المكان الذي ينبغي على كل موظف او عامل في منظمة انسانية في المدينة او صحفي المرور به اذا اراد معرفة ما الذي يجري من حوله.

كما يعتبر المرور بهذا المكان بالغ التواضع ضرورة للتعارف مع افواج من موظفي المنظمات الذين يأتون من كل بقاع العالم. يسهل هنا الاحتكاك بالناس والكلام عن نوعية العمل والمشاريع المهنية بالاضافة الى مناقشة الاوضاع الامنية في ابشه ومدن شرقية اخرى، والافادة من تجربة الآخرين. باختصار، اصبحت الكافتيريا المقابلة لمقر المفوضية العليا المكان المثالي لحبك العلاقات الاجتماعية.

لا يقتصر الحضور هنا على الاجانب، وفي الكافتيريا ينتشر خبر قدوم زائر او موظف جديد، والدليل على ذلك انه وبينما كنت جالسا وزميلي نستطلع برنامج اليوم المقبل، جاءت شابة تشادية عرفت عن نفسها، وقالت انها سمعتنا نتكلم فاستدركت اننا صحفيين.

مريم موسى صحفية في اذاعة صوت وداي، وهي احدى المحطات الاذاعية الثلاث التي تدعمها منظمة انترنيوز الامريكية غير الحكومية. كانت دردشة مع مريم قدمت خلالها شرحا عن اذاعة صوت وداي، واذاعة صلة واذاعة ابسون، وهي المحطات المحلية الثلاث التي تدعمها انترنيوز لتبث في لغتين محليتين هما الزغاوة (لغة منتشرة في احدى قبائل دارفور وبعض مناطق شرقي تشاد) والمساليت (لغة القبائل السودانية الجنوبية) بالاضافة الى اللغتين العربية والفرنسية.

الاذاعات الثلاث تقع جغرافيا في 3 مناطق شرقية في تشاد ومجاورة لمخيمات لاجئين من دارفور.

وتقول منظمة انترنيوز حسبما يفيد موقعها الالكتروني ان الهدف من دعم وسائل اعلام محلية مستقلة في مناطق تعاني من ازمات انسانية هو تسهيل التواصل بين المنظمات الانسانية والسكان واللاجئين من جهة، واسماع صوت الناس ونقل الواقع والمعلومات بمهنية واستقلالية من جهة اخرى.

اذاعة صلة مركزها مدينة جوز بيضة واذاعة وداي تقع في ابشه، اما اذاعة ابسون ففي ايريبا التي كنن سنزورها في اليوم التالي.

اذاعة للمواطنين

Image caption محمد دوسة يقول ان العلاقة مع السلطات التشادية جيدة جدا

اذاعة ابسون في ايريبا عبارة عن غرفتين منفصلتين. واحدة مخصصة للاخبار واخرى كناية عن حاوية شحن حديدي استحدث فيها استديو.

وصلنا الى اذاعة ابسون قرابة المغيب فاستقبلنا محمد دوسة، رئيس التحرير، في غرفة الاخبار حيث كان صحفيان يعملان على اعداد تقارير تبث في اليوم التالي.

كان علينا الانتظار لانتهاء الصحفيين من تسجيل تقاريرهم خلف اجهزة كومبيوتر ظهرت على شاشتها برامج شبيهة جدا بالتي اعتدنا على رؤيتها في غرفة اخبار اذاعة بي بي سي العربية في لندن.

ولكن غرفة اخبار اذاعة ابسون مختلفة وهي ان تبدو بدائية بأثاثها وجدرانها وعدد العاملين فيها، ولكنها تحتوي على اساسيات العمل: كومبيوتر، برامج واجهزة تسجيل، وصحفيون يعملون بجدية على اعداد تقاريرهم للبث.

بدأت اذاعة ابسون بثها عام 2005 بتمويل اساسي من انترنيوز. يقول رئيس التحرير ان علاقة الاذاعة بالسلطات المحلية جيدة، الا انه يصف راديو ابسون بأنها "اذاعة للمواطنين"، ويقصد بذلك قربها من المواطن وابتعادها عن الاجندات السياسية.

عن التمويل والاستمرارية المالية يشير دوسة الى ان ذلك يتعلق اساسا بالمنظمة الممولة والمتبرعين، الا ان المشروع الاعلامي التنموي يقضي بأن تتمكن الاذاعة يوما ما من تأمين استمراريتها بنفسها.

كما افاد دوسة بأن راديو ابسون لا تملك حتى الآن اي تجربة لناحية التعامل مع مصادر تمويل كالاعلانات التجارية، الا انه لم يستبعد ان يأتي يوم يصبح ذلك ضرورة "لبقاء الاذاعة على قيد الحياة".

تبث راديو ابسون 6 ساعات كل يوم تتخللها 3 نشرات اخبار في 3 لغات: العربية والفرنسية والزغاوة. ومن المتوقع ان تتم زيادة ساعات البث اليومية الى 9.

جدية ورصانة

فانترنيوز، حسب دوسة، تعمل على تطوير شبكة البث والبنية التحتية التقنية، كما انها تحاول تحسين التغطية الجغرافية لهذه الاذاعة كما تفعل تماما مع اذاعتي وداي وصلة.

برامج الاذاعة متنوعة: من برامج ثقافية وتنموية وموسيقى واغاني سودانية وتشادية وعربية وفرنسية وانجليزية وتقليدية في لغة الزغاوة الى التقارير الاجتماعية عن اوضاع اللاجئين في المخيمات واحوالهم المعيشية والصحية في هذه المنطقة الذي يتميز مناخها بالقساوة والتي يسهل فيها انتشار الامراض والاوبئة وبخاصة مع اقتراب موسم الامطار.

Image caption راديو ابسون عبارة عن غرفتين منفصلتين متواضعتين

مراسلو الاذاعة ينتشرون في المخيمات وينقلون اصوات وآراء اللاجئين التي تذاع من خلال برامج وتقارير متنوعة تشمل مجمل جوانب حياة اللاجئ وطموحاته.

ولدى سؤال دوسة عما اذا كانت اذاعة ابسون تبث البرامج السياسية اجاب مباشرة ان الاذاعة تملك موافقة من السلطات على بث البرامج السياسية، لكن لا وجود لهذا النوع من البرامج حتى الآن لان الاذاعة بتحديدها وبرسالتها لا تملك اهدافا سياسية بل تركز على المواضيع الانسانية والثقافية والتنموية للمواطنين.

يصف دوسة العلاقة مع السلطات المحلية بالجيدة جدا اذ لم تواجه راديو ابسون اي مشاكل مع الادارة المحلية او السلطات منذ ان بدأت البث عام 2005.

غالبية العاملين في الاذاعة هم من السكان المحليين التشاديين لكن مراسلي الاذاعة، وهم موجودون في المخيمات الثلاث القريبة من ايريبا، فاكثريتهم من السودانيين، حسب تعبير يقول دوسة.

وعلى الرغم من التجهيز والاثاث المتواضع، الا ان في غرفة الاخبار باذاعة ابسون ما يلفت.

فعلى احد الجدران علقت بوضوح مذكرة باللغة الفرنسية، صادرة عن رئيس التحرير محمد دوسة وموقعة بخط يده، تتضمن "تحذيرا للموظفين بعد تكرر حالات تأخر البعض على دوام العمل الصباحي".

في هذه المذكرة وجدت تفسيرا لحالة الاستغراب التي راودتني عندما زرت الاذاعة والتي لم اتوقع ان يكون التناقض بين احوالها المادية المتواضعة ونوعية برامجها بهذه السعة.