اكراد العراق يصوتون في انتخابات "حيوية"

مسيرة انتخابية في كردستان
Image caption ادى بروز حركة التغيير الى تنشيط الحملات الانتخابية للحزبين التقليديين

يؤم الناخبون في كردستان بشمال العراق مراكز الاقتراع السبت للتصويت على انتخاب برلمان جديد ورئيس جديد لمنطقة المتمتعة بالحكم الذاتي.

وتعد تلك الانتخابات الاكثر حيوية واثارة منذ عام 1992، عندما اجرى الاكراد اول انتخابات حرة بعد حصولهم على الحكم الذاتي فعليا.

وشهدت الانتخابات الاولى اقبالا كثيفا، حيث حاصرت حشود الاكراد مراكز الاقتراع حتى ما بعد منتصف الليل، مستثارين باختيارهم زعماءهم بالانتخاب.

وكان الاختيار وقتها بين الفصيلين الكبيرين الذيْن افرزتهما عقود من المعارضة المسلحة لبغداد ـ الحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة مسعود برزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس العراقي الحالي جلال طالباني.

وفي منتصف التسعينات دخل الفصيلان في حرب اهلية شرسة فيما بينهما خلفت ضغائن واحتقان تحت السطح.

لكنهما اصلحا ما بينهما فيما بعد ووحدا حكومتيهما المتنافستين وشكلا حكومة تحالف وتقدما بلوائح مشتركة للبرلمان الاقليمي.

وهكذا اصبحت الانتخابات في الاونة الاخيرة امرا مملا بلا قضايا حقيقية ولا منافسة هامة، وانما فقط تعزيز لحكم الحزبين الرئيسيين، الا ان هذه الانتخابات مختلفة.

فللمرة الاولى يواجه الفصيلان تحديا حقيقيا تطرحه عناصر اصلاحية من بين صفوفهما.

يقود التحدي نشيرفان مصطفى، احد رموز الاتحاد الوطني سابقا وكان نائب طالباني في الحزب الى ان انفصل عنه.

وجعلت الحركة التي اطلقها من التغيير (جوران بالكردية) اسما وشعارا لها. وحازت على تاييد واسع، خاصة بين الشباب والفقراء، خاصة في المناطق التي يحظى فيها الاتحاد الوطني بتاثير كبير في شرق كردستان بما في ذلك المدينة الرئيسية في المنطقة: السليمانية.

ويبدو ان انتقاد نشيرفان مصطفى للفساد والمحسوبية والتدليس، وهي ممارسات يقول مصطفى انها تهيمن على الفصيلين الكبيرين، قد مس وترا هاما لدى الناس.

حملات قوية

وشهدت السليمانية والمناطق المجاورة لها مسيرات ضخمة ومظاهرات عفوية زاعقة من قبل مؤيدي التغيير، ملوحين باعلام الحركة الزرقاء المزينة بشمعة بيضاء.

الا ان التاييد لحركة التغيير في مناطق الحزب الديموقراطي الى الغرب من كردستان، مثلما في اربيل ودهوك، اضعف.

لكن حتى في تلك المناطق اصبحت حركة التغيير موضوع الاحاديث والنقاش وهناك اشاعات بان كثيرين سيصوتون لها دون الافصاح عن دعمهم علنا خشية من العواقب من قبيل فقدانهم لاعمالهم على سبيل المثال.

Image caption التصويت المباشر لاختيار الرئيس للمرة الاولى

ورد الفصيلان الكبيران على التحدي وشنا حملات دعاية انتخابية قوية على مدى اسابيع اتسمت بالجدية والمسؤولية.

ومما يدل على جدية التحدي ان طالباني نحى مهام وظيفته اليومية كرئيس لكل البلاد وطفق يخطب في التجمعات في انحاء كردستان مروجا لمرشحي حزبه الاتحاد الوطني ومرشحي حلفائه من الحزب الديموقراطي للبرلمان ولمسعود برزاني لرئاسة كردستان.

وبرزاني هو الرئيس الحالي ويطمح لفترة اخرى عبر الانتخاب المباشر للمرة الاولى، وهناك اربعة مرشحين ينافسونه لكن لا يتوقع ان يفوز اي منهم.

لكن فكرة انهم ترشحوا من البداية هامة جدا، اذا اخذنا في الاعتبار وضع برزاني، فقد كان والده، الملا مصطفى برزاني، رائدا للصراع الكردي ضد بغداد.

الا ان احد المرشحين للرئاسة يشكل احراجا سياسيا لجلال طالباني، وهو نسيبه هالو ابراهيم احمد الذي يقول: "تحتاج كردستان الى فكر جديد وسياسات جديدة".

ويضيف: "ان الاقتصاد والفساد وانعدام الشفافية في عمل البرلمان والحكومة ـ كل ذلك ولد كثيرا من الضغط من قبل القاعدة الشعبية، من رجل الشارع، طلبا للتغيير".

لكن انشقاق نشيرفان مصطفى، بعد 40 عاما في الاتحاد الوطني الكردستاني، هو الاكثر ضررا وسببت الحركة التي يقودها هزة في المؤسسة السياسية الكردية.

وقال في مقابلة مع بي بي سي انه قرر التحدي بعدما فشل في احداث التغيير من الداخل، وقال: "تتدخل الاحزاب السياسية في كل شيء، في البرلمان وفي الحكومة وفي الجامعات وفي السوق وفي السلطة القضائية".

واضاف: "الى جانب الفساد المالي، لدينا المحسوبية ايضا. فاذا لم تكن قريبا لاحد الزعماء او عضوا في احد الحزبين فلا فرصة لديك لان تكون وزيرا او وكيل وزارة او مدير عام او سفير او اي شيء".

التحالف مستمر

وقال طالباني انه حزين شخصيا لانشقاق نشيرفان مصطفى بعد عقود من الولاء للحزب، وتعهد بالاصلاح معلنا انه يرغب في ان يصبح رمز اخر من حزبه، هو برهم صالح، رئيس وزراء كردستان المقبل.

ويشغل برهم صالح حاليا منصب نائب رئيس وزراء العراق وهو تكنوقراطي ذو عقلية اصلاحية.

Image caption يواجه تحالف حزبي برزاني وطالباني تحديا جديدا

الا ان رئاسة وزراء كردستان يتولاها حاليا ابن عم مسعود برزاني، نيجيرفان برزاني، ويعتقد ان الحزب الديموقراطي لا يريد التخلي عن المنصب.

ومع اعترافه باخطاء، يصر طالباني على ان التحالف بين الاتحاد الوطني والحزب الديموقراطي قائم ومستمر وقال لبي بي سي: "اعتقد ان الحزبين ما زالا يتمتعان بالشعبية بين الناس".

واضاف: "بالطبع لهما اخطاؤهما، وهناك بعض المثالب. انهما ليسا ملائكة هبطت من السماء. فكما الناس العادية، يرتكبون الاخطاء بالطبع".

واردف قائلا: "لكني اعتقد ان الشعب الكردي والمجتمع الكردي بحاجة الى هذين الحزبين كي نعزز ما حصلنا عليه ونتوصل الى ما زلنا نكافح من اجله".

واطلق الفصيلان الكبيران كذلك مسيرات ضخمة والواضخ انهما ما زالا يتمتعان بقدر كبير من التاييد بالاضافة الى تحكمهم في شبكة واسعة من العلاقات والنفوذ.

وتقول ساز، طالبة علوم الكمبيوتر البالغة 20 عاما من العمر والتي تستعد للتصويت للتحالف الحاكم: "لقد وفرا لنا حكومة ومؤسسات وكردستان الان اكثر ازدهارا من كثير من دول المنطقة".

وتضيف: "اعتقد ان الامور ستكون افضل بكثير هذه المرة، وستشجع حركة التغيير الحزبين على الاداء الافضل، لانها ايقظتهما".

حسابات الانتخابات

الا ان كثيرا من الناس في شوارع السليمانية وفي مسيرات حركة التغيير لهم راي اخر.

يقول احد مؤيدي التغيير: "لم نشهد اي خدمة لامتنا، لدينا حزبان يعملان لصالحهما فقط يكنزون المال ويرسخون السلطة".

وفي احدى مسيرات التغيير يقول رجل في منتصف العمر يصطحب ابنه الصغير: "كل عائلتي ترغب في تغيير هذه الحكومة وهذا البرلمان، فلنعد البرلمان للناس وليس للاحزاب".

وتمثل السليمانية، التي تحظى فيها حركة التغيير بدعم ملحوظ، بـ 42 مقعدا من مقاعد البرلمان الـ 100 التي يجري التنافس عليها (هناك 11 مقعدا اضافية محجوزة للاقليات).

يعتقد بعض مؤيدي التغيير المتحمسين ان الحركة ستفوز باكثر من نصف مقاعد السليمانية وتضيف بعض المقاعد في اربيل ودهوك وبالتعاون مع جماعات المعارضة الاخرى، الاسلاميين واليساريين الممثلين بـ 20 مقعدا في البرلمان الحالي ـ يمكن منع الفصيلين الكبيرين من تحقيق اغلبية برلمانية.

لكن حتى لو حصلت حركة التغيير على 15 او 20 مقعدا فقط، او حتى اقل كما تشير بعض التوقعات الاخرى، فهذا كاف ليجعل صوتهم مسموعا في البرلمان وان يشكلوا عنصر تحد مفتقد حتى الان.