متاعب الكاميرا في "قرية التايفويد" في مصر

."لاستخدام هذا الملف لابد من تشغيل برنامج النصوص "جافا"، واحدث الاصدارات من برنامج "فلاش بلاير

يمكن التنشغيل باستخدام برنامج "ريال بلاير"، او "ويندوز ميديا بلاير

قرية البرادعة بمحافظة القليوبية شمال القاهرة تعاني من مياه شرب ملوثة أدت إلي إصابة العشرات من أهلها بمرض التايفويد، حتى اشتهرت خلال الأيام الماضية بإسم "قرية التايفود". وقام فريق عمل بي بي سي في القاهرة بزيارة القرية للوقوف على أحوال أهلها، وخلال رحلتهم تعرضوا لمتاعب تلقي الضوء على بعض المواقف من وسائل الإعلام.

بينما كنا نقترب من مدخل القرية رأى سائقنا في مرآته الخلفية سيارة إسعاف تقترب من ورائنا. طلبت منه الوقوف على جانب الطريق كي تمر الإسعاف وطلبت من المصور أن يصورها بسرعة وهي تمر، وكان ظني أن سائق الإسعاف سيكون متعجلا لنقل مريضه وأن مصورنا قد لا يتاح له الوقت لالتقاط الصورة.

إلا أن ما حدث بعد ذلك كان على غير ما توقعته. فعندما رأى سائق الاسعاف الكاميرا وهي تصوره، توقف تماما وأخذ يبتسم لها ثم بدأ يقود سيارته على مهل ليتأكد من أن المصور أخذ فرصته كاملة للتصوير، غير عابئ بالمريض الذي ينتظر نقله.

استمرت رحلتنا بعد ذلك ووصلنا إلي الساحة الرئيسية في القرية حيث أقامت السلطات الطبية سرادقا كبيرا لتقديم العلاج لأهل البلدة والكشف عليهم.

بدأنا في التصوير وإذا بأحد المسؤولين عن السرادق ينطلق صوبنا طالبا منا التوقف. لماذا؟ قال إنه من الضروري الحصول على تصريح خاص من وزارة الصحة في القاهرة. حاولت إقناعه بأن ذلك مستحيل وأن تصويرنا للمكان هو في الحقيقة أمر لصالح وزارة الصحة لأنه يظهر الجهود التي تقوم بها لمساعدة الأهالي. لكن الإجابة واحدة لا تتغير: "آسف، لدي تعليمات".

بعد مفاوضات طويلة وافق الرجل أخيرا على السماح لنا بتصوير السرادق من الخارج فقط، وهو ما استغربته في البداية ثم ظهر لي تفسيره بعد ذلك عندما سمعت شكاوى متكررة من الأهالي حول مستوى الخدمة الطبية التي تقدم في الداخل.

ولم نكد نبدأ في التصوير حتى احاط بنا طوفان من الأطفال يتقافزون أمام الكاميرا مبتسمين وملوحين لها.. هذا هو الأمر المعتاد أثناء التصوير في الأماكن الشعبية في مصر ولكنني لم أتوقعه – أو على الأقل لم أتوقع أن يكون بمثل هذا الحماس - في قرية تعاني الأمرين بعد أن أصيب أهلها ببلاء أدى إلي سقوط عشرات المرضى.


الشرطة والجمهور

مضينا بعد ذلك نصور في شوارع القرية وفي بيوت أهلها الذين أبدوا ترحيبا كبيرا ورغبة في إيصال شكواهم عبر وسائل الإعلام. إلا أنه وبعد ما يزيد عن ساعة من العمل فوجئنا بضابط أمن يحاول منعنا من التصوير بدعوى أنه يجب الحصول على تصريح خاص من وزارة الداخلية.

أبديت استغرابي الشديد لكونه اكتشف هذا الأمر فجأة بعد ساعة من التصوير، خاصة وأنه قد رآنا من قبل، وحاولت أن أشرح له هو الآخر استحالة الحصول على تصريح من وزارة الداخلية الآن. لكن الإجابة كالمعتاد: "تعليمات".

ما حدث بعد ذلك كان بمثاية "ثورة صغيرة". فقد كان نقاشنا مع الضابط على مرأى ومسمع من أهل البلدة، وإذا بأحدهم فجأة يرتفع صوته مطالبا إيانا بالاستمرار في التصوير لنرصد ما يحدث في القرية، وبالتدريج بدأ الأهالي المتجمهرون يكتسبون ثقة وبدأوا يتصايحون ضد الضابط معترضين على محاولته منع تصوير المشكلات التي يعانون منها.

توقعت أن يصيح فيهم الضابط ناهرا أو يهددهم بالاعتقال، فالعلاقة بين المواطن المصري ورجل الأمن هي عادة علاقة رهبة شديدة من قبل الأول وسطوة غير محدودة من قبل الأخير، لكن المفاجأة كانت أنه أمام سخط الأهالي انسحب الضابط جانبا هو وجنوده.

والحقيقة أن موقف رجل الأمن ومن قبله مسؤولي سرادق العلاج في رفضهم للتصوير دون وجود تصاريح مسبقة، يلقي الضوء على مشكلة رئيسية في العمل الصحفي – خاصة التليفزيوني – في مصر.

فمن الناحية النظرية هما على حق، فالقانون المصري المنظم لعمل وسائل الإعلام الأجنبية يشترط الحصول على تصريح قبل تصوير أي شيء، ولا يكفي أن تكون معتمدا لدى الهيئة العامة للاستعلامات – المسؤولة عن عمل الاعلام الأجنبي – بل يجب أن تحصل على تصريح خاص كل مرة تريد أن تخرج فيها لتصور أي مكان عام.

وللحصول على هذا التصريح يجب مخاطبة عدة جهات في الدولة – إعلامية وأمنية – كتابة ثم تنتظر أياما أو أسابيع للحصول على الموافقة. وبطبيعة الحال ولأن العمل الصحفي لا يحتمل التأخير دقائق أو ساعات – ناهيك عن أيام أو أسابيع – فإن العمل بهذه المنظومة القانونية هو أمر شبه مستحيل.

ولذلك فإن ما يحدث عمليا هو أن السلطات تتغاضى أحيانا عن عدم وجود تصاريح مع فريق العمل وتتشدد أحيانا تبعا لحساسية الموضوع أو وفقا لهوى رجل الأمن الموجود في موقع الحدث. ومن ناحيتها تحاول وسائل الاعلام أن "تضرب ضربتها" قبل أن تلحق بها أعين السلطات أو "تتفاوض" مع الضابط أو الجندي الموجود في مكان الحدث ليتساهل معها. والنتيجة في كل الحالات تقييد حرية العمل الصحفي والتأثير سلبا على جودة المنتج الإعلامي

BBC © 2014 البي بي سي غير مسؤولة عن محتوى المواقع الخارجية

يمكن مشاهدة هذه الصفحة بافضل صورة ممكنة من خلال متصفح يحتوي على امكانية CSS. وعلى الرغم من انه يمكنك مشاهدة محتوى هذه الصفحة باستخدام المتصفح الحالي، لكنك لن تتمكن من مطالعة كل ما بها من صور. من فضلك حاول تحديث برنامج التصفح الذي تستخدمه او اضافة خاصية CSS اذا كان هذا باستطاعتك