تماس قوي بين تيار الجنرال عزيز والمعارضة في انتخابات موريتانيا

الجنرال محمد ولد عبد العزيز
Image caption الجنرال محمد ولد عبد العزيز أطاح بالرئيس الموريتاني المنتخب

حين أعلن الجنرال محمد ولد عبد العزيز قبل نحوعام من الآن عزل الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وتولى الحكم مكانه، لم يكن احد يعرف على وجه الدقة ما ستسفر عنه الأحداث اللاحقة من تحولات عميقة في الاصطفاف السياسي لمختلف مكونات المجتمع الموريتاني.

فقد كانت الحركة التي قادها ولد عبد العزيز وجماعة من القادة العسكريين بمثابة زلزال خلط الأوراق التي كانت قائمة على توازنات قبلية وعرقية وطبقية تقليدية.

فعلى الصعيد الطبقي انقسمت ما يمكن تسميتها تجاوزا بالرأسمالية المحلية، بين مؤيد للزعيم العسكري ومعارض له، بعدما كان أغنياء موريتانيا يتخندقون بشكل عام وتلقائي في صف نزيل القصر الرئاسي.

كما ان معارضي الانقلاب تجاوزوا بعض خلافاتهم ذات الطابع القبلي. فقد اصطفت قبيلتا "إيدا وعلي" و"السماسيد" الكبيرتان في خندق المعارضة الداعم لأحمد ولد داداه بالرغم من الخصومة التاريخية لهذا الأخير مع السماسيد الذين كانوا يناصرون خصمه اللدود وابن قبيلتهم، الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع.

وقد أصبح الصراع الكامن على أشده بين هاتين القبيلتين وقبيلة "أبي السباع" التي ينحدر منها الجنرال الانقلابي.

ويقول المراقبون إنه من حسنات انقلاب الثامن من اغسطس 2008 أنه قدم معطى جديدا على الساحة السياسية والعرقية في موريتانيا، إذ أعرب الكثير من وجهاء القبائل العربية وأغنيائها عن دعمهم الواضح لمسعود ولد بلخير، الذي ظل يمثل صوت فئة "الحراطين" ، وهم أحفاد الأفارقة العبيد.

قبل سنوات لم يكن ذلك واردا في الحسبان.

غير أن الأمر مضى إلى ما هو ابعد، فقد قال ولد بلخيرفي لقاء مع بي بي سي إنه لا يستبعد إطلاقا إمكانية اللجوء إلى العمل المسلح، إذا ما أقدم ولد عبدالعزيز او غيره مجددا على محاولة الوصول إلى السلطة عن طريق القوة.

موريتانيا تعرف بأنها ضمن البلدان الأكثر فقرا في العالم. لكن المتجول في مختلف أنحاء البلاد في هذه الأيام لا يسعه إلا ان يرى مظاهر البذخ والاسراف في حملات بعض المرشحين، أبرزهم الحاكم العسكري السابق الذي أنفق ملايين الدولارات سواء على شكل ملصقات دعائية وحفلات وتجمعات انتخابية صاخبة، أو في شكل "تبرعات" موجهة مباشرة للسكان أو للمرافق الصحية وبعض البنى التحتية.

ولد عبد العزيز يقول إن مصدر تلك الأموال هم رجال الأعمال الموريتانيين الذين "يثقون في برنامجه الانتخابي".

أما معارضوه فقد اتهموه باستخدام أموال عامة لحشد الدعم الشعبي له، لكنه بدوره قال إن بحوزته مستمسكات "تثبت تورط أقطاب المعارضة في عمليات فساد".

لم يقدم الجنرال الأدلة التي كان يهدد بها خصومه، لكن بعض المصادر تقول إنه قدم لمناوئيه "هدية" قانونية من شأنها أن تسمح بملاحقته أمام بالقضاء بتهمة "عدم الإبلاغ عن عمليات فساد" سواء إبان فترة حكمه أو فيما سبقها أو أعقبها.

تميزت الظروف التي رافقت السجال السياسي الناجم عن الانقلاب وما تلاه من عزلة دولية ثم اتفاقيات داكار والحملة الانتخابية التي أعقبتها، بإحداث انقسام سياسي عميق.

فقد حظي ولد عبد العزيز بتأييد فئات عريضة من الفقراء، وبشكل خاص الأفارقة السود. ويعزو المراقبون هذا التحول إلى كون الجنرال "لجأ إلى خطاب شعبوي، كما استولى على شعارات المعارضة، بعدما فضل أقطابها التحالف مع الرأسمال الذي ما انفك يُتهم بالفساد .

ووسط هذا الغليان السياسي تتخوف فئات عريضة من الموريتانيين من أن الشكاوى المرتقبة من وقوع تجاوزات أثناء الاقتراع وما يليه من عمليات فرز للأصوات، قد تقود إلى توتر جديد داخل حكومة الوحدة الوطنية ذات الطابع الانتقالي، التي يبدو أنها تعرف صراعا خفيا بين وزراء الجنرال وزملائهم الذين يمثلون الجبهة العارضة للانقلابيين.

أما بخصوص النتائج، فإن المراقبين يتوقعون أنه ما لم يفز الجنرال في الدور الأول، فإن حظوظه ستصبح أقل، بالنظر إلى التحالف المتوقع لجبهة عريضة من المرشحين، أبرزهم ولد داداه وولد بلخير، إضافة إلى تيار الإسلام الوسطي المعتدل، الذي يخوض محمد جميل ولد منصور انتخابات الرئاسة باسمه.