يوميات من تشاد ودرافور: رحلة بين اللجوء والتمرد

وادي هور
Image caption وادي هور الذي يضم معسكر القيادة لمتمردي العدل والمساواة في دارفور لدى شروق الشمس

عشرة ايام برفقة متمردي حركة العدل والمساواة السودانية التي تقاتل القوات الحكومية السودانية في دارفور والتي نفذت العام الماضي محاولة انقلاب وتمكنت من الوصول الى مدينة ام درمان القريبة من العاصمة السودانية الخرطوم وهددت بذلك نظام الرئيس السوداني عمر البشير. تلك كانت الفكرة الرئيسية التي طغت على تحضيرات رحلة استمرت نحو اسبوعين، بدأت في تشاد وقبل ان تتابع في دارفور. ولكن تنظيم مهمة كهذه لا يمكن الا ان يتناول احوال اللاجئين السودانيين في مخيمات شرقي تشاد. كنا انا وزميلي رامي رحيم لا نزال في لندن عندما بدأنا نلمس بعض الصعوبات منها الانتقال برا من العاصمة التشادية نجامينا الى شرقي البلاد حيث مخيمات اللاجئين. فالطريق تستغرق اكثر من 30 ساعة، وتشوبها مخاطر امنية جدية لجهة الوقوع في شرك قطاع الطرق الذين يستهدفون السيارات ذات الدفع الرباعي وكل ما توفر من معدات حديثة. كما يصعب امنيا الانتقال برا من مدينة الى اخرى في شرقي تشاد حيث تستغرق الرحلات بين المدن التي اخترناها ما لا يقل عن 6 ساعات. كان لا بد اذا من التنسيق مع الامم المتحدة لتأمين تنقلاتنا عبر البلاد بواسطة الطائرات الصغيرة التابعة للمنظمات الدولية ومن السعي الى تأمين الاقامة في نزل الامم المتحدة المتواضعة. كل ذلك بالاضافة الى الاهمية الكبيرة للمنظمة الدولية كمصدر للمعلومات نعتمد عليه في تقصي الحقائق الميدانية والانسانية للمنطقة. الترتيبات اللوجستية مع الامم المتحدة احتاجت بعض الوقت، ولكن المنظمة عادة ما تشجع عمل الصحفيين في تغطية الشؤون الانسانية للاجئين.

اليوم الاول

Image caption الشوارع في مدينة ايريبا شرقي تشاد غير معبدة

نحو الساعة السابعة صباحا، التقيت زميلي في المطار، كلانا يشعر بأنه يتوجه نحو المجهول، ولم يكن ذلك الا تعبيرا عن المسافة الفاصلة بين معرفة "دفترية" للواقع السياسي، وواقع الاتجاه الى ميدان نخطو فيه للمرة الاولى. الرحلة الى باريس استغرقت نحو ساعة من الوقت، ولكن انتظار موعد الطائرة التي تقلنا الى نجامينا كان طويلا. 6 ساعات في قاعة المطار قضيناها بمراجعة بعض التقارير الصحفية والسياسية التي تتناول شرقي تشاد ودارفور، تشمل ايضا تحركات المتمردين السودانيين في المنطقة وعلاقتهم بالواقع السياسي والميداني. كان بين هذه التقارير الدراسة الاخيرة التي اصدرتها مجموعة الازمات الدولية تحت عنوان "شرقي تشاد: برميل البارود الذي قد يشعل المنطقة". خمس ساعات ونصف دامت الرحلة من باريس الى نجامينا حيث التقينا بناصر، شاب يعمل مع وكالة انباء محلية ساعدنا باستصدار تصاريح العمل. في الفندق حيث اقلنا، استلمنا منه تصريح وزارة الاعلام والاتصالات. تصريح وزارة الداخلية تأخر. في اليوم التالي سيأتي ناصر ليتسلم جوازاتنا واستكمال المعاملة التي تسمح لنا بالتحرك والعمل والتصوير.

اليوم الثاني

استفقنا باكرا، بقينا في الفندق محاولين الاتصال بعز الدين وبجبريل، وهما من اعضاء حركة العدل والمساواة المتمردة السودانية كانا قد اكدا لنا ترحيبهما بقضائنا بضعة ايام مع مقاتلي الحركة في دارفور. استمرت المحاولات دون جدوى حتى فترة بعد الظهر. بدأنا نفقد الامل. بعد الظهر، كان من الضروري زيارة مكتب الامم المتحدة في نجامينا للتأكد من ان مقاعدنا على طائرات الامم المتحدة محجوزة كما تم الاتفاق وان الاقامة مؤمنة في النزل التابعة للمفوضية العليا للاجئين في مدينة ابشه وقرية ايريبا شرقي تشاد. زيارتنا الى مكتب الامم المتحدة كانت ضرورية، اسماؤنا لم تكن على لائحة الركاب الى مدينة ابشه في اليوم التالي، واحتاج ذلك الى اعادة الاتصال بالناطقة باسم المفوضية العليا لحل المسألة. ولكن موضوع امتعتنا الثقيلة كان ما يقلقنا فعلا. علمنا في المركز ان الامم المتحدة لا تسمح بأكثر من 15 كيلوجراما للشخص الواحد بينما تتخطى حمولتنا الـ60 كيلوجراما. تلقينا وعدا بالمساعدة من احد المسؤولين، وبينما كنا في مكتبه، دخلت شابة فرنسية كنا قد صدفناها في مطار باريس تتكلم بالفرنسية عن تفاصيل السياسة اللبنانية. تعارفنا واتضح لنا انها عملت في بيروت لمدة 3 اعوام وهي متطوعة حاليا مع الامم المتحدة وستسكن في ايريبا، القرية التي سننطلق منها يوميا لتغطية اوضاع المخيمات. كانت تلك صدفة جيدة، وعنصرا مطمئنا لوجود شخص اضافي يمكن مراجعته في حال واجهنا مشاكل لوجستية خلال اقامتنا. في المساء، وبينما كنا في الفندق ننتظر ناصر وتصريحات وزارة الداخلية، زارتنا مراسلة القسم الانجليزي لبي بي سي في نجامينا ووضعتنا في جو واقع المناطق التي سنعمل فيها. نحو العاشرة والنصف ليلا، ظهر ناصر ومعه ما يلزمنا كي نبدأ عملنا. التصاريح وهاتف خليوي محلي قد نحتاجه. توجهنا كل الى غرفته، وبعد نحو 10 دقائق يطرق زميلي باب غرفتي ليعلمني بحماسة انه تمكن من الاتصال بعز الدين بواسطة الهاتف المحلي الجديد. ولكن عز الدين طلب 48 ساعة لتنسيق زيارتنا الى مواقع المتمردين. بعد كل الاحباط الذي عانينا منه خلال النهار، كان ذلك بمثابة بشرى. غدا تبدأ الرحلة الى الشرق.

اليوم الثالث

على الرغم من العجلة، تمكنا من الوصول الى المطار حسب الموعد المحدد، أي في السادسة والنصف صباحا. هناك كان لا بد من ان نرتدي الدروع الواقية المخصصة للمناطق المصنفة "خطرة". هدف ارتداؤها كان تخفيف وزن حمولة الامتعة التي يسمح لنا بها والتي كنا قد تخطنيها. بعد نحو ساعتين من الانتظار، تأكدنا من سير الامور على ما يرام بعد ان شاهدنا امتعتنا تدخل طائرة الـ"ايليوشين" الضيقة وغير المريحة وهي اوكرانية الصنع. بعد ساعة ونصف هبطنا في مطار ابشه الاشبه بقاعدة عسكرية للجيوش المتواجدة على ارض تشاد: الجيش الفرنسي، وقوات حفظ السلام في جمهوريتي تشاد وافريقيا الوسطى (مينوركات) والجيش التشادي بالطبع... درجة الحرارة لم تكن تقل عن 45 درجة لدى وصولنا الى هذه المدينة التي حذرنا الكثيرون من التجول فيها وحدنا لاسباب امنية. ابشه مدينة يفرض فيها منع التجول لطواقم المنظمات الدولية العاملة فيها ابتداء من الثامنة مساء. طرقات رملية غير معبدة، سوق يعكس حالة فقر مزمن، واخيرا اخبار عن قطاع طرق وسرقات. لدى وصولنا الى النزل، طلبنا مقابلة الناطقة باسم الامم المتحدة في المنطقة آنيت ريهرل. ساعدتنا هذه المقابلة بالغوص في واقع شرق تشاد وتحديدا مخيمات لاجئي دارفور. كان لهذه المقابلة طابعا شخصيا واستشاريا يشكل عينة من محاولتنا كسر جليد الحذر الذي عادة ما يفصل الصحفيين عن عمال المنظمات الذين يخشون ان يجرهم الصحفيون الى وحول السياسات المحلية في البلاد التي يعملون فيها. نصحتنا الناطقة بتقديم اوراقنا لمحافظ المدينة وبتفسير مهمتنا له. احتجنا الانتظار لبعض الوقت في مكتب المحافظ الذي وقع على اوراقنا والذي لم يتردد بمناقشة مواضيع سياسية. المشكلة التي بدأنا بمواجهتها ابتداء من ابشه تمثلت بالطعام. كافتيريا الامم المتحدة بغاية التواضع من حيث التدابير الصحية، بينما كان من الاجدى بنا الامتناع عن تناول كل ما لم يتم طهيه تحت حرارة عالية او في مياه مغلية. لذا اكتفينا ببعض الخبز والمعكرونة، ففي الايام الاولى لرحلة كهذه، قد يعطلنا اي عارض صحي سببه الاكل عن العمل وكان ذلك هاجسا حاضرا باستمرار. مشكلة المياه في ابشه مزمنة، والكهرباء، فحدث ولا حرج: الاستحمام في ابشه يتم بواسطة كمية قليلة من المياه في دلو. عادت الى ذاكرتي فجأة أيام الحرب الاهلية اللبنانية. اما النوم فكان متقطعا بسبب الحرارة. فالمولد الكهربائي الذي يتوقف عن العمل في ساعة متأخرة من الليل يسبب ما يسبب من ارق وانزعاج.

اليوم الرابع

Image caption آنيت ريهرل الناطقة باسم الامم المتحدة شرقي تشاد

انتظرنا نحو ثلاث ساعات في مطار ابشه في الصباح. مطار عسكري بدائي. كانت المرة الاولى منذ بداية الرحلة التي اشعر فيها ان الحر امر عادي... بدأت بالتأقلم، قلت في قرارة نفسي، بينما كنت اغوص في حديث مع مهندس سويدي فصلته حكومته للعمل في احد مشاريع الامم المتحدة بمجال البناء في مخيمات شرقي تشاد. لم اكن اتوقع من ان نحط بعد ساعة من الطيران على مدرج رملي وضعت على جانبيه حجارة تحدد عرض وطول المساحة المحددة للاقلاع والهبوط. لا مطار في ايريبا، وسيارة تابعة للامم المتحدة تنتظرنا على المدرج الطبيعي. مباشرة توجهنا الى نزل الامم المتحدة حيث التقينا مدير الموقع وشكرناه على قبوله باستقبالنا. استلمنا الغرفة التي سنمكث فيها لبضعة ايام. غرفة ضيقة، متواضعة جدا بالكاد تتسع لسريرين من الحجم الصغير. ولكنها مكيفة عندما تتوفر الكهرباء، حسبما قيل لنا. المسؤول عن الامن تولى تأمين سائق وسيارة خاصة بنا. بعد نحو نصف ساعة، وصل اسماعيل (او اسماعين كما ينادوه هناك) السائق الذي يصعب التواصل معه، فهو يتكلم العربية المحلية الممزوجة بلغة قبيلة الزغاوة الافريقية. الرحلة الاولى، كما في ابشه، لقاء عمدة المنطقة. علينا في بادئ الامر "القاء التحية" على المسؤولين المحليين وجعلهم يوقعون على تصريحاتنا. استغرق ذلك اكثر من ساعة ونصف. لكننا لم ننته من التواقيع الادارية بعد. قررنا التوجه الى مخيم اريديمي للاجئين السودانيين لنستطلع الاجواء. كانت الساعة تقارب الثانية والنصف بعد الظهر. المركز الامني على بوابة المخيم: هنا يجب التزود بالمزيد من التواقيع. الشرطة التشادية عينت بعض عناصرها في ما سمته "المفرزة المتكاملة للامن" وذلك لرعاية الامن في مخيمات اللاجئين السودانيين. كانت هذه المرحلة بمثابة جلسة استجواب. بالاضافة الى ان مسؤول الامن في اريديمي طلب هاتفنا المحلي وراح يجري اتصالاته قبل ان "يطلق سراحنا". قضاء بعد الظهر في المخيم كان امرا ضروريا لاستشراف طبيعة العمل في اليوم التالي. المهم اننا تأكدنا من امكانية التحرك في المخيم وكذلك من سهولة الاحتكاك باللاجئين وقابلية غالبيتهم على التحدث للاعلام. مشكلة الاكل مستمرة. حالة المطبخ في ايريبا بعيدة جدا عن القيود الصحية التي قررنا التزامها. ولكن حالة المطبخ تتناقض بشكل تام مع حسن معاملة العاملين فيه وترحيبهم بالزوار. ولكن هنا ايضا، لم يكن بامكاننا المجازفة في موضوع الاكل.

اليوم الخامس

Image caption الامم المتحدة تستخدم طائرات سيسنا للتنقل

اسماعيل ينتظرنا في الثامنة صباحا. اليوم يوم عمل طويل. الوجهة مخيم اريديمي حيث كنا بالامس. كما في البارحة، مسؤول الامن لم يقبل الا ان يستولي مجددا على الهاتف النقال واجراء اتصالاته. ولكن الامر لم يؤخرنا فعلا. يوم قضيناه برفقة لاجئين. اطفال يعشقون الكاميرا والمايكرفون، يحبون الغرباء من عمال اغاثة وصحفيين. عاينا الوضع التعليمي، زرنا مدارس، منازل، تكلمنا مع لاجئين، كل ذلك يوحي بأن الحياة في المخيم طبيعية. حتى انني تناقشت مع زميلي فيما بعد حول كيف يشعر اللاجئون. اختلفت وجهات النظر، ففرح الاطفال كان عنصرا بارزا من جهة، ومن الطبيعي ان نتفاجأ بذلك حين ننتظر رؤية المآسي. هذا من جهة، لكن من ناحية اخرى، ماذا عن رمزية ان تشكل زيارة غريب يحمل كامير وميكرفون ولونه مختلف حدثا كبيرا بالنسبة للاجئين؟ هل يمكن ان تصل الحياة الى هذا الحد من البساطة لترتدي زيارة غريب كل هذه الاهمية؟... ولكن يجب الاعتراف بان اعطاء اللاجئين كل هذه الاهمية لزيارة الغريبين قد سهلت علينا العمل. عدنا بعد الظهر الى النزل. وبعد ان تناولنا علبة ذرة رافقت وجبات جاهزة (غير لذيذة) عادة ما يعتمدها الجنود اتينا بها من لندن، ارتحنا قليلا قبل التوجه الى اذاعة البلدة، راديو ابسون التي تبث بشكل اساسي للمخيمات في المنطقة. في المساء، لم ننس محاولة الاتصال بالمتمردين. عز الدين احالنا على سليمان صندل، نائب قائد القوات المسلحة في العدل والمساواة. طلب ان نكلمه في اليوم التالي ليجري آخر الترتيبات. ولكنه اكد لنا اننا سنكون برفقتهم لبضعة ايام في دارفور، داخل الحدود السودانية. هكذا انتهى يوم طويل من العمل.

اليوم السادس

قهوة وطعام فطور على وجه السرعة، وقت ممتع قصير انطلقنا بعده مباشرة الى مخيم تلوم برفقة اسماعيل. الطريق صعبة ووعرة اكثر من تلك التي تؤدي الى اريديمي. في طريقنا، استوقفنا شاب ثيابه ممزقة، لم يكن من الحكمة ان نقله معنا. صعد في الخلف. على طريق مخيم تلوم كانت المرة الاولى التي نرى فيها الابل. فالحيوان الاكثر انتشارا في المنطقة هو الحمار، ومن السهل جدا معرفة مكانته ومدى اعتماد السكان عليه في هذه المنطقة. وصلنا الى المخيم وكان لا بد من التوقف مرة اخرى عند مكتب الامن لجمع التواقيع. لم يطل الامر هذه المرة اذ لم يكن هناك من اراد ان يرتشي بهاتف ليجري اتصالاته الخاصة. وقفنا مع رجال الامن واستفسرنا عن الرجل الذي اقليناه معنا. فهمنا لاحقا انه يسير منذ ايام وهو متوجه الى ابشه. هرب من رب عمله الذي لم يدفع له مستحقاته. لمست من خلال هذه الحالة ما قاله لنا الكثيرون (بينهم انيت ريهرل) عن كرم التشاديين وتضافرهم. فرجال الامن اعطوا الشاب ملابس جديدة ونظيفة وقدموا له الاكل والشرب. زيارة مخيم تلوم كانت مختلفة. رجال الامن رافقوا كل خطوة قمنا بها. امر لامس الازعاج في بعض الاحيان اذ لم تكن ردة فعلهم على كل ما اردنا القيام به ايجابية. اكثر من مرة غرزت سيارة اسماعيل الرباعية الدفع في الرمال. فطبيعة الارض في تلوم صحراوية بالكامل والرمل فيها ناعم جدا. بعد الظهر، عدنا الى ايريبا متشوفين لمعرفة المزيد عما قاله لنا سليمان صندل من العدل والمساواة عن ارسال بعض رجاله الى مدينة باهاي الحدودية مع السودان لاصطحابنا الى معسكر الحركة في السودان في اليوم التالي. كان علينا اذا ايجاد طريقة لا يحرج الامم المتحدة، اتفقنا على عدم الافراط بالشرح. توجهت الى مكتب المسؤول واعلمته بأننا سنقضي 3 ايام في المنطقة الحدودية مع السودان لنعود مساء الاثنين الى ايريبا. هكذا كان. ابقينا الغرف وبعض الامتعة فيها. من المفترض ان تستغرق الطريق نحو 3 ساعات للوصول الى باهاي والطريق ليست بحالة جيدة حسبما علمنا.

اليوم السابع

اتفقنا على المغادرة في الخامسة والنصف صباحا، هكذا نصحنا حميد، السائق الشاب المحترف الذي اقلنا. تأخرنا لنحو الساعة السادسة والثلث، وانطلقنا بالتويوتا البيضاء الكبيرة الى باهاي. حميد شاب يبدو واثقا من نفسه، يعرف المنطقة وتعرجات وتضاريس الطرقات المؤدية الى باهاي. يعرف ايضا كيف يسيطر على سيارته التي يقودها بسرعة متفاديا في الوقت نفسه اخطار تغريزها في الرمال. وهو امر كان متوقعا بسبب طبيعة الرمال الناعمة في المنطقة. على انغام موسيقى مغني الـ"راغا" بلاك سومان من بوركينا فاسو والذي قضى في حادث سير عام 2002، وبعد اقل من 3 ساعات، وصلنا باهاي. كما كان مقررا، خابر رامي الشخص الذي من المفترض ان يقابلنا. كانت دقائق قليلة قبل وصول سيارة تويوتا لاند كروزر بيضاء نزل منها مسلحان. علي و"مسد كول". قرأت التعجب على وجه حميد وصديقه الذي رافقه كي لا يعود وحيدا الى ايريبا. صعدنا في اللاند كروزر. كنت حذرا وقلقا بعض الشيء على الرغم من ترحيب الشباب بنا. الرحلة الى داخل معسكر المتمردين داخل الاراضي السودانية استغرق 4 ساعات على الاقل في وقت اشتدت به عاصفة رملية ما لبثت ان انحسرت بعد وصولنا الى المعسكر بقليل. يوم تعارف ولقاءات وتبادل آراء وكلام سياسي وآخر عام اشبه باحاديث سياسية في مقاهي لندن او بيروت او دمشق او باريس. غريب الغوص في عمق الامور الى هذا الحد في وادي هور وهو عبارة عن غابة شاسعة في شمال دارفور. لا اذكر متى كانت آخر مرة شعرت بها بهذا القدر من الارهاق. لم نتأخر لننام في العراء، تحت "شجرة نظيفة" اختارها لنا الشباب كما اوصى احد قادتهم بينما كنا نتحدث اليه.

اليوم الثامن

لم اكن اول من استفاق من النوم. رامي سبقني ولم يكن حتى في مكانه. الفكرة الاولى التي راودتني هذا الصباح كانت محاولة استعادة تاريخ المرة الاخيرة التي استيقظ فيها وجسدي مسجون بكيس نوم بينما يستمتع نظري بحرية يصل مداها الى افق سماء زرقاء خالية من الغيوم. جهزت امتعة الليل بينما بدأت بالتركيز على جدول اعمال النهار من زيارة مواقع وترتيب مقابلات للافادة قدر الامكان من تجربة الايام الثلاثة التي اتيحت لنا والنجاح في تصوير واقع حياة المعسكر ونقل الصورة الحقيقية للمكان. لم يبد ذلك لي بمنتهى السهولة لذلك قررت وضع نفسي امام امتحان القدرة على التجرد من صورة الواقع التي يهدف المتمردون الى اظهارها للعلن. شاي ثم فطور تخلله الحديث عن برنامج النهار الذي انقضى بسرعة البرق بين زيارة القطع العسكرية والمقابلات مع المسؤولين العسكرين منهم والسياسيين. انتهى النهار بحضور حفل قسم اليمين لاعضاء جدد في المجلس التنفيذي للحركة وترقية البغض الآخر الى مراكز جديدة داخل الحركة. بين هؤلاء سليمان صندل الذي عين في منصب رئيس مخابرات الحركة. انقضى النهار، عدنا الى شجرتنا. وكانت سهرة دردشة تراوحت بين الشخصية والسياسية مع مجموعة من الشباب، تخللتها الكثير من الاسئلة حول السياسة اللبنانية وزواريبها والتي لم نكن ننتظر ان يكون بعض المتمردين ملمون بها الى هذا الحد.

اليوم التاسع

حدد لنا رئيس الحركة الدكتور خليل ابراهيم موعدا مبكرا لمقابلته في السابعة والنصف. كنا على اتم الاستعداد منذ السادسة والنصف، ما سمح لنا بتناول الشاي مع مجموعة تحت شجرة، ثم مع مجموعة تحت اخرى واخرى واخرى... والتعارف على الكثيرين الذين باتوا يعرفونا دون ان نعرفهم. بالطبع كان وجودنا محط كل الانظار حتى انه خلال حفل تأدية اليمين في اليوم السابق تخللت كلمات اثنين من المسؤولين ترحيبا بالصحفيين وبدور الاعلام. تأخر الدكتور ابراهيم نحو ساعة على موعد المقابلة بسبب انشغاله بلقاءات اخرى حسبما قيل لنا. ولكن مقابلته استمرت لنحو ساعتين وكانت شاملة ومفيدة جدا لناحية نظرة الحركة الى الواقع السوداني والمشروع السياسي وكيفية تحقيقه من وجهة حركة العدل والمساواة. انتهت المقابلة وبعدها حان وقت حزم الامتعة وانتظار السيارة التي ستقلنا الى ايريبا. طال الانتظار حتى الثانية بعد الظهر، انطلقنا بعربة مدججة برشاشات الكلاشنيكوف وقذائف الار بي جي الظاهرة بوضوح. هكذا عدنا الى عمق الاراضي التشادية في رحلة استمرت لنحو 5 ساعات ونصف برفقة علي في مقعد القيادة ومجموعة من المسلحين في خلف شاحنة التويوتا. تخللت الرحلة وقفة قصيرة في كرياري الحدودية، هناك اشترينا الدخان والمرطبات للشباب. كانت فرصة لمحاولة رد جميل حسن الضيافة. وصلنا الى ايريبا حوالي السابعة والنصف مساء ولحسن حظنا ، كان قد حل الظلام. ولكننا حرصنا بأن ننزل على بعد مسافة من موقع الامم المتحدة كي لا نحرج احدا لقدومنا بسيارة مسلحة. بعد استراحة صغيرة، قبلنا دعوة لقضاء بعض الوقت على شرفة صديقنتا الفرنسية التي كانت قد عادت الى ايريبا. جرى ما لم يكن في الحسبان اذ سئلنا عن مشاهدة سيارة مسلحة في شوارع البلدة. لم نعلق على الموضوع ولم نعطه اهمية. لم يكن الوقت قد حان للكلام احتراما للتعاون الكبير الذي ابداه طاقم المنظمة الدولية معنا لتسهيل تغطيتنا الوضع الانساني للاجئي دارفور في تشاد.

اليوم العاشر

مرة جديدة حضرنا امتعتنا، ولكن هذه المرة لمغادرة ايريبا نهائيا والعودة الى ابشه حيث نقضي ليلة نتوجه في اليوم التالي الى العاصمة نجامينا وكل ذلك على متن الطائرات التابعة للامم المتحدة. عند الظهر انطلقنا وبعد ساعة من الاقلاع هبطنا مجددا في ابشه حيث كانت فرصة جديدة لمقابلة الناطقة باسم الامم المتحدة في المنطقة واستيضاح بعض النقاط الغامضة او المتناقضة التي ظهرت خلال عملنا في المخيمات وبعد ان تمكنا من لمس الواقع وفهمه بعيدا عن التقارير المكتوبة والابحاث والتقصي التي كنا قد اجريناها سابقا. آنيت ريهر اعربت عن امتنانها باتمامنا مهمة العمل على نقل صورة واقع المخيمات وعمل المنظمات الانسانية، وكانت مناسبة لشكرها والمؤسسة على تسهيل عملنا. انقضى النهار بسرعة، ومنع التجول في ابشه يبدأ في الثامنة مساء. لم يبق لنا سوى خيار التوجه الى الغرفة، ولكن لحسن الحظ في هذه الليلة، تمكنا من الافادة من المكيف، فالمولد عمل طوال الليل، ما سمح لنا ان ننام بشكل طبيعي بعد ايام من الارهاق والقلق على مصير المهمة. كانت هذه الليلة بمثابة عودة تدريجية الى واقع الحياة المدنية.

اليوم الحادي عشر

انطلقنا مرة اخيرة الى مطار ابشه، وانتظرنا كالعادة لاكثر من ساعة حتى حان موعد الرحلة. استغرقت رحلتنا الى نجامينا اكثر من ساعتين فطائرة العودة كانت اصغر حجما من طائرة الذهاب. بعد الوصول الى الفندق، كان الوقت قد حان لبعض الراحة الحقيقية. ذهبنا كل الى غرفته، عدنا والتقينا لتنسيق ما تبقى لنا من مقابلات نجريها في العاصمة. وكان لنا بعض الاسئلة لمنظمة يونيسيف حول برامج اعادة تأهيل الاطفال المجندين ومعرفة ما اذا كان هناك اطفال جندوا على ايدي حركة العدل والمساواة كما تفيد الادعاءات. لاحقا كانت مناسبة للقاء بعض الموظفين والمتطوعين الدوليين التي باتت تربطنا بهم صداقة، كما كانت فرصة لتناول العشاء في مطعم معظم زواره من الاجانب. تطرقنا خلال الحديث الى رحلتنا وتفاصيلها، وكان الوقت قد حان بأن نكف عن اخفاء احد جوانب مهمتنا. وكان من المريح لي ان المس بأن تكتيك الانتباه والتكتم الذي اعتمدناه تجح في تسهيل عملنا من ناحية وفي الحرص على عدم التسبب باحراج مراكز الامم المتحدة لمساعدتنا لوجستيا.

اليوم الاخير

لم استيقظ باكرا. فلم العجلة بينما لم يتبق سوى مقابلة او اثنتين لاتمام العمل. توجهنا بسيارة اجرة الى مركز الامم المتحدة، وطلبنا لقاء المسؤول الذي كان منشغلا في سلسلة اجتماعات. حدد لنا موعدا بعد الظهر، فعدنا وقابلناه وانهينا الامر بما تيسر من معلومات واضافات تفيد ما قد جمعناه في ايام متتالية من العمل المتواصل. في اليوم الثالث عشر كان موعد العودة الى لندن، ولكن موعد المغادرة كان محددا في الـ11 مساء.

قضينا النهار، بعد الانتهاء من جمع الامتعة، بالافادة من حوض السباحة في الفندق وبلعب كرة الطاولة لساعات متواصلة تحت اشعة الشمس الحارقة. يوم آخر مليء بالكلام عن التجربة الفريدة، واليوم الوحيد الذي شكل خلاله الحر واشعة الشمس الحارقة مناسبة للاستمتاع والراحة.